نظرة عامة:
التجارب التعليمية التي تظل عالقة في الذاكرة نادراً ما تنبع من درس واحد محدد أو نشاط بعينه، بقدر ما تنبع من معلمين بنوا علاقات قوية وداعمة، تكيفوا مع احتياجات الطلاب، وسعوا بوعي لتعزيز النمو الاجتماعي‑العاطفي لرفع مستوى الانخراط والنجاح. في ميدان التعيلم، يتضح أن النفس الإنسانية والعلاقة الإنسانية هما مرساة الفعل التربوي المؤثّر.
مؤخراً أجريتُ مسحاً غير رسمي بين زملائي من المعلمين حول أكثر اللحظات التي لا تُنسى لديهم كـ«طلاب» قبل أن يفكروا في التحاقهم بمهنة التدريس. شملت الاستجابات ذكريات من المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية وحتى الجامعة. كنت أتوقع قصصاً عن حدث بعينه أو حكاية طريفة، لكن ما فوجئت به هو اتساق الذكريات حول تجارب طويلة الأمد؛ غالباً ما تذكروا معلماً واحداً أخذ الوقت ليعرفهم كطلاب وكأشخاص، أو معلماً أدرك معاناتهم وعدّل من طريقة عرضه للمادة ليجعلها أكثر يسرًا وفهماً.
بدأ الكثيرون سردهم بالإقرار أنهم لم يكونوا يحبون المدرسة أو مادةً بعينها، إلى أن ظهر ذلك المعلم الذي لمس وترّ، أبدي حماساً، بسّط الموضوع، وغيّر أسلوبه التدريسي بطريقة أشعلت في الطالب رغبة التعلم. وبالمقابل، كلما جمع المعلم معلومات أدق عن جمهوره، ازداد فهم الجمهور للمادة.
نحن كمعلمين في مدرسة مهنية وتقنية لطلاب الصف الحادي عشر والثاني عشر نعتمد كثيراً على التعلم القائم على المشاريع والأنشطة التطبيقية. تمتلئ أيامنا بتعليم مهني، ومهارات اللغة والرياضيات، وكثير من الهندسة. ولطالما تبنّت مدارس تقليدية أنماط تدريس أكثر عملانية وحققت درجات متفاوتة من النجاح؛ فكل جديد يكسر روتين اليوم المدرسي يُستَقبل بحماس من الطلاب والمعلمين على حد سواء. ورغم توقعاتي أن تبرز في المسح المشاريع والأنشطة كعوامل الذاكرة الأولى، تبين أن أساسيات التدريس الجيد — بغض النظر عن طبيعة المدرسة — كانت الغالبة، وهو ما يعيدنا إلى محور «بناء العلاقات مع الطلاب».
من بين تقنيات بناء العلاقة، وجدتُ أن أبسطها وأكثرها إهمالاً كان التحية والوداع. كفريق، قرر المعلمون والإداريون أن يتواجدوا خارج أبواب قاعاتهم وفي الأماكن المشتركة ومداخل الحافلات. ولو بدا هذا مفاجئاً لبعض الطلاب المألوفين بالانطواء، إلا أن الممارسة نمت وأتاحت للمعلمين فرصة ملاحظة من قد يمر بيوم سيئ أو من يحتاج إلى تفاعل اجتماعي بسيط. وبمرور الوقت أصبحت هذه العادة غريزية لدى كثير من أفراد الطاقم.
كما أن التعلم الاجتماعي‑العاطفي (SEL) له منهجيته الخاصة. قبل نحو أربع سنوات أطلقت المؤسسة مبادرة SEL على مستوى المدرسة، لكن بدلاً من فرضها قسراً، شكّل ستة معلمين بمساعدة المرشد الطلابي مجموعة عمل ونمّوا العديد من الممارسات خلال اجتماعات فرق التطوير المهني الشهرية. هذا النهج سمح للمعلمين بالانخراط الفعلي والاعتراف بأن معظم الأساليب كانت بالفعل موجودة عضوياً داخل فصولهم. ونتج عن ذلك ارتفاع ملموس في دعم الطلاب وبناء العلاقات.
المبادئ المشتركة لـ SEL — مثل إدارة الذات، والوعي الذاتي والاجتماعي، واتخاذ القرار المسؤول، ومهارات العلاقات — تتكامل بسلاسة مع مناهجنا التي تركز على التعلم المهني حيث تُعطى مهارات القابلية للتوظيف وأخلاقيات العمل الناجحة أهمية خاصة. كما في كل الفصول، تُسهم هذه المهارات بشكل جوهري في نجاح الطالب.
جانب حاسم آخر في SEL هو إتاحة الفرص للطلاب لممارسة ما اكتسبوه فعلياً. ومن أكثر الأساليب شيوعاً في مركزنا العمل ضمن مجموعات صغيرة لممارسة مهارات التواصل وحل المشكلات. تتطلب العديد من المشاريع أن يشكل الطلاب فرقاً للوصول إلى هدف نهائي؛ قد يكون حل قضية جنائية، أو تجميع روبوتات، أو إنشاء مواقع إلكترونية، أو تصميم خرائط هندسية، أو إعداد خطط طيران، وغيرها من الفرص التطبيقية.
نستقبل طلاباً من 26 منطقة مدرسية تغطي خمس مقاطعات، لذلك جسم طلابنا متنوع جداً. كثيراً ما تكون هذه أول مواجهة لطلاب الصف الحادي عشر والثاني عشر مع خلفيات وتربيات مختلفة عن مألوفهم. ومن أعظم فوائد الحضور إلى مثل هذه المدرسة توسيع الآفاق؛ ففرص التواصل والتعرّف على ثقافات مهنية واجتماعية جديدة قد لا تتاح إلا في الجامعة أو مع مطلع الحياة المهنية.
عندما نعلّم نعرف. كل معلم يدرك الطالب الذي «غادر الفصل» ذهنياً رغم أنه ينظر بأدب نحو السبورة أو المتحدث. هنا تكمن فائدة بناء العلاقات المبكر في أن تدفع الطالب المُكافح نحو خط النهاية. الأساسيات أصبحت طبيعةً ثانية لمعظمنا: متابعة فردية خلال الحصة، تعديل طريقة العرض، التعلم وفق إيقاع الطالب، وبناء الدروس تدريجياً وفقاً لاحتياجات الفرد. ومع ذلك، ومع صرامة المعايير، واختبارات نهاية الفصل، والإرشادات الحكومية، وجميع الأعمال الإدارية، ليس من الصعب أن نغفل أهمية هذه العلاقات.
لذلك، سواء كنت معلماً مخضرماً أم جديد العهد بالمهنة، لا يَضُرُّك تذكّر أبسط قواعد بناء العلاقة. وإذا شعرت يومًا بأنك تكافح، تذكر أولئك المعلمين الذين ألهموك ودعموك، وكانوا قريبين ومتوافرين، ممن جعلوك تحس بأنهم يهتمون بك كشخص. يوماً ما قد يتذكرونك هم أيضاً كمَن لمس وترّ في نفس أحد طلابهم وأشعل فيه الحماس، أو ألهمه للقيام بأمور عظيمة.