الطلاب ليسوا كسالى — إنما يعانون من إجهاد معرفي

نظرة عامة:

كثير من التلاميذ الذين يُلصَق بهم وصف «الكسل» هم في الحقيقة مرهقون إدراكياً بفعل فصول دراسية مشبعة بالمحفزات والتقنيه التي تفرط في استنزاف الانتباه وتعرقل التفكير العميق.

علامة المعلّم التي يعرفها الجميع

بحلول منتصف اليوم الدراسي، أستطيع عادةً تمييز اللحظة التي بلغ فيها الصف حدّه. لا يكون الأمر دائماً صاخباً أو فوضوياً؛ أحياناً يكون العكس تماماً: يجلس الطلاب بهدوء، يحدقون في الشاشات، يعيدون قراءة نفس التعليمات ثلاث مرات، يتنقّلون بين نوافذ ومسوحات بلا هدف، أو ينظرون إليّ بتعبير يوحِي بأنّهم سمعوا الكلمات لكن لم يتبقّ لهم طاقة عقلية لمعالجتها.

كمعلم ثانوي وأستاذ مساعد، ورغماً عن ذلك كطالب دكتوراه أدرس عناصر المعرفية، رأيت هذا النمط بما يكفي لأتوقف عن وصفه بالكسل فقط. بعض الطلاب يُشتَتون، وبعضهم يتجنّب العمل، وبعضهم يتخذ اختيارات سيئة. المعلمون يعرفون هذه الحقيقة أفضل من أيّ أحد. لكني أعتقد أيضاً أن هناك أمراً آخر يحدث في الفصول الحديثة لا نُطلق عليه اسماً كثيراً: كثير من الطلاب يعانون إجهاداً إدراكياً.

هذه ملاحظة مهنية من تجربتي في بيئات تعليمية غنية بالتكنولوجيا، وليست دراسة بحثية رسمية من صفّي. ومع ذلك، كلما تعمّقت في دراسة المعرفة الإدراكية، زادت شكوكِي فيما إذا كان بعض ما نطلق عليه «نقص التفاعل» ليس في الواقع نتيجة تحميل زائد للمعلومات.

ربما ليس مجرد كسول

يُقال للمعلّمين غالباً: إن لم ينتبه الطلاب فزد من جاذبية الدرس. أضِف فيديو. أضِف حركة. أضِف أداة رقمية. أضِف مناقشة. أضِف مؤقتاً. أضِف لعبة. أضِف شريحة ملونة. أضِف منصة أخرى. أحياناً تنجح هذه الاستراتيجيات. لكن أحياناً أعتقد أننا نحاول حل مشكلة التحميل الزائد بإضافة مزيد من التحفيز.

خلال يوم دراسي نموذجي، لا يتعلّم الطلاب محتوىً فقط؛ بل يديرون الشاشات، المحادثات الصفية، الديناميات الاجتماعية، بوابات الواجبات، التنقّلات في الممرات، الجرس، الإضاءة، الضوضاء وتوقعات متفاوتة من معلمين مختلفين. ثم نطلب منهم التركيز بعمق ونتفاجأ عندما ينهار انتباههم.

هذا لا يعني أن لا يُحاسَبوا؛ بل يعني أن المعلّم يحتاج إلى لغة أفضل لوصف ما نشاهده. الطالب الرافض للعمل والطالب الذي أنهك نظام انتباهه قد يبدوان متماثلين من أمام الصف: كلاهما قد يضع رأسه منخفضاً، كلاهما قد يفتقد التعليمات، كلاهما قد يبدو غير متفاعل. لكن كلّ واحدٍ منهما يحتاج استجابة مختلفة تماماً.

يقرأ  غوارديولا يتهرّب من الحديث عن مواجهة أرسنال في نهائي كأس الرابطة: «العالم ينهار»

الفصل تغيّر أسرع من تطور الدماغ

الفصل الحديث تغيّر بسرعة؛ والدماغ البشري لم يتطوّر بنفس الوتيرة. تعتمد مدارس عديدة الآن على أجهزة فردية لكل طالب، كتب رقمية، واجبات على الإنترنت، نظم إدارة تعلم، تطبيقات تعليمية، فيديوهات وتقييمات إلكترونية. هذه الأدوات توسّع الوصول وتمنح مرونة، وأنا أستخدم التكنولوجيا في صفّي ولا أؤمن بأن الحل هو إزالتها. لكن لا بد أن نكون صريحين بشأن التكلفة العقلية.

تُذكّرنا نظرية الحمل المعرفي التي طوّرها عالم النفس التربوي جون سويلر بأن قدرة الإنسان على معالجة المعلومات الجديدة محدودة. بلغة المعلّم: كل تبويب إضافي، تعليمات جديدة، نافذة منبثقة أو منصة تلتهم مساحة من ذهن التلميذ قبل أن يصل حتى إلى المحتوى.

الأمر مهم لأن المعلّم لم يعد مجرد ناقل للمحتوى؛ بل صار مديراً للبيئة المحيطة بالمحتوى. نطلب من الطلاب الانتقال من فيديو إلى نموذج، ومن نموذج إلى مناقشة، ثم إلى واجب إلكتروني، ثم إلى بوابة درجات، ثم نعود لإعطاء توجيهات شفهية. لدى البالغين قد يبدو هذا أمراً اعتيادياً لأننا تعلمنا إدارته، أما لدى الطلاب الذين ما يزالون يبنون الوظائف التنفيذية فقد يتحوّل الأمر إلى ازدحام معرفي.

التفاعل ليس مرادفاً للتحفيز

أحد أكبر الأخطاء التي تقع فيها المدارس هو الخلط بين التفاعل والتحفيز. قد يكون الدرس مزدحماً ولا معنى له. قد تكون الغرفة ملونة ومربكة في آن واحد. قد ينقر الطالب ويجرّ وينسخ ويجيب وينتقل بين الشاشات دون تفكير عميق فعلي.

هنا يحتاج المعلّمون إلى إذن بالتمهل. تشير دراسات مرموقة إلى أن كثرة تعدّد الوسائط تربك قدرة المرء على تصفية المشتتات وإدارة المعلومات المتنافسة؛ وهذا لا يعني أن كل طالب بجهاز سيعاني بالضرورة، ولا يُثبت أن التكنولوجيا وحدها تسبّب مشكلات الانتباه، لكن يدعم ما يلاحظه كثير من المعلّمين: التنقّل المستمر له ثمن معرفي.

في الصفّ يظهر هذا الثمن بطرق صغيرة: طالب يفتح الواجب وينسى التعليمات الشفوية، طالب يشاهد الفيديو ويفوته السؤال المرفق، طالب ينقر على الرابط الصحيح لكنه لا يتذكّر ما يجب فعله بعده، طالب يبدأ بقوة ويتلاشى بعد الانتقال الثالث خلال عشر دقائق. حينها نقول غالباً: «لم ينتبهوا». قد يكون ذلك، وربما لا؛ ربما طلب الدرس منهم تقسيم انتباههم مرات عديدة للغاية.

يقرأ  مجموعة ورق حائط جداري من أستيك تحتفي بـ«إترنا نوفو»— كولوسال

البيئة نفسها لها تأثير

المعلّمون يعلمون أن الصف المادي مهم، حتى وإن تجاهلت السياسات ذلك. الإضاءة، الضوضاء، ترتيب المقاعد، الحرارة، الفوضى البصرية، عدد الأشياء على الجدار، عدد المهام الجارية في آنٍ واحد—كلها عوامل لها وقع. دراسات كبرى ربطت عناصر تصميم الفصل بتقدّم التلاميذ في التعلم، مما يؤكد أن البيئة ليست محايدة.

في صفّي أصبحت أراقب كيف يتفاعل الطلاب ليس فقط مع ما أعلّم، بل مع ظروف الدرس: كم نافذة مفتوحة على الشاشات؟ كم خطوة في التعليمات؟ كم انتقالاً قبل إتمام مهمة ذات مغزى؟ كم الضجيج البصري حولهم أثناء محاولتهم التفكير؟ هذه الأسئلة غيّرت طريقة تفسيري لانهيار الانتباه؛ فقد لا يكون الطالب يرد على المهمة فقط، بل على كامل البيئة.

ما الذي بدأتُ أغيره

لم أستغنِ عن التكنولوجيا، ولم أخفض التوقعات، ولم أقرر أن الطلاب غير قادرين على التحمل. بل بدأت أبحث عن الأماكن التي أضيف فيها حملاً معرفياً بلا قصد. استخدمت منصات أقل في الدرس الواحد؛ إذا كان الطلاب يعملون على أداة رقمية واحدة أصبحت متحفّظاً قبل إضافة أخرى ما لم تحسّن التعلم بوضوح. أعطيت تعليمات على خطوات أصغر بدلاً من إلقاء كل التعليمات دفعة واحدة. كرّرت التعليمات الأساسية في مكانٍ ثابت كي لا يضطر الطلاب للبحث في شرائح ومشاركات وتذكيرات لفظية في آن واحد.

صرت أكثر قصداً في خلق لحظات لإعادة الضبط: أحياناً يعني التوقّف قبل المهمة التالية؛ أحياناً أطلب إغلاق الشاشات لشرح قصير؛ أحياناً أتحوّل من نشاط رقمي إلى ترميز على الورق أو مناقشة ثنائية أو نشاط عملي. أحياناً أحذف شرائح وصوراً ورسومات متحركة جذابة لكنها لا تُعين على التفكير.

ليست تغييرات درامية، بل قرارات تدريسية صغيرة تحمي الانتباه. وفي كثير من الصفوف، الانتباه هو أحد أكثر الموارد قيمة.

ما زال الطلاب بحاجة للمحاسبة

يقرأ  البرلمان الإسباني يقرّ حظراً على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل

أريد أن أكون واضحاً: لا يُعدّ الحمل المعرفي مبرّراً لكل سلوك. يحتاج الطلاب إلى حدود وروتين وفرص لممارسة التركيز والمثابرة وضبط النفس. لا يمكن توقع أن يعيد المعلّم تصميم كل درس لمواجهة كل إلهاء محتمل.

لكنّ المحاسبة تكون أكثر فعالية عندما نحدد المشكلة بدقة. طالب يتجنّب العمل يحتاج استجابة مختلفة عن طالب لا يفهم المحتوى، ومختلفة أيضاً عن طالب مرهق بسيل من المطالب المتزامنة—إضافة ضغوط قد لا تحل المشكلة بل تسرّع انهياره. المعلّمون خبراء لأنهم يميزون هذه الفوارق يومياً: يقرؤون الغرفة، يُعدّلون في الوقت الحقيقي، يلحظون أنماطاً قبل أن تظهر في التقارير أو اجتماعات البيانات. ولهذا تهمّ مراقبة المعلّم.

أسئلة ينبغي أن تطرحها المدارس

نتحدّث كثيراً عن التفاعل والإنجاز والصرامة والسلوك ودمج التكنولوجيا، لكن نتحدث أقل عن الاستدامة المعرفية. هل من الواقعي أن يتحرّك الطلاب خلال يوم دراسي كامل بين شاشات وانتقالات وضوضاء وضغط اجتماعي ومنصات رقمية ومطالب أكاديمية دون أن يتعب ذهناً؟ هل نُصمّم دروساً تساعد الطلاب على التفكير أم دروساً تبقيهم مشغولين فحسب؟ هل نوفر بنية كافية لتركيز الطلاب أم نطلب منهم إدارة مداخيل متعددة بذاتهم؟

هذه الأسئلة ليست من حكر المعلّم وحده؛ تخصّ المديرين والمدرّبين التربويين ومصمّمي المناهج وفرق التكنولوجيا وكل من يتخذ قرارات بشأن كيفية عمل الصفوف. فإذا أردنا انتباهاً أفضل، علينا أن نتوقف عن تحميل الطلاب وحدهم مسؤولية الانتباه؛ الانتباه يتشكّل أيضاً بالبيئة التي نخلُقها.

ربما يحملون أكثر مما يحتملون

عندما أنظر إلى الطلاب الآن، أحاول التردّد قبل افتراض أنهم لا يهتمّون. أحياناً يهتمّون بشدّة؛ إنما هم متعبون. أحياناً يريدون أن ينجحوا؛ لكنهم لا يجدون الخطوة التالية في وسط الفوضى. أحياناً لا يرفضون التعلم؛ إنما يحاولون التعلم في بيئة تطلب منهم معالجة الكثير بسرعة وبفترات تعافي قصيرة جدّاً.

هذا لا يعني إلغاء الصرامة؛ يعني تصميم الدروس بما يتناسب مع الدماغ الذي يحضره الطلاب إلى الصف بالفعل. قد لا يكون اهتمام الطلاب أقل لأنهم يهتمّون أقل؛ بعضهم قد يُعطي طاقة أقل لأن الفصل الحديث يطلب من أدمغتهم حمل أكثر مما يمكنها في وقت واحد.

أضف تعليق