كأس العالم 2026: كيف صاغت فرنسا أعمق خزان للمواهب في عالم كرة القدم

هل يمكن لمنتخب فرنسا أن يشارك بثالثة فرق قادرة على الفوز بكأس العالم؟ تصريح المدافع البلجيكي توماس مينير أشعل الجدل عندما قال إن فرنسا تملك مواهب كافية لملء ثلاثة منتخبات قادرة على الفوز باللقب. الجواب القصير: ربما لا حتى هذه الدرجة حرفياً، لكن العمق الفني في صفوف فرنسا فعلاً هائل وبعمق خندق ماريانا.

قيمة البدلاء
وفق موقع transfermarkt، تشكيلة فرنسية مكوّنة من لاعبين لم يدخلوا قائمة الـ26 ستكون من بين أعلى خمسة فرق قيمة في العالم — متفوقة على البرتغال والبرازيل وهولندا وبطل العالم الأرجنتين. مثال تقريبي لقيمة بعض الأسماء: لوكاس شفالير (30 مليون يورو)، بيير كالولو (32 مليون)، جيريمي جاكيه (55 مليون)، ليني يورو (50 مليون)، أدريان تروفيرت (25 مليون)، بوبكار كامارا (40 مليون)، إدواردو كامافينغا (50 مليون)، ديلاني باكوا (28 مليون)، سيني مايولو أو كيففرين تورام (40 مليون)، موسى ديابي (28 مليون)، جونيور كروبي (40 مليون) — ما يعطينا مجموعاً يقارب 418 مليون يورو ومعدل نحو 38 مليون لكل لاعب. هذه الأرقام توضح سبب الكلام عن عمق غير عادي.

بدايات المشروع وأكاديميات التكوين
قصة النجاح لم تبدأ بين ليلة وضحاها. على مدار عقود (من ثلاثينيات حتى سبعينيات القرن العشرين) كان المنتخب الفرنسي يفتقد النتائج على المسرح الدولي، فطرحت فكرة بناء منظومة تُعنى بتكوين اللاعبين منذ صغرهم. في أوائل السبعينيات دعا مدير المنتخب القومي جورج بولون إلى إنشاء مراكز التكوين (Centres de Formation)، وفي فرنسا أُسست مؤسسة التدريب القومي لكرة القدم (INF) بمقرها الأشهر كليرفونتان، بدعم حكومي رآه ليس فقط مشروعاً رياضياً بل وسيلة لنشر قيم المجتمع الفرنسي وفوزه بالألقاب.

تم إنشاء نحو 16 مركزاً للتكوين، بدأ أولها في 1974 بموقع رئيسي في فيشي. اعتمدت هذه المراكز سياسة انتقاء واسعة على صعيد البلاد والأقاليم ما وراء البحار، فوضعت أساساً مهنياً لإعداد اللاعبين للنادي والمنتخب على حدّ سواء.

يقرأ  لا جدوى من استثمار مزيد من الموارد العربية في تحالف مع الولايات المتحدة — حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران

النتائج كانت متباينة في البداية؛ ثمانينيات القرن الماضي شهدت ألقاباً قارية وأولمبية (أوروبا وأولمبياد 1984) ووصولاً لنصف نهائي كأس العالم مرتين، لكنها أيضاً تخللتها إخفاقات في التأهل إلى مونديال 1990 و1994. مع ذلك، بحلول 1998 تجمعت القطع: منتخب “بلاك-بلانك-بور” متعدد الأعراق فاز بكأس العالم على أرضه، وكان ذلك تتويجاً لنجاح مشروع التكوين الذي أظهر أثره في تجميع مواهب من أوساط اجتماعية وجغرافية مختلفة داخل فرنسا.

ثقافة العمل والمهارة
الشهادات من داخل المنظومة توضح أن السر ليس صدفة: مديرو الأكاديمية والمُدرّبون يؤكدون الجمع بين بنية منظمة، عمل متواصل، وتركيز على اللاعب كقلب المشروع. كما أن عنصر الهجرة ساهم بقدر كبير — جلبت الأجيال القادمة من أفريقيا والأقاليم الفرنسية ما وصفه البعض بالمزيج بين الثقافة والمواهب الرياضية. كما قال حارس مرمى سابق وقيادي في المنتخب، الفارق في أجيالنا أن معظم اللاعبين خرجوا من أكاديميات مهيكلة وكانوا جائعين للنجاح، ومع وجود نجم استثنائي مثل زين الدين زيدان تبلور جيل فاز عام 1998.

المدربون والمجتمع والتنشئة
المدرب والخبير ستيفان نادو اختصر السر في ثلاثة عناصر: العمل الجاد، البنية، والتنظيم. والاهتمام بالحفاظ على علاقة اللاعب بأسرته وجذوره النفسية يظهر كعنصر مهم في النمو السليم للاعب، وهو ما يجعل فرنسا واحدة من أفضل الدول في تصدير اللاعبين.

المدارس والطرقات: مزيج المهارة والتكتيك
التدرييب في كليرفونتين يجمع بين مهارات اللعب في الشارع وتنظيم اللعب المتقدم: الكثير من المواجهات الفردية 1v1، 2v2، ثم تدريبات على الاستحواذ مثل 5v2، الأمر الذي يفرض التحكم الفوري بالجسم والكرة بمجرد امتلاكها. كما أن التركيز الآن تحول نحو المراحل العمرية الأصغر، مع تحميل الأندية مسؤولية الفئات الأكبر، وتوسيع مفهوم التكوين ليشمل أكاديميات خاصة ونشاطاً أوسع خارج المراكز الرسمية.

يقرأ  الحزب الحاكم في زيمبابوي يسعى لتمديد ولاية إيمرسون مناڭاگوا الرئاسية حتى ٢٠٣٠أخبار الحقوق المدنية

بيئة مثالية لظهور المواهب
في باريس وحتى ساو باولو (كمقارنة)، السبب في التفوق يرجع إلى انتشار الأكاديميات الخاصة، حيث تمارس الأطفال من سن ثمانية أو تسعة سنوات كل يوم، ويجدون تشجيعاً من مدرّبين هواة يقدمون إطاراً مناسباً للتدريب بعد المدرسة. هذا الإيقاع اليومي للتدريب واللعب هو ما يولّد انفجار المواهب الذي يعطي المدرب حلولاً هجومية ومرونة أكبر في التشكيلة.

اللاعبون والهوية
اليوم لدى فرنسا ربما أربعة أو خمسة مواهب شابة مختلفة النوعية — أسماء مثل مبابي، دمبلي، دوا — تمنح المنتخب القدرة على الحسم فردياً، وهي ميزة على مستوى السرعة والمهارة الفنية. ومع أن معظم لاعبي المنتخب مرّوا بالأكاديميات الرسمية، فإن التطور الحقيقي يبدأ في بيئات اللعب المحلية قبل أن تظهر المراكز لتصقل هذا الخام.

خلاصة
المنظومة الفرنسية ليست نتيجة معجزة واحدة، بل تراكم سياسات طويلة الأمد: بناء مراكز التكوين، ربطها بالمجتمع والأسرة، دمج مهارات الشارع مع تنظيم تدريبي صارم، واستثمار واسع في مراحل صغيرة العمر. هذه العوامل مكنت فرنسا من بناء قاعدة مواهب عريضة بحيث يمكن أن تبدو الفِرَق الاحتياطية أقرب ما تكون إلى فرقٍ قوية فعلاً — وإن لم تكن فعلياً قادرة على الظفر بكأس العالم ثلاث مرات في آن واحد، فهي بلا شك من أعمق خزائن المواهب في كرة القدم العالمية. عندما يبلغون سن الثانية عشرة، يلعبون كما يلعب مبابي.

في باريس توجد أندية هاوية لا يعرفها أحد، ومع ذلك قادرة على هزيمة فرق شباب برشلونة وحتى أندية محترفة. هم أفضل من باريس سان جيرمان وباريس إف سي؛ الكثير من اللاعبين يلعبون في أي مكان وفي أي وقت — ثمانية أعوام ضد عشرة أعوام — ويلعبون بلا كلل.

يقرأ  المقاطعة الكندية للسفر إلى الولايات المتحدة مستمرة بلا بوادر تراجع

انهم كالجنود: يقاتلون يوميّاً، ويتقنون اللعب لأنهم يرتاحون تحت ضغط المباريات ويعوّدون أنفسهم على الأداء في ظروف صعبة.

في ثمانينيات القرن الماضي لُقّب منتخب فرنسا بـ «البرازيليون في أوروبا». استغرق الأمر بعض الوقت، لكن يبدو أن فرنسا اوفت بهذا اللقب، وبنت سمعتها بطريقتها الخاصة.

«المدرّبون البرازيليون كانوا يقولون لي: في بلادنا نحن فقراء، لكن يمكننا أن ننجح في كرة القدم أو الموسيقى. لذا نبدأ يومنا بكرة القدم»، حسبما قال بنطلِيلا.

في فرنسا نذهب إلى المدرسة أولاً، ثم نتدرّب على كرة القدم. نفعل ذلك يومياً وكما في البرازيل نلعب كثيراً ونلعب جيداً.

أضف تعليق