تفجّر هذا الشهر صراع طويل الأمد بين جزء من الجالية اليهودية التقدّمية في الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية، بعدما شارك وزير المالية الإسرائيلي بزياليل سموتريتش وعدد من نواب اليمين المتطرف في موكب يوم إسرائيل السنوي في نيويورك. حضورهم إلى جانب أشخاص يُحمَّلون مسؤولية سياسات عنيفة في غزة أثار سخطًا واسعًا لدى متظاهرين يهود تقدميين نادوا بـ«عار» و«مجرمي حرب»، فيما يتهم سموتريتش المحكمة الجنائية الدولية بأنه تصدر أمر توقيف ضده.
يُعرف المهرجان باسم «يوم إسرائيل في فيفث أفنيو»، وقد اعتبره الكثير من أبناء الجالية مناسبة فاصلة تشير إلى قربهم أو ابتعادهم عن الدولة الإسرائيلية. هذا العام كانت فعالية حزيران أكثر إثارة للجدل بفعل استمرار القصف على غزة ووجود من يُنظر إليهم كمهندسي سياسة قاسية على استعراض علني.
لم يتأثر سموتريتش بالصراخات الاحتجاجية، وربط مصير الجالية كذلك بمصير إسرائيل، وهو خطاب استعادي يردده سياسيون إسرائيليون وأميركيون على حد سواء. قال إن الاحتفال يعبر عن «صلة عميقة توحّد المجتمع اليهوديّ العالمي وتصاعدت خلال السنوات الثلاث الماضية»، وأن «دولة إسرائيل هي وطن الشعب اليهودي بأسره، وأمن اليهود في العالم مرهون بقوة الدولة وأمنها».
عكس ذلك، امتنع رئيس بلدية نيويورك زوران ممداني عن الحضور لتنفيذ وعد انتخابي، وهي خطوة رحبت بها منظمات يهودية أميركية اعتبرت أن التيار القومي المتطرف في السياسة الإسرائيلية يجعل المشاركة في مثل هذا الاستعراض غير مقبولة. قالت منظمات مثل Israelis for Peace وJews for Racial & Economic Justice إن الموكب الذي يشارك فيه سياسيون يؤيدون أو يشرعنون ما يُوصف إبادةً بحق الفلسطينيين «ليس احتفالًا بالهوية اليهودية أو فخرًا بها».
منظمات يهودية نشاطية داخل أوروبا والولايات المتحدة — من بينها «صوت اليهود من أجل السلام» وحركة Na’amod — أعربت عن استياء من استغلال سياسيين أمثال سموتريتش للدين والجالية لتبرير السياسات الإسرائيلية في غزة والاحتلال في الضفة الغربية. هؤلاء يرون أن قمع الفلسطينيين يتعارض بشكل جوهري مع القيم الديمقراطية الحديثة التي تدّعي إسرائيل الدفاع عنها، ويطعنون في الطرح القائل بقبول الدولة الإسرائيلية كأمر واقع لا يُناقش.
ضد الإجماع
إميلي هيلتون، المشاركة المؤسسة لحركة نعمود، تقول إن موقفها النقدي تجاه إسرائيل تشكّل بعد هجوم 2014 على غزة، وبالتحديد بعد مقتل أربعة أطفال فلسطينيين أثناء لعبهم كرة على شاطئ. من خلال لقاءاتها في الجامعة ومع مجموعات يهودية وفلسطينية نادت بمساءلة السياسات الإسرائيلية، فشملت نشاطها المشاركة في صلوات حداد تقليدية على فلسطينيين قُتلوا أثناء «المسيرة الكبرى للعودة» على حدود غزة عام 2018، ثم المشاركة في وقفة حداد بعد هجوم 7 أكتوبر.
الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة بعد ذلك أدت ـ بحسب تقديرات ميدانية ـ إلى مقتل أكثر من 75 ألف فلسطيني في القطاع، وأعادت تشكيل تصورات قسم من اليهود في العالم عن علاقتهم بالدولة الإسرائيلية. «المزيد من الناس باتوا يدركون أننا على حق؛ إسرائيل خسرت الحجة الأخلاقية»، تقول هيلتون، وتضيف أن ادعاء الدولة بالتمثيل الحصري للمجتمع اليهودي الرئيسي «أصبح أقل يقينًا مما كان عليه».
تغيير المواقف
استطلاعات رأي في الولايات المتحدة وأوروبا تُظهر تباينًا متسعًا في مواقف الجالية اليهودية تجاه إسرائيل: بينما يشعر بعضهم بارتباط عاطفي متجدد بعد الحملات الدولية التي نددت بأفعال إسرائيل، يتجه آخرون إلى الابتعاد عن بلد يرى أنهم ينفذون عنه سياسات إبادة باسمه. سونيا مايرسون-نوكس، مديرة الاتصالات في «صوت اليهود من أجل السلام»، اتهمت مؤسسات يهودية أميركية بدعم إجراءات الحكومة الإسرائيلية وترديد مبرراتها، بل وبإسكات واستبعاد اليهود الذين حاولوا مساءلة الدولة أو الاعتراض على جرائم الحرب.
مع ذلك، تظل غالبية المؤسسات اليهودية الأميركية مؤيدة لإسرائيل رسميًا، رغم ما تصفه فعاليات داخل الجالية بـ«تغيّر جذري» في مواقف الناس. لسنوات كان دعم وجود إسرائيل نقطة وفاق رئيسية بين يهود بريطانيا والولايات المتحدة، لكن ثلاث سنوات من العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والضفة ولبنان وسوريا واليمن — بل وتدخلات في مناطق أوسع — أدت إلى مراجعــة لدى كثيرين. النظام السياسي الإسرائيلي الحالي، وحتى منافسوه من اليمين والوسط مثل نفتالي بينيت ويائير لابيد، يتفقون في نهاية المطاف على إطار لا يقدم حلاً أفضل للفلسطينيين وفق نشطاء مثل هيلتون: الجدال يدور فقط حول درجة الفصل العنصري أو العنف المطبّق، لا حول بناء مستقبل عادل ومساواة حقيقية.
«المطالب التي تقول إنهم يعملون باسمي هي، بصراحة، فاضحة»، تقول هيلتون. «المشكلة ليست في من هو أكثر اعتدالًا داخل النظام، بل في النظام نفسه. علينا أن نتخيّل حياة تتجاوز الصهيونية، حياة تستند إلى العدالة والمساواة. الدولة الإسرائيلية باتت تعرض اليهود للخطر حين تدعي أننا جنود مشاة في خدمتها. نحن لسنا كذلك.»
المعاركات الداخلية داخل الجالية اليهودية — بين مؤسسات محافظة تحافظ على الدعم لإسرائيل وحركات نشاطية تطالب بالمساءلة والعدالة — تعكس تحوّلات اجتماعية وسياسية أوسع، وقد تستمر هذه النقاشات في إعادة تشكيل هوية وولاء أقسام كبيرة من الشتات اليهودي في السنوات المقبلة. قال كيث كان-هاريس، عالم اجتماع وزميل في معهد أبحاث السياسة اليهودية، للجزيرة: «هذا الاتجاه آخذ في التراجع؛ لقد أظهرت التطورات كيف أن كثيراً من نقاط الإجماع العتيقة حول ماهية اسرائيل لم تكن فعلاً صالحة لغايتها».
وأضاف أن رغم تآكل الإجماع الوسطي وتصاعد الشعور المعادي للصهيونية لدى فئات شبابية، فإن الجاليات اليهودية التقليدية لم تبلغ بعد المرحلة التي تدفعها إلى التشكيك في مستقبل اسرائيل كدولة. «هم موجودون، لكن أمامهم طريق طويل».