واشنطن، دي.سي. — في احتفال استثنائي سيشهد تبادُل لكمات وتسرُّب للدماء في حديقة البيت الأبيض الجنوبية، تنظم بطولة القتال النهائي (UFC) ليلة الأحد فعالية رياضية تُصادف أيضاً الاحتفال المرتقب بمرور 250 عاماً على توقيع إعلان الاستقلال في الشهر المقبل، وتجمع 14 مقاتلاً في قفص “الأوكتاغون” الذي شُيِّد خصيصاً على العشب الجنوبي للبيت الأبيض.
حضور محدود ودور سياسي
ما يصل إلى 4000 مدعو خاص سيشاهدون النزالات، التي تتضمن نزاليْن على اللقب، في عرض غير مسبوق لرياضة ظلت طويلاً على هامش المشهد الرياضي لكنها تحولت إلى وسيط سياسي فاعل لرئيس البلاد. يعود ارتباط ترامب بالرياضات القتالية إلى عقود؛ فهو، بشخصيته التلفزيونية وتراثه العقاري وامتلاكه للفنادق، لم يخفِ تعاطفه مع هذا العالم منذ ظهوره اللافت في ربطه بالمصارعة الحرة الاحترافية في أواخر الثمانينات.
من “البِيبِي فيس” إلى “هيل” سياسي
تحدثت الجزيرة مع خبراء يدرسون تقاطع الرياضة والمجتمع ليحللوا ما يعكسه حدث UFC هذا عن مسيرة ترامب السياسية ذات الطابع الملاكم، وكيف يمكن أن يُستقبل في اللحظة السياسية الراهنة. يوضح لووري وودال، أستاذ دراسات المصارعة في جامعة ميلرسفيل، أن علاقة ترامب بالمصارعة لم تكن تجارية محضة فحسب، بل شكّلت جزءاً من بناء أسطورته الشخصية. شارك ترامب في فعاليات “رِسْل مانيا” في أتلانتيك سيتي أواخر الثمانينات ثم تصاعدت الشراكة إلى أن خاض مع فينس مكماهون ما عُرف بـ«معركة المليارديرات» عام 2007، حيث دعما مقاتلين متنافسين بعد أن ضخما ثروتهما لغايات ترفيهية.
يشرح وودال أن عالم المصارعة يتسامح بلا مبالغة مع التلاعب بالحقائق: قد يُعرّف مصارع بأنه روسي رغم نشأته في مينيسوتا إذا اقتضت الدراما وجود خصم روسي؛ وهنا يرى وودال جاذبية واضحة لترامب تجاه هذا النمط من السرد، حيث تتحول “الحقيقة” إلى ما يخدم اللحظة الدرامية — وهي خاصية تنسجم كثيراً مع رسائل ترامب السياسية خارج حلبة المصارعة.
على نحو ما، سهلت هذه الخلفية لترامب اللعب بدور “الخصم” أو الـheel في السياق الأمريكي الأوسع، ما منحَه قدرة على السيطرة على العناوين عبر استفزاز خصومه وأنصاره على حد سواء. ومع ذلك، فإن أيامه مع الـWWE شهدت أيضاً تأدية دور “البيبي فيس” — البطل الشعبي — حيث تبنَّت شخصيته سمات الشعبوية المناهضة للفساد التي تكررت لاحقاً في شعارات مثل “تطهير المستنقع” والتي رافقته نحو البيت الأبيض في 2016.
الاستفادة السياسية من الرياضة القتالية
عند انتقاله إلى البيت الأبيض في ولايتَيْه، بدا أن بصمات مسيرته التلفزيونية لم تختفِ. في الولاية الأولى عيّن عمرؤوزا مانيجولت نيومان من مشاركات برنامجه “المتدرب” في فريقه، وضمّت إدارته ليندا مكماهون، زوجة فينس، لتولي إدارة إدارة الأعمال الصغيرة. في ولايته الثانية تشغل ليندا منصب وزيرة التعليم، ومن منصبها أشرفت على مبادرات عدة لسياسات ترامب، من جهود لتقييد مشاركة المتحولين جنسياً في الرياضة الجامعية إلى دعم تشديدات ضد ناشطي التضامن مع فلسطين.
لكن احتضان ترامب لـUFC، الذي بدأ باستضافة فعاليات في فنادقه مطلع الألفية، بدا أكثر فعالية في مساعدته على العودة السياسية المفاجئة قبيل فوزه عام 2024. ساعدته هذه الرياضة في جذب شريحة من الناخبين الشباب الذكور الذين عادة ما يغيبون عن المشهد السياسي. كما يلفت آرون إتينجر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كارلتون، إلى أن عروض ترامب تتجاوز مجرد المهارات التلفزيونية: “ثمة أجندة سياسية ترافق كل ذلك”. يضيف أن ثقافة UFC تتسم بخشونة تجذب إحساساً محدداً من الذكورة لدى ناخبين في اتجاهات ترامب، فهي عنيفة ولا تحمل طابعاً ليبرالياً ناشطاً اجتماعياً.
ترابط ثقافي وإعلامي
شهد عالما UFC وWWE اندماجاً تحت مظلة شركة TKO Holdings عام 2023، ويشتركان في نزعة درامية عالية حيث يبني المقاتلون شخصيات غالباً ما تستوحي من عرقهم أو موقفاتهم السياسية. غير أن فارقاً أساسياً يفصل بينهما: فـWWE مؤطَّرة نصياً ومخرجة درامياً، بينما نزالات UFC منافسات رياضية تقليدية يُحكم فيها على الفائز بالضربة القاضية أو الخضوع أو النقاط.
تُقدَّر مشاهدات نزالات UFC عادة بين ثلاثمائة ألف ومليوني مشاهد وفقاً لشركات مراهنات، والجمهور يميل بشدة إلى الشباب الذكور. كما أن ثقافة الـUFC متشابكة مع عالم البودكاست المؤثر؛ فجو روجان — أحد أبرز داعمي الرياضة — يحقق نحو 11 مليون مستمع للحلقة تقريباً. الجمهور هنا أكثرية من الشباب والذكور، وهم في أمريكا من بين الشرائح الأقل ارتباطاً بالسياسة، او هكذا يرى المحلِّلون — مما يفسر لماذا يرى البعض في هذه المنصة أداة انتخابية مفيدة لترامب.
«إنها وسيلة فعّالة للغاية لتعبئة شريحة من الناخبين.»
روغان، الذي أعلن دعمه لترمب قبل انتخابات 2024، سيشارك في التعليق على الحدث يوم الأحد. مع ذلك، انتقد إقامة نزالات على ألقاب الـUFC في أماكن خارجية قد تؤثر على نتائجها، وأعرب أيضاً عن تساؤلاته بشأن المضي في هذا الحدث في ظل الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران عبر الساحة الإسرائيلية.
جمهور محلي الى حد بعيد
تُقام ليلة المصارعة في البيت الأبيض بعد أيام قليلة على انطلاق كأس العالم 2026، الحدث الرياضي الأكثر مشاهدة عالمياً في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. جمهور مشاهدـي الـUFC يتركز أساساً في الولايات المتحدة، مع أسواق أخرى مهمة مثل البرازيل والصين وروسيا والمملكة المتحدة، ما يجعل الحدث يسلك مساراً مختلفاً عن بطولة كأس العالم.
قال كايل كوش، أستاذ جامعة رود آيلاند، إن الحدث يبدو كمحاولة من ترمب لعرض «ذكورة رياضية على نحو محارب»، وهي ما وصفه بـ«رؤية رياضية لأمة مثالية». ويتردد هذا الصدى مع وعود إدارة ترمب، التي روج لها رئيس البنتاغون السابق بيت هيغسث، بإعادة «أخلاقيات المحارب» إلى القوات المسلحة ونهجٍ قِطْعي في الانخراط العسكري الأميركي خارجياً.
تبدو إدارة ترمب عازمة على أن تتردد هذه الرؤية على نطاق عالمي. يوم الخميس، وقّع رئيس الـUFC دانا وايت ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اتفاقية للترويج للعلامة التجارية واعتبارها «أمريكية بامتياز» كجزء من مبادرة «دبلوماسية رياضية». وقال إنهم متحمسون لما تمثله هذه العلامة من قدرة أميركا على الامتداد والتواصل مع أجزاء مختلفة من العالم، مشبهاً مقاربة الـUFC «الجرئية» بهبوط الإنسان على القمر. وأضاف أن الـUFC بمثابة «أمم متحدة القتال»، في إشارة إلى تنوّع جنسيات المقاتلين.
قد يجذب الـUFC إدارة ترمب لأسباب أخرى، بحسب كوش، الذي لفت إلى أوجه الشبه بين نهج ترمب في توطيد السلطة الرئاسية والبيئة المؤسسية المشددة السيطرة داخل الـUFC، بما في ذلك نفوذ وايت الكبير. تعرّضت الـUFC لسلسلة دعاوى قضائية يتهم فيها مقاتلون العلامة بخلق احتكار لشؤون الفنون القتالية المختلطة يحد من فرصهم، وفي الوقت نفسه يُوظَّف المنافسون كمقاولين مما يقيّد قدرتهم على التنظيم النقابي.
وحافظت العلامة على «هالة مناهضة للمؤسسة»، كما شرح كوش، «ومع ذلك فإن هيكل الـUFC كله يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر… أشبه بأن النبلاء الجشعين يديرون العرض، حيث تذهب معظم الغنائم إلى أمثال دانا وايت بدلاً من أن تذهب إلى المقاتلين الذين هم العمال».
جانب آخر من الجاذبية لترامب هو العرض البصري المُحكَم، خصوصاً بعدما تمّ هتافه ضده في سلسلة من الأحداث الرياضية مؤخراً، بما في ذلك نهائيات الـNBA في ماديسون سكوير غاردن بنيويورك. علاوة على أن قائمة الضيوف ستكون خاضعة لإرادة الإدارة، وقد نقلت وسائل إعلام أميركية أن حضور أفراد من الجيش الأميركي يشترط توافُق نسبة الخصر إلى الطول لديهم؛ وتشير مذكرة من البنتاغون إلى «الظهور العالي» لهذا الحدث.
«الحدث سيكون مُحكَماً ومُنظَّماً بدقة»، قال كوش. «وأتصور أن الفكرة لدى وايت وترمب هي أن يحصلوا على العرض البصري الذي يريدونه.»
دعهم يأكلون اللكمات؟
إن ترمب ليس غريباً عن تبنّي أحداثٍ استعراضية تمزج الرسائل الوطنية بمعالمه الشخصية؛ ففي العام الماضي أقام عرضاً عسكرياً في واشنطن للاحتفال بالذكرى الـ250 للجيش الأميركي وبعيد ميلاده التاسع والسبعين. لكن عرض الأحد يجيء في توقيت متقلب للغاية: فقد تراجع مؤيدوه شعبياً في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران التي أطلقتها إدارته في 28 فبراير، ويتخبّط السكان الأميركيون بآثار ذلك على الاقتصاد، بما في ذلك أسعار الوقود المرتفعة.
لا يزال ترمب يدعي أن صفقة تهدئة طويلة الأمد مع إيران تُحتَمل أن تكون في مراحِلها النهائية، رغم أن رسائل مماثلة كانت جافية في السابق. وأظهر مسح أجرته رويترز وإبسوس يوم الخميس أن 16% فقط من الأميركيين يرون الحدث مناسباً، بينما اعتبر 46% أنه غير لائق.
على الأقل رفعت دعوى قضائية واحدة لمحاولة إيقاف الحدث بزعم أنه لم يخضع لإجراءات التصاريح الاتحادية الصحيحة، لكن الدعوى لم تُفلح. وردت إدارة ترمب في ملفاتها القضائية بأن أكثر من 60 مليون دولار أنفقت على الترتيبات، وأن سبع وكالات اتحادية شاركت. ويحافظ البيت الأبيض على أن الـUFC يتحمّل الجزء الأكبر من التكلفة.
قال وودال من جامعة ميليرزفيل إن المناخ يجعل «من الصعب عدم تخيّل أن المشهد سيبدو كأن أفقر؟ أقصد أغنى وأشد امتيازاً من مجتمعنا يشاهدون رياضة دموية في حين أن بلدهم في حالة اضطراب اقتصادي، والناس يضطرون لاتخاذ قرارات بالغة الصعوبة بشأن كيفية دفع ثمن البقالة والأدوية». وأضاف: «أزعم أن مظهر حرب الطبقات يفوق تأثير المظهر نفسه للقتال داخل الأقفاص.»