محكمة الاستئناف البريطانية تؤيّد تصنيف «حركة فلسطين أكشن» تنظيماً إرهابياً
أصدرت محكمة الاستئناف في المملكة المتحدة حكماً يؤيد قرار الحكومة قوننة حظر نشاط مجموعة الناشطين «فلسطين أكشن» واعتبارها «منظمة إرهابية»، في تطور جديد يضع حرية الاحتجاج في بريطانيا تحت مجهر نقاش مستمر.
عن الحركة وأسلوبها
تأسست «فلسطين أكشن» عام 2020 وعرّفت عن نفسها كحركة عمل مباشر تسعى لعرقلة شركات ومؤسسات تُحمّلها مسؤولية مشاركتها أو تواطؤها في الحرب الإسرائيلية على غزة. وتركّزت عمليات أفرادها داخل المملكة المتحدة على استهداف مصانع أسلحة ومرافق عسكرية عبر أعمال تخريب وتلفيات مادية غالباً، وفق تقارير وسائل الإعلام.
مؤيدو الحركة يرونها امتداداً لتقليد بريطاني طويل من العصيان المدني، بينما يتهمها منتقدوها باتباع تكتيكات تتعدى حدود الاحتجاج السلمي لتقارب ما يوصف بالإرهاب. والسؤال الأوسع هنا: كيف تعاملت بريطانيا تاريخياً مع حركات العمل المباشر، وما الذي تغيّر إن وُجد؟
1910–1920: نساء الحركة النسائية (السفراجت)
لعب العمل المباشر دوراً بارزاً في التاريخ الديمقراطي البريطاني. انبثقت اتحاد المرأة الاجتماعية والسياسية (الذي أسسته إيميلين بانكهيرست عام 1903) بعد سنوات من النضال من أجل حق المرأة في الاقتراع. أتباعها، المعروفيات باسم «السفراجت»، لجأن إلى مقاطعة السياسيين، وتعطيل الاجتماعات العامة، وربط أنفسهم بالأسوار، وتحطيم النوافذ، وشنّ حملات إحراق بل وصل بعضها إلى تفجيرات موجهة للممتلكات.
اعتُقل كثيرون بتهم تتراوح بين إتلاف الممتلكات والاقتحام والإحراق، وتعرّض العديد منهم لأحكام سجن متكررة. كاثارين غاتّي مثلاً أمضت ثلاثة أسابيع في السجن عام 1911 وستة أشهر عام 1912 إثر تحطيم نوافذ؛ وجين شورت حُكم عليها بثلاثة أشهر بعد تكسير نوافذ مكتب بريد، واعترفت بالفعل بصراحة كوسيلة لشدّ الانتباه إلى حملة الاقتراع، ورفضت التعهّد بعدم التكرار، فيما وُضعت في فئة السجناء السياسيين المعروفة بـ«القسم الأول».
لجوء بعضهن إلى الإضراب عن الطعام أثناء الحبس دفع الحكومة إلى تطبيق ما عرف بـ«قانون القط والفأر» لعام 1913 وعمليات تغذية قسرية لإبقائهن على قيد الحياة. وموت اميلي ويلدينغ دافيسون بعد أن تقدمت إلى مضمار السباق في دربي إبسوم 1913 وصدمت بقفز حصان، ظلّ لحظة محورية في الحركة.
على الرغم من عداوة كثير من الصحافة والمؤسسة السياسية آنذاك، تُعتبر السفراجت اليوم في بريطانيا روّاداً للإصلاح الديمقراطي؛ فقد حصلت النساء على حق اقتراع جزئي عام 1918 وحق متساوٍ مع الرجال بعد عقد من الزمن.
من خمسينيات القرن العشرين: احتجاجات جماهيرية وعصيان مدني
بعد الحرب العالمية الثانية برزت في بريطانيا حركات احتجاجية واسعة على قضايا مثل التسلح النووي والضرائب والحروب. تأسَّست حملة نزع السلاح النووي عام 1957 وحشدت مئات الآلاف ضد الترسانة النووية البريطانية وطاقة نووية مدنية لاحقاً، وبقيت تحركاتها في إطار غالباً قانوني، إلا أن بريطانيا استمرت في الاحتفاظ بأسلحتها النووية وصناعة نووية مدنية.
على النقيض، أفرزت حركة معارضة ضريبة السكن (الـPoll Tax) في عهد مارغريت ثاتشر نتائج مباشرة: أدت المواجهات التي بلغت ذروتها في شغب عام 1990 في وسط لندن إلى إصابة أكثر من مئة شخص واعتقال المئات، ثم أُلغيت الضريبة خلال عام واحد واستُبدلت بنظام مختلف.
وفي عام 2003 خرج ما بين مليون ومليونَي شخص في تظاهرة سلمية ضد غزو العراق، وهي أكبر تظاهرة سياسية في تاريخ بريطانيا، لكن الحرب مضت قدماً رغم الاحتجاجات.
من 2018 فصاعداً: حركة المناخ وتحوّل التشريع
شهدت السنوات الأخيرة تحوّلاً في مقاربة السلطات للاحتجاجات مع بروز حركات المناخ مثل «إكستينكشن ريبيلّيون» و«عزل بريطانيا» و«جست ستوب أويل». ومنذ تأسيسها عام 2018، عمدت «إكستينكشن ريبيلّيون» إلى استراتيجية عصيان مدني غير عنيف تهدف إلى فرض قضية المناخ على جدول الأعمال السياسي، فسدّ المتظاهرون طرقاً وربطوا أنفسهم بالأرض أحياناً وطلبوا عمداً الاعتقال لاستغلاله كوسيلة لجذب الانتباه.
ردّت حكومات متعاقبة بتشريعات أشدّ تقييداً: حوّل قانون الشرطة والجريمة والعقوبات والمحاكم 2022 جريمة الإزعاج العام المتعارف عليها إلى نص قانوني يعاقب بالسجن حتى عشر سنوات، كما أدخل قانون النظام العام 2023 مجموعة من الجرائم الجديدة المتعلقة بالاحتجاجات ومَدد صلاحيات الشرطة.
تأثير ذلك تجلّى في دراسة حديثة لجامعة كوين ماري بلندن: وثّق الباحثون 286 قضية أدين فيها متظاهرون بأعمال عصيان مدني في بريطانيا، وبلغ مجموع فترات الحبس الاحتياطي والحكم عليها أكثر من 136 سنة، بمتوسط 28 شهراً، وكان واحد من كل خمسة محكومين بالسجن لأكثر من سنة واحدة.
وصف ديفيد وايت، أستاذ عدالة المناخ في الجامعة، هذا التحول بأنه خروج دراماتيكي عن الممارسات السابقة، وقال إن السجون لم تعد استثنائية بالنسبة لأفعال العمل المباشر بل صارت تُفرض بعقوبات متزايدة وطويلة، واصفاً استجابة جهاز العدالة الجنائية بأنها «قمعية للغاية».
حواجز قانونية أمام تبرير الدوافع
أشار خبراء قانونيون إلى أن المتهمين يواجهون قيوداً متزايدة عند محاولة شرح الدوافع السياسية أو الأخلاقية لأفعالهم أمام المحاكم. استُخدم مفهوم ازدراء المحكمة أحياناً كآلية لتجاوز الإجراءات الجنائية، وحُكم على أعداد كبيرة بازدراء المحكمة وحتى بالسجن لمجرد انتهاك أوامر مدنية.
الخلاصة
التاريخ البريطاني حافل بحركات تضمنت عملاً مباشراً كان يُعتبر في أحيان كثيرة جرماً مطلوباً للعقاب ثم صار مرجعية أخلاقية أو سياسية لاحقاً؛ ما يحدث اليوم يطرح سؤالاً واضحاً عن الحدود بين الأمن القومي وحق الاحتجاج، وفيما إذا كانت القواعد القانونية الحديثة تعيد رسم تلك الحدود لصالح فرض النظام بأثمان قد تبدو باهظة على حرية التعبير والنشاط المدني. أمرت محاكم كثيرة بعدم ذكر التغير المناخي أو الإبادة الجماعية.
تتصاعد الانتقادات في ظل سلسلة قضايا بارزة تتعلق بالنشطاء المناصرين للبيئة، حيث حُكم على متظاهرين بالسجن لأربع سنوات لمجرد تخطيطهم لعرقلة طريق سريع، في حين حُرم متهمون من تقديم دفوع مثل «عذر معقول» أو عرض أدلة مناخية أمام هيئات المحلفين. كما انتقدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة ماري لولور حكومات غربية، بينها المملكة المتحدة، لتجريمها الناشطين البيئيين بينما تزعم دعماً للعمل المناخي.
2020 — بلاك لايفز ماتر وتمثال إدوارد كولستون
أبرزت احتجاجات حركة «حياة السود مهمة» في 2020 اختباراً بوّابياً لطريقة تعامل بريطانيا مع العمل المباشر. أثناء المظاهرات في بريستول، عقب مقتل جورج فلويد على يد الشرطة الأمريكية، وضع المحتجون غرافيتي على تمثال تاجر الرقيق إدوارد كولستون وأسقطوه ثم ألقوه في الميناء. أربعة أشخاص وُجّهت إليهم تهمة إتلاف ممتلكات وحُكم ببراءتهم لاحقاً من قِبل هيئة محلفين.
احتُفي بالحكم بوصفه اعترافاً بأن العمل المباشر قد يعكس أحياناً مشاعر عامة أوسع، وفي الوقت نفسه يسلط الضوء على التوتر المستمر بين ما تعتبره النيابة «إتلافاً جنائياً» وحق المواطنين في التظاهر.
2020 — حركة Palestine Action
تصاعد الجدل إلى مستوى جديد بعد أن صنفت الحكومة البريطانية حركة Palestine Action «منظمة إرهابية»، وأدخلتها في نفس الفئة القانونية التي تضم مجموعات مسلحة مثل القاعدة وداعش. وحذّر خبراء الأمم المتحدة من أن هذه الخطوة قد تخلق تأثيراً رادعاً على الاحتجاجات السياسية. وقالت هدى عموري، إحدى مؤسسات Palestine Action، التي طعنت في القرار أمام المحكمة العليا، إنها تنوي تصعيد استئناف المجموعة ضد الحظر إلى المحكمة العليا للمملكة المتحدة.
يجعل تصنيف المجموعة «محظورة» أيّ دعم أو احتجاج من أجلها أمراً غير قانوني. ومنذ العام الماضي، تم تسجبل نحو 3,000 شخصا للاشتباه بدعمهم للحركة.
تقول Palestine Action إنها تستخدم تكتيكات تعطيلية ضد «البنية التحتية» الشركاتية التي تدعم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية؛ وشملت أعمالها احتلال ممتلكات، وتعطيل عمليات مصانع، وأعمالاً منسوبة لها من إتلاف ممتلكات استهدفت شركات دفاعية.
قضية «فيلتون فور» وأثرها
اشتد الجدل الأسبوع الماضي بعدما حُكم على أربعة ناشطين من Palestine Action، عُرفوا باسم «فيلتون فور»، بسبب إحداثهم أضراراً بقيمة 1.2 مليون جنيه إسترليني في موقع تديره شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية قرب بريستول. ولم يُبلغ المحلفون أثناء محاكمتهم بتأثير إمكانية تصنيف أفعالهم على أنها «إرهابية» — وهو ما قررته المحكمة لاحقاً — ما يعني أن الأحكام ستكون أشد وأنهم قد يُلَقّبون بـ«إرهابيين» مدى الحياة.
وقال أنس مصطفى، رئيس الدفاع العام في منظمة CAGE International: «هذا الحكم يوضح تماماً هدف هذه الصلاحيات. ليست أدوات لحماية الناس من العنف، بل أدوات سلطوية لسحق المعارضين.»
ووصف توماس بيل، المدير بالإنابة لهيومن رايتس ووتش في المملكة المتحدة، القرار بأنه «كارثة» تزيد من تردّي مكانة المملكة المتحدة بين الدول التي تتراجع فيها الحريات عبر تصنيف أعمال احتجاج بأنها إرهاب.
يرى خبراء قانونيون أن القضية تعكس اتجاهًا أوسع نحو توظيف صلاحيات مكافحة الإرهاب في قضايا مرتبطة بالاحتجاجات. وفي تعليق لوايته، قال إن «قضية فيلتون فور تقوّض أي مصداقية تبقت لدى الإجراءات الجنائية البريطانية».
«وجدت هيئة المحلفين المتهمين الأربعة مذنبين بتهم بسيطة نسبياً، وكان متوقعاً أنهم أمضوا وقتاً كافياً في الحبس الاحتياطي وأن يُطلق سراحهم. الأحكام كانت مدهشة وغير مسبوقة. هذه القضية واحدة من كثير تُظهر مدى تسييس المحاكم.»
«إنها لحظة خطيرة للغاية على الديمقراطية البريطانية.»