من المتوقع أن يناقش البرلمان البريطاني، يوم الاثنين، الحاجة إلى فتح تحقيق في مدى نفوذ اسرائيل على السياسة البريطانية. يُنقل النقاش مباشرة عبر قناة البرلمان على يوتيوب، وهو ثمرة عريضة إلكترونية جُمعت تحتها أكثر من 118 ألف توقيع، ما أدى إلى إدراج المسألة للنقاش البرلماني تلقائياً.
خلاصة العريضة ومبرراتها
العريضة التي أُطلقت في 28 يناير تثير مخاوف بشأن أنشطة ضغط مرتبطة بالدولة الإسرائيلية أو مؤيدة لها داخل المشهد السياسي بالمملكة المتحدة، وتدعو إلى تحديد نطاق وتأثير أي حملات تأثير محتملة. وتؤكد أن الدمار الهائل في غزة والقيود المستمرة على الفلسطينيين في الضفة الغربية ورد الفعل السياسي البريطاني يبرران فحص كيفية تأثير منظمات وشبكات ومجموعات ضغط مؤيدة لإسرائيل على قرارات الحكومة وسياسات الأحزاب والنقاش العام.
من قدم العريضة ولماذا؟
المواطن آندي كليل هو من بادر بإطلاق العريضة في يناير، وقال إنه فعل ذلك بعد اطلاع على نقاشات عن تأثير روسي في السياسة البريطانية ورغبة متسلسلة من آخرين في السؤال عن “التأثير الصهيوني”. وصف الاستجابة بأنها جماعية وملحوظة وشكر من شاركوا ووقعوا. سبق أن حاول كليل تقديم عريضتين أخريين باءت إحداهما بالفشل وأُخرى رُفضت.
أسماء مجموعات الضغط المعروفة في المملكة المتحدة
من جهات الرقابة والتقارير الصحفية، برزت مجموعات عدة مرتبطة أو مناصرة لإسرائيل، من بينها:
– Conservative Friends of Israel (CFI) التي تعنى بتقوية الروابط بين حزب المحافظين وإسرائيل.
– Labour Friends of Israel (LFI) التي تسعى لتعزيز علاقات حزب العمال مع اسرائيل.
– مجموعات موازية داخل حزب الليبراليين الديمقراطيين وداخل أيرلندا الشمالية.
– وزارة الخارجية الإسرائيلية التي تموّل وتُنظّم زيارات وبرامج دبلوماسية للشخصيات السياسية الأجنبية.
– منظمات أوروبية أو دولية مثل Elnet وAICE وYachad والجمعية اليهودية الأوروبية، إضافة إلى متبرعين أفراد من رجال أعمال ومجتمعات داعمة لإسرائيل.
التمويل والزيارات وتأثيرها
تقارير تحقيقية، أبرزها تحقيقات Declassified UK، كشفت عن تمويل بعض مجموعات الضغط لنواب ووزراء سابقين وحاليين، بمبالغ تُقدّر ببعض المئات من الآلاف من الجنيهات. ذُكر أن LFI مولت زيارات لسبعة من أعضاء حكومة اليَسر (حكومة كيير ستارمر)، بينما لم يتلق ستارمر تمويلاً مباشراً لكنه تحدث في فعاليات نظّمها الحزب. ذُكر أيضاً اسم رجل الأعمال تريفور تشين كفاعل تمويل وداعم لحملة ستارمر في 2020.
تاريخياً، نشرت تحقيقات أن أعضاء حكومات سابقة أو نواباً تلقوا تمويلاً أو رحلات ممولة من جهات مؤيدة لإسرائيل، وأن هذه العلاقات ظهرت في سجلات وفضائح إعلامية سابقة.
حالات تأثير سياسي واتهامات بالوصاية
ليست الأموال وحدها؛ فقد أظهرت تحقيقات أن مجموعات الضغط لعبت دوراً في استهداف سياسيين بتهم أو بضغط لإسقاطهم أو تقييد مواقفهم المعلنة ضد اسرائيل. برامج وثائقية واستقصاءات (مثل “Dispatches” و“The Lobby”) رصدت توترات، وحالات اتهام بمعاداة السامية طالت ناشطين وقيادات حزبية، ما أدّى في مناسبات إلى تعليق عضويات أو تحقيقات داخلية، منها ملف حزب العمال وعملية تعليق جيريمي كوربين بعد تحقيق هيئة المساواة وحقوق الإنسان.
موقف الحكومة البريطانية
الحكومة العمالية الحالية قالت إنها لا تدعم العريضة، مرجعة موقفها إلى وجود أطر حالية للشفافية حول أنشطة الضغط على الحكومة والبرلمان. مع ذلك، تتباين مواقف أفراد الحزب والبرلمان حول مدى ضرورة تحقيق مستقل. تحت قيادة كيير ستارمر اعترفت المملكة رسمياً بفلسطين كدولة في سبتمبر الماضي، لكن مسألة ما إذا كان ما يجري في غزة يدخل في مرحلة تصنيف “إبادة جماعية” تُترك لتقدير المحاكم الدولية، رغم تصويت بعض أعضاء الحزب في مؤتمرات داخليّة للاعتراف بوجود إبادة جماعية.
القضايا الإعلامية والاتهامات بالتحيّز
ترد اتهامات إلى وسائل إعلام بريطانية، خاصة هيئة الإرسال العامّة BBC، بالانحياز في تغطية الحرب على غزة وإهمال الإطار الأدق القائم على الأدلة. تقرير تحليلٍ من Declassified UK أشار إلى اجتماعات متكررة بين ممثّلي وسائل إعلام ومجموعات يهودية مؤيدة لإسرائيل، مع ملاحظة أن تغطية هذه العلاقات نادراً ما تُعرض على الجمهور.
ماذا قد يتبع نقاش الاثنين؟
النواب يستعدون لمناقشة فتح تحقيق برلماني. محللون أكاديميون يشيرون إلى أن فتح تحقيق شامل قد يفتح “علبة الديدان” السياسية، وقد يعرّض الحكومة لضغوط داخلية وخارجية، بما في ذلك انتقادات أمريكية أو إسرائيلية واتهامات بمعاداة السامية. من جهة أخرى، أي تحقيق سيخضع لعبء إثبات الشفافية وتفادي التجاوزات السياسية، خصوصاً وأن تاريخ حزب العمال لا يزال عائقاً سياسياً وحساساً. تصريح حديث أشار إلى أن ستارمر أقدم على خطوة التنحّي عن رئاسة الحكومة، وهو تطور سياسي قد يغيّر حسابات المتداخلين.
خلاصة
القضية ليست مسألة علاقات ثنائية طبيعية أو رحلات رسمية فحسب، بل تتعلق بخلافات جوهرية حول شفافية التمويل، حدود التأثير الخارجي على القرار الوطني، والصراع بين حرية التعبير والاتهامات بالتحيّز أو التمييز. هل يؤدي ذلك إلى تحقيق برلماني؟ القرار سيتبلور بعد النقاش، لكن التوترات السياسية والإعلامية والشخصية جعلت من القضية اختباراً لمدى استعداد المؤسسات البريطانية لمواجهة نفوذ مجموعات الضغط، ومعالجة الاتهامات الحساسة دون أن تتحول إلى أداة سياسية للتشويه أو التكميم.