السنغال.. مرشح حقيقي لكأس العالم 2026 — نجاح جاء بثمن

لا يمكن اتهام مدرب السنغال بابي ثياو انه يفتقر إلى الطموح قبل كأس العالم المرتقب في أمريكا الشمالية. بعد إحدى المباريات في مارس، قال بصراحة: «إذا شككت ولو لثانية في قدرتي على الفوز بكأس العالم مع السنغال، فسأتنحى جانباً.» تصريح صارخ وملفت لسببين متلازمين: أولاً لأن فريقاً إفريقياً يعلن علناً أنه قادر على الفوز بكأس العالم، وثانياً لأن هذا القول لم يُقابل بالسخرية، ما يعكس الاحترام الكبير الذي حظي به منتخب السنغال على الساحة الكروية العالمية.

كما لاحظ الصحفي الفرنسي السنغالي باباكر ديارا: «لم تكن هذه كلمات فارغة؛ اللاعبون والمدرب يؤمنون بقدرتهم على الظفر باللقب.» ومع أن مباراة الافتتاح أمام فرنسا ستكون مؤشراً مهما لقوة هذا الفريق، فإن السنغال على القارة الإفريقية لا تحتاج لإقناع أحدٍ بتميزها. فهي، وبفارق واضح، أكثر المنتخبات الإفريقية انتظاماً على مدار العقد الماضي: إما فازت ببطولة أمم إفريقيا كل مرة شاركت فيها أو خسرت فقط أمام الفريق البطل في نهاية المطاف.

أما خيبات الأمل الأخيرة فهي تتعلق بكأس العالم وحده، ولكن لها ظروف مخففة. في نسخة 2018 خرج السنغال من الدور الأول نتيجة القاعدة الفارقة للانضباط (نقاط اللعب النظيف) بعد تراكم البطاقات، وهو أول خروج بهذا السبب في تاريخ المسابقة. وفي مونديال قطر 2022، ودّع السنغال البطولة من ثمن النهائي أمام إنجلترا بينما كان نجمه المصاب ساديو ماني غائباً.

لوصف هذه الحقبة يصف ديارا هذا الجيل بأنه «ذهبي» تحفه أسماء مثل ساديو ماني، كاليدو كوليبالي، إدريسا غانا غي، وإدوار ميندي: هذه اللحظة هي الفرصة المناسبة — الآن أو لا وقت آخر.

سر نجاح السنغال يكمن جزئياً في سياسة انتقاء اللاعبين من الشتات وبناء الأكاديميات المحلية. رغم كونها دولة لا يتجاوز عدد سكانها عشرين مليون نسمة، إلا أن السنغال تخرج مواهب شابة بكميات لا تضاهى في القارة، متفوقة على دول أكبر بكثير من حيث السكان مثل نيجيريا وإثيوبيا ومصر وجمهورية الكونغو الديمقراطية. خلال العقدين الماضيين تأسست أكاديميات حديثة مزوّدة بمدارج تدريبية ومهاجع ومدارس ومرافق علاج فيزيائي، ترسل سنوياً عدداً من اللاعبين إلى دوريات أوروبا الخمس الكبرى.

يقرأ  الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ومنظمة العفو يقودان تحالفاً ضم ١٢٠ مجموعة حقوقية ويصدران «تحذير سفر» بشأن كأس العالم ٢٠٢٦ في الولايات المتحدة

من بين 28 لاعباً اختارتهم السنغال لكأس أمم إفريقيا 2025، جاء 13 لاعباً من أكاديميات محلية معروفة كـ Generation Foot وDiambars وDakar Sacre Coeur وCasa Sports. ورغم الفائدة التي جنّبتها هذه الأكاديميات للمنتخب الوطني، يرى بعض المراقبين استغلالاً في نمط تأسيسها وعقودها. أقامت Diambars شراكة مع مارسيليا، وDakar Sacre Coeur كانت مرتبطة أولاً بليون (وكلتاهما أنتهت لاحقاً)، لكن الأبرز يبقى الرابط الطويل بين Generation Foot ونادي ميتز الفرنسي: علاقة امتدت لأكثر من 23 عاماً مول خلالها ميتز أكثر من عشرة ملايين يورو لبناء وتشغيل أكاديمية Generation Foot مقابل الحصول على حق الرفض الأول لأفضل مواهبها.

مرّ عبر ممرّات ميتز إلى أوروبا لاعبون بارزون مثل ساديو ماني، وإيمانويل أديبايور، وإسماعيل ساري، وباب مَاتار سار، وغيرهم كثيرون الذين انطلقوا من Generation Foot ثم عبر ميتز إلى القارة العجوز. ومع ذلك، أثارت الأرقام المحيطة بهذه الصفقات استياءً واسعاً: الثلاثة عشر لاعباً من خلفية أكاديمية جلبوا، عبر 13 انتقالاً، نحو 100 ألف يورو فقط لصالح أكاديمياتهم؛ بينما حولت الأندية الأوروبية التي اقتنتهم استثماراتها إلى 81.2 مليون يورو عند إعادة بيعهم، وعلى امتداد مسيراتهم المهنية ولّدت تلك الأسماء ما مجموعه 411 مليون يورو كرسوم انتقال. الفجوة في العائدات باتت تُقرأ على أنها ظلم اقتصادي صارخ.

يقول ممدو ندياي، مشججّع مخلص تابع المنتخب في ثلاث نسخ من أمم إفريقيا: «من جهة يحصل الشباب على تعليم جيد وبُنى تحتية راقية، لكن لا ينبغي أن ننسى أن المستثمرين في هذه الأكاديميات هم رجال أعمال — ليست الهيئة الفدرالية ولا الدولة — وهم يعلمون بوجود المواهب هنا، يستثمرون أموالهم، يلتقطون ‘المواد الخام’، يصقلونها ويبيعونها لأوروبا.»

إلى جانب عدم التكافؤ الاقتصادي، واجهت بعض الأكاديميات صعوبات في تحصيل مستحقات التعويض التضامني التي يضمنها نظام فيفا — وهي آلية تمنح الأندية التي دربت اللاعبين بين 12 و23 سنة حصة من رسوم الانتقال المستقبلية — نتيجة أخطاء إدارية على مستوى الاتحاد. مثالٌ صارخ ما حدث عندما انتقل نيكولاس جاكسون من فياريال إلى تشيلسي صيف 2023 مقابل 37 مليون يورو؛ كان من المتوقع أن تحصل أكاديميته السابقة Casa Sports على نحو 185 ألف يورو كحصة تضامنية.

يقرأ  قد يفضّل السياح تجنّب هذا القصر المبالَغ في شهرته خلال زيارة ألمانيا

يذكر شريف ساديو، الذي كان مدير أكاديمية Casa Sports في تلك الفترة، أن «خطأً في تسجيل اللاعب على مستوى الاتحاد كاد يحرم Casa Sports من مستحقاتها القانونية.» وفي نهاية المطاف نجحت إدارة النادي في تصحيح الخطأ الإداري واسترداد حقوقها.

تتجلّى أمام السنغال فرصة نادرة: مزيج من جيل ذهبي، بنى تحتية محلية متقدمة، وشبكة علاقات أوروبية قوية. إذا نجح الوطن في تحقيق توازن عادل بين استثمار الجودة وحماية حقوق من أنتجوها، فسيكون ذلك ليس انتصاراً رياضياً فحسب، بل أيضاً انتصاراً اقتصادياً واجتماعياً لقاعدة واسعة من المجتمعات التي تبني مستقبل كرة القدم في البلاد. لحسن الحظ، تم حل هذه المواقف لاحقًا، لكن كان يجب ألّا تقع من الأساس.

يعمل ساديو الآن مديرًا للتنمية والاستراتيجية والشراكات في نادي ديامبارز، ويؤكد أن الفجوة بين نخبة كرة القدم السنغالية للرجال وبقية المشهد المحلي لا تزال مصدر قلق بالغ. “إنها المفارقة الأكثر وضوحًا في كرة القدم السنغالية، ويجب التصريح بها بصراحة”، يقول ساديو. “ننتج لاعبين على مستوى عالمي؛ نُخرج مواهب تحقق مئات الملايين من اليورو في سوق الانتقالات؛ ونحرز ألقابًا قارية—ومع ذلك تكافح أنديتنا المحلية من أجل البقاء، ملاعبنا متداعية، دورياتنا تفتقد للظهور الإعلامي، وإداراتنا تكافح لفهم الآليات القانونية والمالية لكرة القدم الحديثة.”

استهداف الشتات

بجانب إنتاج المواهب داخل الأكاديميات، تستطيع السنغال أن تستقطب من مخزون واسع في الشتات الغربي الأوروبي. في الأشهر الأخيرة، نجحت الاتحادية في إقناع المهاجم الفرنسي المولد ابراهيم مباي (18 عامًا) من باريس سان جيرمان والمدافع مامادو سار (20 عامًا) من تشيلسي بتمثيل أسود التيرانغا، رغم مشاركتهما سابقًا مع فرنسا في فئة تحت 20 عامًا.

قبل بضع سنوات، تألمت السنغال عندما رفض بوباكار كامارا اللعب معها في كأس العالم 2022 وفضّل السعي لتمثيل فرنسا. نجاح الاتفاق مع لاعبين بمستوى مباي وسار مؤشر على نضج واضح في نهج الاتحادية تجاه استقطاب الشتات.

يقرأ  البرتغال تنتخب سيغورو مرشح الحزب الاشتراكي رئيسًا بأغلبية ساحقة — أخبار الانتخابات

“سياسة الاتحادية تقوم على ثلاث ركائز متميزة”، يشرح ساديو. “أولًا، استهداف لاعبي الشتات بين 16 و19 عامًا قبل أن يرتبطوا بمنتخبات أخرى. ثانيًا، مسألة الهوية: رغم ولادتهم في دول مثل فرنسا أو إنجلترا، يكبر كثيرون في بيوت تحافظ على اللغة والقيم والثقافة السنغالية، والاتحادية تستثمر في ذلك. ثالثًا، النجاحات الأخيرة للمنتخب عززت جاذبية المشروع، فالموازنة بين الطموح والانتماء تجعل اختيار السنغال ميزة شخصية ورياضية معًا.”

النتيجة أن إدريسا غانا غي، المولود في داكار ويبلغ 36 عامًا، يمكنه اللعب جنبًا إلى جنب مع ابراهيم مباي (18 عامًا المولود في ترابس) في تشكيلة تجمع بين المحليين والشتات، وبين المخضرمين والناشئين. وهذه التركيبة تمنح المدرب بابي ثياو كل الحق في أن يكون واثقًا كما هو.

أضف تعليق