المرشدات الدينيّات في موريتانيا في طليعة مواجهة «التطرّف» أخبار

نواكشوت، موريتانيا — عبر امتدادٍ واسع من منطقة الساحل وغرب إفريقيا تتصاعد وتيرة النفوذ المسلح، وتستبدل حكومات عسكرية ديمقراطيات هشة، بينما تبقى الجهود المعلنة لمكافحة «الإرهاب» محكومة بصراع طويل مع عنف مسلح متجذّر غالبًا في الفقر وظروف عيش قاهرة.

فوق هذه الخريطة المضطربة، تبرز موريتانيا كحالةٍ استثنائية استطاعت إلى حدّ بعيد إخماد لهيب التصدّعات، ويُعزى جزءٌ كبير من هذه المرونة إلى شبكات من النساء المرجعيات اللاتي يجلسن بحجاب أمام شبابٍ أو نزيلاتٍ في زنازين، يتحدّثن عن الله والحياة والبدائل الممكنة للعنف.

المرشادات الموريتانيات (mourchidates) هنّ مرشدات روحياتٍ إسلاميات مؤهلات، درّبتهنّ الدولة واعتمدتهنّ وزارة الشؤون الإسلامية منذ 2021. البرنامج نفسه ليس وليد اللحظة؛ له جذورٌ في تجربة المغرب بعد تفجيرات الدار البيضاء 2003، حيث أُطلقت مبادرات إصلاح ديني شملت تكوين نسائي رسمي في الفقه والعلوم الدينية والخدمات الاجتماعية.

النموذج المغربي، الذي أُنشئ في 2006، منح المرشدات تأهيلاً منهجيًا يؤهّلهنّ لتقديم الإرشاد الديني والمشورة الأسرية، فضلاً عن مواجهة السرديات المتطرفة بالاستناد إلى مرجعية علمية ونقدية للنصوص. بفضل هذا التكوين، تستطعنّ نقاش معتقلين مقتنعين بشرعية العنف على أرضية دينية، تفنيد الحجج تفنيدًا منهجيًا، وتقديم قراءات بديلةً متسقة مع أصول الشريعة وسياق المجتمعات.

تتواجد المرشادات في المدارس ومراكز الشباب والمساجد والمستشفيات، وخصوصًا في السجون، حيث تُعدّ الزنازين ميدانًا حاسمًا للأفكار. داخل السجون، تتبنّى المرشادات نهجًا طويل الأمد يقوم على بناء الثقة والحوارات المتعمقة؛ لا يقتصر دورهنّ على الرعاية النفسية، بل يمتد إلى مساءلة التكوينات العقدية التي استُخدمت لتبرير استهداف المدنيين، ومحاولة خلق مساحات للتراجع عن الاختيارات العنيفة عبر قراءة نصوصية مغايرة وصبورة.

إنّ نزع التطرف حين ينجحُ، يقوم غالبًا على علاقاتٍ شخصية واجتماعية موثوقة. وقد مكّن الارتباط الوثيق للمرشادات بالمجتمعات المحلية هذه النساء من بنائها بطرق قد يعجز عنها حراس السجون الذكور أو المسؤولون العسكريون أو حتى بعض العلماء التقليديين.

يقرأ  بلغاريا تُجري انتخابات برلمانية مبكرة في 19 أبريل إثر احتجاجات — أخبار الانتخابات

دور المرشادات وقائي في جوهره؛ فهنّ يشتغلن في فضاءات المجتمع ليتصلن بالشباب قبل أن يصبحوا عرضةً لشبكات التجنيد التي توظف البطالة والتهميش والمظالم المشروعة، مستخدمةً غالبًا لغةَ الدين. من هنا تنبثق قوة هذا النهج: سردٌ متماسك ومشروع للمعنى يعادل منطق القوة العسكرية ويطعن في شرعية الخطاب المتطرّف.

اعتمدت موريتانيا استراتيجية شاملة جمعت بين جمع معلومات استخبارية، والعمل المجتمعي، والإصلاح الديني، وبرامج مثل مشروع المرشادات. وقد انعكس ذلك، إلى حدّ ما، في تجنّب البلاد لحجم الهجمات التي هزّت دولًا مجاورة كمالي وبوركينا فاسو. مع ذلك، لا يُعدّ الأمر حلًا نهائيًا: البلاد ما تزال تواجه تحديات حكم ورهانات اقتصادية واجتماعية، والمنطقة الأوسع تراكم فيها عنفٌ مسلّح وفقر وتهجير ونقص في حضور الدولة — ضغوط لا تستطيع أي مبادرة منفردة معالجتها بالكامل.

كما أن اتساع أثر برنامج المرشادات محدود بموارده وحجمه، وتثار أسئلة مشروعة حول مدى إمكان تكرار هذا النموذج في سياقات مختلفة من دون تكييفه مع خصوصيات كل مجتمع. مع ذلك، تبقى تجربة موريتانيا مؤشّرًا مهمًا على أن الاستثمار في قيادات دينية نسائية مدرَّبة يمكن أن يكون جزءًا فاعلًا من مزيجٍ أوسع للوقاية وبناء السلم الاجتماعي. التجربة المغربية جرى تكييفها جزئياً في دول أخرى ذات أغلبية مسلمة، لكن ظروف مريتانيا — مجتمع متدين بعمق، واحترام للعلم النسائي، ووجود سلطة دولة ذات مصداقية، والارادة السياسية — تجعلها حالة فريدة.

في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، يستلزم تكرار هذا النموذج إعادة بناء ثقة تآكلت بين الدولة والمجتمع.

في وقت تهيمن فيه سياسات مكافحة الإرهاب الدولية في منطقة الساحل على التواجد العسكري، والضربات الجوية بالطائرات من دون طيار، والتدخلات الخارجية، تقدّم موريتانيا درساً مختلفاً: بعض أقوى أدوات منع العنف المتطرف لا تكمن في قوات خاصة أو عمليات عسكرية، بل في نساء متدرِّبات، مسلحات بالمعرفة والصبر.

يقرأ  ترامب يعلن صفقة مع الصين تسمح لتطبيق «تيك توك» بالاستمرار في العمل بالولايات المتحدة — أخبار دونالد ترامب

«تثبت المرشدات الموريتانيات أن المقاربات المجتمعية قد تكون أكثر فاعلية من أي نهج آخر»، قال الحسين.

أضف تعليق