طفح يشبه الحروق والجوع أطفال غزة في مواجهة أزمة أمراض جلدية وسط الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

خان يونس — قطاع غزة

في ممر داخل مستشفى ناصر تجلس ايمان أبو جامع بجانب ابنها ياسر البالغ من العمر ست سنوات، تراقب جسده النحيل المرهق بالمرض وتتحسّس ما تبقى من قوته محاولةً فهم ما حلّ به.

جلد ياسر مغطّى بطفحٍ جلدي غاضب وآفات تشبه الحروق لا يقدر الأطباء على تفسيرها، وجسده مترهّل جراء الجوع الشديد.

بالنسبة لإيمان (32 عاماً)، لا يمكن فصل مرض ياسر عن معاناة تتجاوز العامين والنصف من الحرب الإسرائيلية التي تصفها منظمات حقوقية بأنها إبادة جماعية بحق قطاع غزة.

تعيش العائلة في خيمة ضيقة في المواصى غرب خان يونس، منطقة مكتظة بالمهجّرين تصفها ايمان بالكارثية: حرارة خانقة، أكوام النفايات تحيط بالخيام، والماء ملوّث هو القليل المتاح لمعظم العائلات. الحشرات والقوارض تزحف عبر الملاجئ المكتظة حيث يتكدّس آلاف المهجَّرين بلا مرافق صحية تقنياً ومع انخفاضٍ كبير في الغذاء.

تفرض إسرائيل قيوداً صارمة على دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة رغم اتفاق تهدئةٍ أُبرم في أكتوبر كان يفترض أن يرفع حجم المعونات إلى القطاع.

قبل الحرب كان ياسر يتمتع بصحةٍ جيدة، تقول والدته. ثم بدأ الجوع. شهور من شُحّ الغذاء وارتفاع الأسعار جعلت القدرة على تأمين وجبات أساسية أمراً بعيد المنال. أدّى سوء التغذية أولاً إلى إضعاف جسده، ثم تبعت ذلك عدوىٌ تلو الأخرى.

«لم أرَ في حياتي عدوى مثل هذه»، تقول ايمان للجزيرة. «لكن هناك أطفالاً حولنا في هذا المستشفى يعانون من نفس الطفح الجلدي».

الأطباء لم يتمكّنوا حتى الآن من تشخيص حالة ياسر بوضوح؛ تظهر علامات جديدة على جسده بينما تذبل قواه. تضيف والدته: «سوء التغذية كان البداية… والده لا يعمل ولا نستطيع توفير الطعام أو الحليب أو الخضروات. حتى الدواء لم نعد نستطيع تحمّل ثمنه، لهذا أحضرته إلى المستشفى». وتتابع: «كان يطلب الطعام كأي طفل، ولم نجد ما نعطيه إياه».

يقرأ  إطاحة رئيس الوزراء تُغرق فرنسا في أزمة سياسية جديدة

الأطفال الأكثر عرضة للخطر

مع استمرار العائلة في الكفاح داخل المخيم، تنتشر العدوى بسرعة بين الخيام المكتظة حيث تسهُل انتقال الأمراض بين الأطفال المرهقين أصلاً بفعل الجوع.

قصة ياسر باتت تتكرر في أغلب أرجاء غزة. فرق «المساعدة الطبية للفلسطينيين» (MAP) تقول إن الأمراض الجلدية تنتشر بمعدلات مقلقة بين العائلات المهجّرة التي تُجبر على العيش في معسكرات مكتظة. ووفق وزارة الصحة في غزة سُجّلت أكثر من 17 ألف حالة إصابة بطفيليات سطحية على الجلد خلال عام 2026 وحده.

في أبريل، أجرت MAP فحوصاً شملت 7,017 شخصاً عبر ستة مراكز رعاية أولية في غزة؛ من بين 1,325 شخصاً شخصوا بأمراض جلدية كان أكثر من 62٪ أطفالاً. من بينهم 168 طفلاً دون الثانية، و259 طفلاً بين ثلاث وخمس سنوات، و245 طفلاً بين ست وست عشرة سنة.

في عيادة التضامن التابعة لـ MAP في دير البلح بوسط غزة شكّلت الجرب قرابة ثلث حالات الأمراض المعدية المسجلة في أبريل. العيادة عالجت أكثر من 77,000 مراجع خلال عامها الأول في ظل انهيار نظام الرعاية الصحية بفعل الحرب والتهجير وندرة الإمدادات والمعدات.

الدكتورة رنا أبو جلال، العاملة في العيادة، تقول إن الأطباء يشهدون «ارتفاعاً حاداً» في الأمراض الجلدية، لا سيما الجرب، مع تطوّر العديد من الحالات إلى عدوى شديدة وخُرّاجات مؤلمة. «ما يهمّني أكثر هو تأثير ذلك على الأطفال»، تضيف. «هم الأكثر ضعفاً».

وتربط انتشار الأمراض بالاكتظاظ في الخيام، والمياه غير الآمنة، وغياب التهوية، والانعدام شبه الكلّي لوسائل النظافة. «تخبرنا العائلات يومياً كيف تحاول التأقلم»، تقول. «لكن هذه الظروف خارج قدرة أي إنسان على التحكم.»

انتشار الأمراض

في خان يونس يقول الدكتور علاء عودة، الذي يعمل في عيادة مدعومة من MAP تخدم ستة مخيّمات للمهجّرين، إنه يعالج الآن بين 70 و80 مريضاً يومياً يعانون من الجرب، إصابات بالقمل، لدغات حشرات مُعدية وعدوى فطرية.

يقرأ  قاضٍ أمريكي يمنع إدارة ترامب من إيقاف مزايا برنامج المساعدة الغذائية (SNAP)

«القمل الذي نراه ينقل الجرب»، يوضح. «هناك نوع آخر من الحشرات لم نحددّه بعد؛ لدغاته تشبه لدغات العنكبوت وغالباً ما تتحول إلى التهابات وقروح مفتوحة».

وأضاف أن التهابات فروة الرأس الفطرية بين الفتيات تنتشر بسرعة داخل المخيمات. «حالما تظهر حالة واحدة، تنتشر بسرعة بسبب الاكتظاظ وسوء النظافة وتواجد الحشرات في كل مكان».

ولكن مع تصاعد أعداد المرضى، تكاد الأدوية تختفي. «المشكلة لم تعد ندرة بسيطة»، يقول الطبيب، «إنها غياب شبه كامل». مضى ليضيف أن مادة البرميثرين، أحد العلاجات الرئيسية للجرب، لم تعد متاحة.

محمد فتحي، عامل صحة مجتمعية مع MAP، يقول إن كثيراً من العائلات توقفت نهائياً عن طلب العلاج لأن الأدوية غير متوفرة ويعاد أطفالهم إلى نفس الظروف الخطرة التي سبّبت المرض منذ البداية. «الناس فقدت الأمل»، يقول. «حتى لو توفّر العلاج مؤقتاً، فالأسباب الجذرية باقية دون تغيير.»

أضف تعليق