مخاوف من عقوبات بعد إغلاق قيرغيزستان شركات يشتبه في أنها دعمت روسيا

جمهورية قيرغيزستان، البلد الجبلي الحبيس للبرّ الذي يقع في قلب آسيا الوسطى، كانت تاريخياً من أفقر اقتصادات المنطقة، واعتمادها كبير على تحويلات العمال المهاجرين من الخارج. لكنّ حظوظها تغيرت بشكل مفاجئ قبل أربع سنوات.

بعد أن فرضت حكومات غربية وحلفاؤها عقوبات على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا عام 2022، برزت قيرغيزستان فوراً كمحور حيوي لمرور بضائع تتجنب الحظر. بين 2021 و2022 قفزت قيمة صادرات قيرغيزستان إلى روسيا من 393 مليون دولار إلى 1.07 مليار دولار سنوياً، شملت سلعاً فاخرة مثل السيارات الدقيقة وشرائح الميكروإلكترونيات.

بعض هذه المنتجات تُصنّف كـ«ذوات استخدام مزدوج»؛ تُستورد إلى دول ثالثة كقيرغيزستان بوصفها سلعاً مدنية، ثم تُعاد تصديرها إلى روسيا حيث قد تُستخدم في تجهيزات عسكرية كالصواريخ والطائرات المسيّرة.

الأسبوع الماضي أعلنت السلطات القيرغيزية إجبار خمسين شركة يُشتبه بأنها تسهّل التهرّب من العقوبات على إغلاق نشاطها داخل البلاد. جاء هذا الإعلان بعد أسابيع من قرار الاتحاد الأوروبي بحظر تصدير بعض السلع الإلكترونية إلى قيرغيزستان لضلوعها في تحويل هذه المنتجات إلى روسيا، وعُدّت هذه الخطوة الأولى من نوعها للدولة الوسط آسيوية.

في العام السابق، وضع الاتحاد الأوروبي بنكين قيرغيزيين على قائمة سوداء، وفرضت المملكة المتحدة عقوبات على مسؤولين كبار قيرغيز.

«السر المكشوف في قيرغيزستان أن رجال الأعمال والشركات يستفيدون من العقوبات الدولية والغربية على روسيا بمساعدتها على الالتفاف عليها»، قالت إريكا مارات، باحثة قيرغيزية في كلية شؤون الأمن الدولي، لفضائية الجزيرة. وأضافت أن بعض الأفراد، رغم اعتراضهم وصدمة مشاعرهم من أفعال روسيا في أوكرانيا، ما زالوا يتاجرون معها لأنهم يرون في الأمر فرصة تجارية، ويقولون إن من لا يقوم بذلك سيأتي غيره. وبالتالي فإنّ إغلاق الشركات لا ينبع من حكم أخلاقي على سلوك روسيا بقدر ما هو خوف من استهدافهم وفرض عقوبات عليهم بوصفهم متلاعبين بالعقوبات.

يقرأ  خاتم ياقوت كشميري وزن ١٦٫٥٨ قيراط قد يُباع بمبلغ ١٫٢ مليون دولار في دار كريستيز

منذ زمن الاتحاد السوفييتي — وقبل ذلك تحت حكم الإمبراطورية الروسية — كانت قيرغيزستان مرتبطة بموسكو لأكثر من قرن. وبعد الاستقلال عام 1991 استمر التكامل العميق بين اقتصادَي وسياسَي البلدين.

«لقيرغيزستان أهمية جيوسياسية كبيرة لدى موسكو. اعتُبرت كدولة عازلة أمام انتشار الإسلام الراديكالي، لا سيما في ظل الحرب الأهلية في طاجيكستان وصعود طالبان في أفغانستان»، قال ميخائيل كريشتال، أستاذ مشارك في جامعة إيمانويل كانت البلطية الفدرالية في كالينينغراد وعضو في نادي ديغوريا للخبراء بموسكو. وأوضح أن هذه الظروف حدّدت إلى حدّ كبير الدعم العسكري‑التقني والمالي الذي قدّمته موسكو لبишкك آنذاك.

العلاقة التجارية بين روسيا وقيرغيزستان «لا متناظرة»، بحسب كريشتال: فروسيا تمثل سوقاً حيوية للسلع القيرغيزية، في حين تشكّل تحويلات العمال من روسيا نسبة تترواح بين 15 و26 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحسب تقديرات مختلفة. ولا يقلّ أهمية عن ذلك عضوية قيرغيزستان في الاتحاد الاقتصادي الأورآسيوي، التي تمنح مواطنيها امتيازات ليست متاحة لمهاجري طاجيكستان وأوزبكستان حتى مع تشديد روسيا سياساتها المتعلقة بالهجرة.

«في مدار الكرملين إلى حدّ كبير»

رغم العقوبات الأخيرة، تحافظ الحكومة القيرغيزية الحالية على علاقات وثيقة مع موسكو. تحتفظ روسيا بقاعدة جوية ومرافق عسكرية أخرى في قيرغيزستان، وقد وقعت الدولتان اتفاقيات دفاع متبادل.

«مرّ على قيرغيزستان ستة رؤساء منذ الاستقلال، لكن كل واحد منهم ظل وفيّاً لموسكو وبالأخص للرئيس فلاديمير بوتين»، قالت مارات. وأضافت أن الحكومة تقع إلى حدّ كبير في مدار الكرملين، وبنوع من الحتمية لا تملك مساحة مناورة واسعة للاختيار بين تأييد روسيا أو العزوف عنها؛ خلافاً لكازاخستان أو أوزبكستان التي باتت تعتمد أكثر على المصالح الغربية ومواردها أو على العلاقات التجارية مع الصين.

على الرغم من التوجه العام الإيجابي لدى الشارع تجاه روسيا، ليس الجميع راضين عن النفوذ الذي تمارسه الكرملين. «الوضع محبط — الوضع السياسي يتدهور منذ سنوات، وأصبحنا بالفعل نشبه روسيا»، قالت خديجة، من سكان بيشكك في منتصف العشرينات من عمرها وتعمل متطوعة في منظمة غير حكومية، طالبة عدم الكشف عن هويتها. وأضافت أن قنوات التأثير الشعبية التي كانت مجدية قبل سنوات باتت الآن عاجزة، وأن اللعبَة نفسها تتكرر: قانون «العملاء الأجانب» وغيره من التكتيكات.

يقرأ  إدانة ممرضة بتهمة القتل على شاطئ في أستراليا

ظلت قيرغيزستان محاطة بجيران يوصفون غالباً بالأنظمة الاستبدادية، لكنها كانت تُعتبر يوماً ما الدولة الأكثر انفتاحاً سياسياً في آسيا الوسطى، وإن كانت غير مستقرة سياسياً، مع حرية تعبير وانتخابات أكثر شفافية.

لكن تحت رئاسة صادير جباروف تضاءلت حرية الإعلام، وحُجب موقع التحقيقات «كلوب» واعتُقل صحفيوه. وتم تمرير مشروع قانون «العملاء الأجانب» على غرار القانون الروسي، مما قيّد عمل المنظمات غير الحكومية، وتوسّعت صلاحيات الرئيس التنفيذية على حساب البرلمان.

نقطة خلاف أخرى تتعلق بالذاكرة التاريخية. في مؤتمر عقد في موسكو بداية مايو طلب مؤرخون روس من نظرائهم القيرغيز الامتناع عن وصف الحكم الروسي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بلفظ «استعماري». بينما يرى بعض المؤرخين القيرغيز أن تصرفات روسيا تماشت مع سلوك قوى استعمارية أوروبية — كمثال القمع العنيف لثورة الأوركون عام 1916، التي أودت بحياة عشرات الآلاف من القيرغيز والكازاخ حينها، سواء على يد الجيش الإمبراطوري الروسي أو أثناء هروبهم عبر الجبال الى الصين. (هنا استخدمت كلمة “الى” عن غير قصد)

«نلاحظ تنوعاً متزايداً في الآراء واستياءً متصاعداً من النفوذ الروسي في قيرغيزستان، من النخبة الفكرية إلى الناشطين والأجيال الشابة التي لا تنظر إلى روسيا بالضرورة كشريك إيجابي، بل ترى في الهيمنة الروسية، سواء في الحقبتين السوفييتية والقياصيرية، شكلاً من أشكال الاستعمار الذي أضرّ بالثقافة والهوية القيرغيزيتين»، قالت مارات. «وبعد الغزو الشامل لأوكرانيا والفظائع المصاحبة له، انتقلت هذه السخطات الى الساحة العامة وأصبحت موضوع نقاش سائد خارج الدوائر الحكومية».

وليس لروسيا وحدها مصالح في قيرغيزستان التي تقع على أحد مسارات طريق الحرير القديم، فالبلد محط أنظار قوى إقليمية ودولية متعددة. (استخدمت كلمة “او” هنا كخطأ شائع) أوضح ميخائيل غالوزن، نائب وزير الخارجية الروسي، في مقابلة مع صحيفة ازفيستيا أن الغرب — لا سيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي — يسعى للحصول على نفاذ إلى الموارد في المنطقة في محاولة لتقويض النفوذ الروسي في آسيا الوسطى من خلال ترويج رواية «التهديد الروسي».

يقرأ  شي جين بينغ يبيّن لترامب من يملك الأوراق بينما يرتّب لقاءً مع كيم وبوتين

وبالإضافة إلى ذلك، يُعدّ لاعبٌ كبير آخر الصين التي تحدّ قيرغيزستان من الشرق.

قال كريشتال: «توسعت الشراكة الاقتصادية بين قيرغيزستان والصين بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. تُرجِم ذلك في زيادة كبيرة بحجم التبادل التجاري، ومشاركة بيشكيك في مشروع لوجستي ضخم ضمن مبادرة الحزام والطريق، وتصاعد الاستثمارات الصينية. وفي ضوء ذلك يبرز الاعتماد المتزايد لقيرغيزستان على الديون الصينية، وهو وضع قد يؤدي إلى منح الصين تفضيلات اقتصادية داخل البلاد.»

أضف تعليق