«العالم يدق ناقوس الخطر» لماذا أصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى المستعمر الجديد؟ مقالات مميزة

اسطنبول، تركيا — كشفت تحقيقات أجرتها قناة الجزيرة ووسائل إعلام أخرى عام 2024 أن أنظمة ذكاء اصطناعي مرتبطة بإسرائيل، مثل «لافندر» و«غوسبل»، ساهمت في توليد آلاف الأهداف العسكرية في غزة. واعتبر كثيرون أن هذه التطورات لا تعني مجرد تغيّر أدوات الحرب فحسب، بل دخولها عصراً جديداً تُحكم فيه الخوارزميات والبيانات وتقنيات المراقبة إلى جانب الجنود والذخائر.

في سبتمبر 2024، انفجرت آلاف أجهزة الردّ الّتي يستخدمها عناصر حزب الله (البيجرات والواكي توكي) في هجمات منسقة على لبنان، واتجهت أصابع الاتهام نحو عمليات استخباراتية نسبت إليها جهات إسرائيلية حولت أجهزة اتصال عادية إلى أدوات هجومية.

وفي عام لاحق، أثارت تقارير للجزيرة مخاوف حيال استخدام بنى سحابية وبُنى بيانات مرتبطة بشركات تكنولوجية أمريكية في عمليات مراقبة واسعة طالت الفلسطينيين، مما عرّض دور البنى التحتية الرقمية ومساحات التخزين السحابية للتدقيق الأخلاقي والسياسي.

بالنسبة لعدد متنامٍ من الأكاديميين والاقتصاديين والمفكرين السياسيين، تعكس هذه الظواهر أكثر من مجرد تحول في طبيعة الصراعات: إنها تبين كيف صار النفوذ في العالم الحديث يُمارَس ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر التكنولوجيا والتمويل والسيطرة على تدفّق المعلومات.

أعاد هذا الجدل إلى الواجهة مفاهيم «الاستعمار» وما يتفرّع عنها من نظريات «إزالة الاستعمار». وتشير المدرسة التي تُعرف بالنظرية ما بعد الاستعمارية أو «الديسكونولوجيا» إلى أن أنساق القوة والهرمية التي تبلورت في حقبة الاستعمار لم تختفِ تماماً، بل تطوّرت واندست داخل الأنظمة المالية العالمية، ومنصات التكنولوجيا، وشبكات الإعلام، بل وحتى داخل إنتاج المعرفة.

اعتماد دول الجنوب العالمي على التكنولوجيا الغربية والبُنى الرقمية والأسواق العالمية يفرز أشكالاً جديدة من الضعف السياسي والاقتصادي، بحسب محلّلين كثيرين.

قالت اسرا ألباياراك، رئيسة مجلس ادارة مؤسسة «نون» للتعليم والثقافة وابنة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في منتدى «عالمية إزالة الاستعمار» بإسطنبول (11–12 مايو) إن جيلًا قد نما وهو يعتقد أنّه لم يعش الاستعمار أو لم يُستغل، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنّ تأثيرات الاستعمار قد زالت من ذاكرته أو من بنياته الفكرية.

يقرأ  قُتل ثلاثة فلسطينيين على الأقل في استهداف إسرائيلي لخيمة في غزة

وترى أنَّ حرب غزة شكّلت نقطة تحوّل، إذ أظهرت تبايناً صارخاً في تطبيق المبادئ الدولية، وأن المؤسسات العالمية لم تنجح حتى الآن في إيقاف ما وصفته كثير من الدول والمنظمات الحقوقية بالإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين. وأضافت: «العالم يطلق إنذاراً ولا يمكننا بعد الآن تبرير التوجّه نحو اللامبالاة».

عصر تقني إقطاعي

تقول ألباياراك إن مجموعة محدودة من شركات التكنولوجيا باتت مراكز قوة غير مرئية، تشكّل طرق إنتاج وتداول واستهلاك المعلومات في العصر الرقمي. وتصف الفضاء الرقمي بأنه حقل ما تسميه «الاستعمار المستقبلي»، محذّرة من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المدربة أساساً على بيانات غربية قد تُكَرّس التراتب القديم وتطمس الهويات المتعددة.

عندما تُدار نماذج الذكاء الاصطناعي بأدوات شركات محددة وتعتمد على مصادر غربية، فإنها قد تحوّل أعراف الماضي إلى بنى رقمية جديدة تقلّص من ظهور اللغات والثقافات ووجهات النظر غير الغربية. وعلى منصات التواصل، تميل الخوارزميات إلى تضخيم صراعاتٍ محددة وإخفاء أخرى، بما يحدّد فعلياً ما يراه ويؤمن به ويُذكّره مليارات المستخدمين.

يؤكد والتر د. ميجنولو، أستاذ بجامعة ديوك، أن ما اعتُبر تاريخياً استعباداً استعماريًا رسميّاً قد انتهى إلى حدٍ ما، لكن «الاستعمارية» كمنظومة استمرار للهيمنة الغربية تتجسّد اليوم عبر الاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا وإنتاج المعرفة. ولهذا يقترح أن لا يكتفي المجتمع بالمقاومة فقط، بل يسعى إلى «إعادة الوجود» عبر بناء استقلال فكري وثقافي خارج الأطر المهيمنة.

المستعمرون في عصر المال

يُشير تقرير الدين العالمي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (مارس 2026) إلى أن 44 دولة تواجه أعباء دينٍ ثقيلة، غالباً ما تفاقمها النزاعات العالمية، مما يضطر بعض الحكومات إلى إنفاق مبالغ على فوائد الدين تفوق ما تنفقه على الصحة أو التعليم.

وليس هذا جديداً؛ فدولٌ نامية تعاني منذ عقود من أعباء الديون الخارجية. لكن الكاتبة والاقتصادية البريطانية آن بيتيفور ترى أن أشكال الهيمنة المعاصرة أصبحت متمركزة أكثر في أنظمة مالية تعمل خارج إشراف ديمقراطي تقليدي. وتشير إلى نمو شبكات المصارف «الظلّية» ومديري الأصول الضخمين مثل بلاك روك، التي تُدير تريليونات الدولارات.

يقرأ  اعتقال أكثر من ٥٠٠ شخص خلال تظاهرة حركة «فلسطين أكشن» في لندن — أخبار حقوق الإنسان

وتعمل كثير من مشروعات البنية المالية العالمية عملياً خارج نطاق رقابة الحكومات، حتى حكومات الدول الغربية نفسها، بحسب بيتيفور. وتقول: «هذا ليس دولة تسيطر على دول؛ بل النظام المالي يستعمر العالم بأسره، بما في ذلك بلدي والولايات المتحدة». وتوضح أن الحكومات المنتخبة تجد صعوبة في التحكم في واقع اقتصادي حاسم — من أسعار الطاقة إلى أسواق السلع الأساسية — لأن نظماً مالية عالمية تتحكّم بها جهات فاعلة بعيدة عن المساءلة العامة.

في نيجيريا، على سبيل المثال، تواجه محاولات توسيع قدرات التكرير المحلية ضغوطاً من مؤسسات مالية دولية وأسواق الطاقة العالمية للحفاظ على ربط أسعار الوقود بالأسواق العالمية والاعتماد على المنتجات المكرّرة المستوردة رغم احتياطاتها النفطية الضخمة.

ترى بيتيفور أن تنسيق الجهود بين دول الجنوب قد يكون ضرورياً للتصدّي لهيمنة الأنظمة المالية الممركزة في الغرب، وتستدعي في ذلك مبادرات إقليمية لزيادة قدرات التكرير والحدّ من الاعتماد على الواردات ــ مع التحفّظ من أن مثل هذه الطموحات قد تترك قطاعات حيوية رهينة لقرارات عددٍ قليلٍ من اللاعبين الخاصين الأقوياء.

تعرّف الحياة اليومية الآن عبر أسواق مالية عالمية، منصات مدفوعة بالخوارزميات، وبُنى تحتية رقمية تحت تأثير أجانب؛ فهذا ينعكس على أسعار الوقود والغذاء، وعلى المعلومات التي يستهلكها الناس، وعلى التقنيات التي تعتمدها الدول والمجتمعات.

«عقدة التفوق»

مع تأثر الحروب المتزايد بالذكاء الاصطناعي والبنى الرقمية والاعتماد المالي، تحوّل الجدل حول الاستعمار من التركيز على السيطرة الإقليمية إلى من يهيمن على أسعار الطاقة وأنظمة الإقراض والوصول إلى التكنولوجيا وتدفّق المعلومات عبر الحدود.

تسترجع ألباياراك قصيدة روديارد كيبلينغ عام 1899 «عبء الرجل الأبيض» التي برّرت، آنذاك، التوسع الاستعماري باعتباره واجباً حضارياً يهدف إلى «تمدين» الشعوب، وليس مجرد ممارسة للهيمنة. تقول إن آثار تلك «عقدة التفوّق» ما تزال حاضرة لكن بصورة مختلفة اليوم: ليست بالضرورة احتلالاً عسكرياً، بل نفوذاً تكنولوجياً ومالياً وإعلامياً.

يقرأ  مينيابوليسضابط في سلطات الهجرة الأمريكية يقتل امرأة بإطلاق النار

وترى أن ما يحتاجه العالم اليوم هو نظامٍ دولي يقوم على المسؤولية المشتركة بدلاً من التسلسلات الهرمية. إذ يجب أن يتحمّل المجتمع الدولي العبء معاً، فلا يكون العبء مقصوراً على شعبٍ أو منطقة بعينها، بل على البشرية جمعاء.

أضف تعليق