مسعى أميركي لعقد لقاء بين قادة لبنان وإسرائيل قد يؤجج التوتر — إسرائيل تشن هجمات على لبنان

بيروت — مع اشتداد المعارك في جنوب لبنان، يتزايد الضغط على الرئيس جوزيف عون للقاء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو مباشرة في مناسبة قد تفاقم الاحتقان الداخلي. من المقرر أن يزور عون البيت الابيض في أواخر مايو، بعد شهر من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن — الأولى منذ عقود — والتي أحدثت انقسامات واسعة بين اللبنانيين.

القرار بالدخول في حوار مباشر أغضب بشكل خاص حزب الله، الذي يفضّل التفاوض غير المباشر كوسيلة لوقف الحرب وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية من الأرض اللبنانية. المحادثات الجارية حتى الآن كانت بين السفيرين لدى الولايات المتحدة وليس على مستوى مسؤولين أرفع، ما يثير تساؤلات حول مدى جدّيتها.

محلّلون يؤكدون أن البيئة الداخلية الممزقة تجعل احتمال عقد قمة بين عون ونتنياهو في واشنطن ضعيفاً، إذ تفتقر مثل هذه المبادرة إلى إجماع عابر للطوائف في لبنان. دانيا أريسي، محللة كبيرة في New Lines Institute، تشير إلى أن الدفع نحو القمة يقوده تقويم زمني ورغبة واشنطن في تحقيق “إنجاز مرئي”: وقف إطلاق النار المؤقت ينتهي في 17 مايو، والسفارة الأمريكية في بيروت ربطت دعمها بمسألة اللقاء، والإدارة الاميريكية تسعى إلى صورة على غرار “اتفاقيات إبراهيم” تُقدّم لبنان كالعنصر التالي في سلسلة التهدئة الإقليمية.

استفزازات إسرائيلية
اندلعت الحرب الإسرائيلية على لبنان في أكتوبر 2023، بعد اندلاع الحرب على غزة. تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في نوفمبر 2024، لكن إسرائيل واصلت قصفاً متقطعاً انتهك الهدنة آلاف المرات خلال خمسة عشر شهراً. وردّ حزب الله في 2 مارس، بعد اغتيال المرشد الإيراني قبل يومين، وفق الرواية الواردة.

شنت إسرائيل عمليات اجتياح وتسببت في تدمير منظم للبلدات والقرى الجنوبية؛ ومنذ 2 مارس أسفرت الضربات عن مقتل نحو 2700 شخص من بينهم أكثر من مئة عامل في القطاع الصحي، ونزوح أكثر من 1.2 مليون شخص مع استمرار أوامر الإخلاء في بعض المناطق. وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق نار في 16 أبريل، تواصلت الاشتباكات، خصوصاً في أراضٍ لبنانية احتلّها الإسرائيليون.

يقرأ  قوات روسية تسيطر على مدينة سيفيرسك بعد انسحاب القوات الأوكرانيةأخبار الحرب الروسية الأوكرانية

في محاولة لوقف الحرب وإنهاء الاحتلال الجزئي، قبلت الحكومة اللبنانية التفاوض المباشر بوساطة أمريكية، لكن الاجتماعات الفعلية اقتصرت حتى الآن على السفراء. الجانب الإسرائيلي يشترط نزع سلاح حزب الله كشرط لحماية المدن الشمالية الإسرائيلية من الهجمات. بعض المسؤولين اللبنانيين يرون أن انتهاكات وقف النار الإسرائيلية تقوّض أي مسعى لإخراج السلاح من الخارجين عن القانون؛ وقد أعلنت الحكومة اللبنانية في 2 مارس أن الأنشطة العسكرية لحزب الله غير قانونية.

وخلال الحملة العسكرية حاولت إسرائيل توظيف الانقسامات الطائفية القائمة لإحداث شقوق أعمق في النسيج اللبناني، بما في ذلك محاولات إثارة التوتر بين المجتمع الشيعي، الذي يستمد منه حزب الله معظم تأييده، وبقية المكونات الدينية. تجلّت هذه التوترات في سلسلة حوادث إعلامية واجتماعية؛ فقد بثّت محطة تلفزيونية لبنانية مقطع كاريكاتوري يسخر من مقاتلي حزب الله وزعيمه، فأباد بعض مناصري الحزب بردود مسيئة طالت البطريرك الماروني.

بالنسبة لعون، وهو ماروني، فإن مصافحة نتنياهو — الذي نشر مؤخرًا شريطًا يوثّق تدميراً نفّذته قواته في جنوب لبنان — ستُعتبر استفزازاً كبيراً لدى قطاعات واسعة. نيكولاس بلانفورد يرى أن “ظهور عون وهو يصافح نتنياهو سيترك تداعيات سلبية جداً في لبنان” ولن يُستقبل باعتباره خطوة تهدئة داخلية.

غياب الدعم الإقليمي
تضاءلت فرص انعقاد اللقاء عملياً إذ أعلن عون أنه ليس الوقت المناسب. قال إن على وقف الهجمات أولاً والتوصّل إلى اتفاق أمني قبل أن تُثار مسألة اللقاء. داخلياً، تحظى الفكرة بدعم محدود: رئيس البرلمان نبيه بري، الحليف الأقرب لحزب الله، يقول إنه لا يمكن بدء مفاوضات قبل انتهاء الحرب، وزعماء آخرون كالدرزي وليد جنبلاط يؤكدون أن التفاوض أثناء القصف أمر مستحيل.

أريسي ترى أن تردد عون يعكس افتقاده إلى الإجماع الداخلي اللازم لإضفاء شرعية على قمة رئاسية بينما لا تزال مواقع إسرائيلية داخل لبنان وموجات قصف مستمرة ومئات الألوف مشردين. ناديم حوري من مبادرة الإصلاح العربي في باريس أضاف أن المشهد ربما كان سيختلف لو صمد وقف إطلاق النار وتم الحد من صور الدمار، بما في ذلك ما طال كنائس وقرى مسيحية، لكنه لا يتوقع أن يوافق عون على لقاء قد يفسر على أنه انتحار سياسي، خصوصاً من دون ضمانات إقليمية واضحة.

يقرأ  اشتباكات حدودية جديدة بين أفغانستان وباكستان عقب غارات مميتة— أخبار طالبان باكستان

الضغط الأكبر يبدو أمريكياً؛ إدارة ترامب، التي تباهت سابقاً بقدراتها الدبلوماسية، تبحث عن لقطة بصرية تُظهِر إنجازاً سريعاً. بلانفورد حذّر من تسارع أمريكي قد يجهل تعقيدات الواقع اللبناني، ودعا إلى تروي في المطالبة بصور “مؤثرة”. في المقابل، تجاهل السفير الأمريكي لدى لبنان ميشال عيسى حساسية المسألة عندما سئل عن لقاء مباشر محتمل بين عون ونتنياهو، ما يُظهر أن الرغبة بالإنجاز الخارجي لا تزال أقوى من إدراك تعقيدات الأرض اللبنانية. أوضح عيسى أنه يرى فائدة في أن يضع عون شروطه وأن يستمع إليها نتنياهو.

مع ذلك، أشار محلّلون إلى أن بعض الدوائر في الإدارة الأميركية تدرك حساسية فرض مثل هذا اللقاء بين الكيان الإسرائيلي ولبنان.

«بعض الأفراد في الإدارة الأميركية يدركون أن مثل هذا اللقاء سيزعزع استقرار لبنان، ويفهمون أن عقده الآن ليس فكرة جيدة بالنظر إلى الوضع الراهن من هجمات ودمار في البلاد»، قال هوري.

لا دعم سعودي للاجتماع

الافتقاد إلى الدعم لمثل هذه الخطوة ليس محلياً فحسب، بل إقليميًا أيضاً.

عقد مسؤولون سعوديون خلال الأسابيع الماضية لقاءات مع عون وبري سعياً إلى إيجاد توافق بين القيادات اللبنانية وتوحيد الموقف اللبناني. سعت السعودية إلى تقريب موقف لبنان من الموقف العربي الأوسع الذي يرفض تطبيع العلاقات مع اسرائيل حتى تتبلور خارطة طريق واضحة لإقامة دولة فلسطينية.

«السعودية ودول أخرى في المنطقة ليست متحمّسة لهذه الخطوة الآن»، قال هوري. «هم بالتأكيد يريدون وقف إطلاق النار في لبنان، لكنهم لا يريدون أن يتجه لبنان نحو مفاوضات مباشرة مع الكيان الإسرائيلي عبر لقاء بين بنيامن نتنياهو وجوزيف عون بينما هم معارضون لذلك».

في نهاية المطاف، قال هوري وآخرون إن العوامل المحلية والإقليمية تدفع في اتجاه معاكس لأي لقاء مباشر قد يفجّر التوترات الداخلية في لبنان. وأكدوا أن أيّ لقاء من هذا النوع لا يمكن أن يُعقد إلا بعد تسوية عدد من الملفات وتهيئة شروط واضحة.

يقرأ  مستشار عسكري أميركي بارز يجري جولة في منطقة الكاريبي مع تزايد الضغوط على فنزويلا — أخبار المخدرات

«إنها أحجية متعددة المستويات»، خلص هوري. «لا أرى، في السياق الراهن، عون يذهب لمقابلة نتنياهو وجهاً لوجه في هذه المرحلة.»

أضف تعليق