دور النساء في إبعاد الشباب عن عنف العصابات في شمال شرق نيجيريا

ميدوغوري، نيجريا — يرفع محمد عبد الحميد ما تبقى من أصابعه لتحية المارة أمام منزله في عجيلاري، حيٍّ على طرف مدينة ميدوغوري في شمال شرق نيجيريا.

الحركة تبدو محرجة. فقد شُوهت معظم أصابع يده اليمنى خلال هجوم عصابي عام 2023، تذكار دائم لحياة يقول إنفنتها العنف.

لا يتذكر عمره بدقة، لكنه لا ينسى تلك الأمسية.

«العصابة التي هاجمتني كانت تنتقم، وكما تهبّ النسمات على أوراق الشجر لا أستطيع أن أعدّ كم شخص هاجمت قبل تلك الليلة»، قال محمد للجزيرة.

غير قادر على العودة إلى عمله نجارًا بعقود، يقضي محمد أيامه الآن في محاولة ثني المراهقين عن ارتكاب نفس الأخطاء التي ارتكبها هو.

«بعد أن فهمت العواقب، أحرص الآن على أن يبتعد شبابنا عن القتال، لأن الخروج منه صعب حين تدخل فيه»، يضيف.

لعقود، أرعبت عصابات شبابية تُعرف محليًا باسم «مارليان» أحياء ميدوغوري وجير المجاورة. مسلحة بسكاكين وفؤوس وسواطير وأسلحة محلية الصنع، كانت مجموعات متنافسة تتصارع على النفوذ، تاركة السكان محاصرين بين الخوف والانتقام.

تصاعدت أعمال العنف إلى حد أن حاكم ولاية بورنو باباجانا أمارة زلوم أمر في 2023 بشن حملة واسعة على تلك العصابات بعد سلسلة مواجهات دامية. ومع تزايد قوة المجموعات، اتهم السكان بعض أعضائها باستخدام ثلاثيّات تجارية لخطف الهواتف ومهاجمة الركاب وتنفيذ سرقات في أنحاء المدينة.

لكن في مجتمعات تشكّلت بفعل أكثر من عقد من الصراع والنزوح، برزت محاولة سلام غير متوقعة. بدلاً من الاعتماد فقط على الاعتقالات والحملات الأمنية، شرعت نساء محليات وقادة مجتمع وأعضاء سابقون في العصابات في محاولة إقناع الشبان بالتخلي عن العنف.

ويربط محللون وقادة محليون جذور العنف بجروح أعمق خلفتها سنوات الحرب. فبورنو هي مهد تمرد بوكو حرام الذي دمر شمال شرق نيجيريا لأكثر من عقد. وتقدّر الأمم المتحدة أن الصراع أودى بحياة أكثر من 35 ألف شخص وشرد أكثر من مليوني نسمة في منطقة بحيرة تشاد.

يقرأ  رفض عرض محادثات السلام المقدم من الحكومة العسكرية في ميانمار

«نرى شبابًا منخرطين بشدة في المخدرات والجرائم الصغيرة، التي تتطوّر لاحقًا إلى عصابات منظمة»، تشرح حسّانة إبراهيم وزيري، المديرة التنفيذية لـUnified Members for Women Advancement (UMWA). «نشأوا في بيئة عنيفة لأنهم شاهدوا العنف باستمرار منذ صغرهم».

كسب ثقة العصابات

يقول قادة المجتمع إن نقطة التحول جاءت عندما توقفوا عن معاملة أفراد العصابات كمشكلة أمنية فحسب.

من 2018 إلى 2021، شرعت UMWA، بدعم من Conciliation Resources، بعقد جلسات حوار منتظمة مع زعماء العصابات في عشر مجتمعات متوترة.

«أجرينا محادثات كل أسبوعين معهم، لنجعلهم يفهمون أنه بإمكانهم أن يفعلوا أشياء أفضل من أجل مستقبل مستدام»، تقول وزيري.

بدل التركيز على العقاب، سعى المنظمون إلى إقناع زعماء مؤثرين في المجموعات بأن يصبحوا دعاة للسلام داخل أحيائهم.

ومع مطاردة الأجهزة الأمنية للمطلوبين، شرعت نساء في بعض أكثر أحياء ميدوغوري احتدامًا في مواجهة تحدٍّ أصعب: تغيير العقول.

وسعت مجموعات قواعدية مثل جمعية تطوير عجيلاري وعرضت جمعية غوماري جهود الحوار من خلال الوساطة المجتمعية، مقنِعة العصابات المتنافسة بفضّ النزاعات قبل أن تتحول إلى مواجهات مميتة.

إلى جانب تنظيم دوائر بناء السلام عبر نساء محليات، تساعد حلقات السلام التي تقودها نساء عجيلاري أعضاء العصابات السابقين على ترك العنف.

«أفراد عصابات كانوا يخيفون الناس تقاعدوا عن العنف»، يقول بولاما بابانجيدا، قائد مجتمعي يشرف على المبادرة في عجيلاري. «درّبنا نساء محليات يديرن الآن برامج توعية أسبوعية أيام الأحد لهؤلاء، ويتعاونن مع الجهات الأمنية للدولة لحل النزاعات قبل أن تتحول إلى مآسٍ».

واجهت المبادرة في البداية مقاومة من الرجال في المجتمع، وفقًا لفاطمة طاهر، قائدة نسائية في جمعية غوماري. لكن المواقف تغيّرت عندما رأى السكان كيف استطاعت النساء تهدئة التوترات التي كثيرًا ما كانت تنتهي بسفك دماء.

يقرأ  الجيش الكولومبي يحرر ٢٧ جنديًا مخطوفًا.. وعشرات الجنود لا يزالون محتجزين — أخبار الجماعات المسلحة

«كلّفت بتعبئة النساء وتدريبهنّ والعناية بالشباب لضمان السلام في منطقتي غوماري وبلونكوتو. كما وضعت ممثلات نساء في أحياء مختلفة للإشراف على حوارات بين العصابات المتنافسة»، قالت طاهر للجزيرة.

يقدّر قادة المجتمع أن أكثر من ألف عضو عصابة شاركوا في حلقات الحوار، رغم أن هذا الرقم لم يُتحقق منه مستقلاً.

تعمل بعض النساء بهدوء خلف الكواليس، يتتبّعن النزاعات الناشئة، ويراقبن مناطق مرتبطة بتعاطي المخدرات، وينقلن المعلومات إلى قادة المجتمع والشرطة والجيش وقوة المهام المشتركة المدنية (CJTF) قبل أن تتصاعد التوترات إلى عنف.

ترك العنف خلفهم

كان محمد من بين الذين غيّروا مسارهم.

أجبرت جلسات الحواره على مواجهة المعاناة التي سبّبها عنف العصابات للعائلات، بما في ذلك عائلته. ومع تغيّر سمعته من مقاتل مخيف إلى مدافع عن السلام، اختاره الشباب لقيادة مجموعة من أعضاء العصابات السابقين الذين تنحّوا رسميًا عن العنف.

يقول إن كثيرين توقفوا عن القتال بعد أن أدركوا فوائد السلام واستعادوا احترامهم لشيوخ المجتمع.

يؤمن معاجي عبّا، عضو عصابة سابق يبلغ من العمر 27 عامًا من غوماري، أن الغرباء يسيئون فهم أسباب انخراط الشباب في العصابات.

«يقول كثيرون إننا نلتحق بالعصابات بسبب البطالة، لكن بالنسبة لي ذلك ليس السبب الجذري»، يوضح عبّا للجزيرة بعد أسابيع من إطلاق سراحه من السجن في مايو. «المشكلة متجذرة في البيئة التي نشأنا فيها. حين تكبر في مكان تتكرر فيه الاشتباكات، ستنضم طبيعيًا إلى القتال حتى لو لم تكن تعرف سبب القتال».

محاولات إعادة بناء الحياة تواجه مستقبلًا غير مؤكد.

يأمل عبّا في جمع ما يكفي من المال لبدء عمل في مجال الملابس. أما محمد، فيناضل مع إصابات دائمة في يده أنهت مسيرته النّجارية ولا تزال تحدّ من قدرته على كسب لقمة العيش.

يقرأ  المحكمة العليا الأمريكية تلغي خريطة التصويت في لويزيانا وسط معركة وطنية لإعادة ترسيم الدوائرأخبار انتخابات التجديد النصفي الأمريكية ٢٠٢٦

سلام تحت ضغط

مع ذلك، تبقى المكتسبات هشة.

أخبر عدد من أعضاء العصابات السابقين الجزيرة أن التخلي عن العنف لا يمنحهم حماية كافية من أعداء الأمس. يقول بعضهم إنهم لا يزالون يتعرّضون لتهديدات من أحياء منافسة تسعى للانتقام من هجمات سابقة.

يقضي بابنجيدا نهاره داخل متجره ومساؤه في فضّ النزاعات. (حديزة إبراهيم نغولدي/الجزيرة)

من دون إطار رسمي لإعادة الإدماج، يخشى قادة المجتمع أن بعض أعضاء العصابات السابقين قد ينزلقوا مرة أخرى إلى العنف.

في الوقت نفسه، أدّت تقلّصات تمويل الجهات المانحة إلى وضع العديد من مبادرات الوساطة في مواجهة صعوبات كبيرة للبقاء. وفي بعض الحالات، يقول المنظمون إنهم يمولون الاجتماعات وجهود التوعية من جيوبهم الخاص.

يعتقد صناع السلام مثل وزيري أن إصلاح الأضرار الناجمة عن سنوات النزاع يتطلّب صبراً ومثابرة.

«إذا امتلك الإنسان سلاماً داخلياً فبإمكانه أن ينشره في مجتمعه»، قالت. «لهذا علينا مساعدة هؤلاء الشباب على أن يصنعوا سلامهم الخاص، حتى يستفيد المجتمع بأسره.»

أضف تعليق