يقول مسؤولو الصحة إنّ تفشّي الإيبولا في شرق إفريقيا قد يتحوّل إلى أحد أسوأ التفشّيات المسجّلة ما لم تتسارع جهود الاستجابة. ثمة دلائل على تحسّن، لكن ما زال أمامنا العديد من العقبات. فيما يلي العوامل التي ستحدّد سرعة احتواء الوباء.
ما مدى انتشار الاختبارات؟
الاختبارات المحدودة في المراحل الأولى أدّت إلى تغافل حالات عديدة، مع أنّ الوضع يتحسّن تدريجياً. فشل الكشف المبكّر عن فيروس بوندبوجيو، المسؤول عن هذا التفشّي، ونقص الأجهزة واللوازم المختبريّة أخرَت تحديد المصابين لأسابيع، ما يجعل أعداد الحالات المعلنة شبه مؤكّد أقلّ من الواقع.
هل يمكن تتبّع ومعزلة المصابين؟
من دون نتائج فحص سريعة، لا يمكن للعاملين الصحّيين استبعاد الملاريا، التي تشبه الإيبولا مبكّراً، ولا يمكن الانتقال إلى خطوات العزل وتتبع المخالطين للحدّ من الانتشار. لقد وسّع المعهد الوطني الكونغولي للبحوث الطبّية — بمساعدة وكالات صحّة دولية — اختبارات الجينوم للفيروس في مركز التفشّي ومناطق محتملة التأثّر؛ وتُعالج معظم العينات في نفس اليوم. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات: نقل العديد من العينات لساعات عبر طرق ترابية وعرة إلى مختبرات مركزية، وغياب نظام سجلات إلكتروني في أنظمة الصحة المحليّة يبطئ تبادل النتائج، واتّصال بعض مواقع الاختبار بالإنترنت تمّ للمرة الأولى هذا الأسبوع. كما يشكّل إقناع الناس بالخضوع للاختبار حاجزاً آخر.
هل يمكن عزل المرضى؟
سيأتي بعض المصابين طوعاً إلى مراكز علاج الإيبولا الجديدة، خصوصاً إذا استعاد المجتمع ثقته بعد رؤية حالات تُشفى هناك. في المثالي، يُحتفظ بكل مريض في العزل حتى تظهر نتيجته سلبية، لكن هناك نقصاً في مواد البناء اللازمة لإقامة مساحات العزل. كما أنّ اختبار المجتمع ضروري للأشخاص الذين لا يتوجّهون إلى المراكز من تلقاء أنفسهم، إلا أنّ هذا النوع من الاختبارات مرهق ويستغرق وقتاً طويلاً.
تتبّع المخالطين: هل يكفي؟
من دون علاج مثبت أو لقاح يحمي من فيروس بوندبوجيو، تبقى تدابير الصحة العامة مثل تتبّع المخالطين الوسيلة الأساسية للسيطرة. لوقف التفشّي، يجب تحديد ومراقبة 95% من الأشخاص الذين كانوا على اتصال وثيق مع مصاب. تقول منظمة الصحة العالمية إنّ أوغندا نجحت تقريباً في تتبّع كل المخالطين، لكن الجانب الكونغولي من الحدود يواجه صعوبات أكبر. يحدث التفشّي في منطقة نزاع نشطة، وينتشر داخل مخيّمات نزوح مكتظة، حيث تُعيق كفاية عدم الثقة في المجتمع عمل متتبّعي المخالطين. تحسّنت نسب التتبّع مع مرور الوقت لتبلغ نحو 70% في الأيام الأخيرة، لكنّ السلطات تحذّر من أنّ آلاف المخالطين لا يزالون خارج المتابعة.
لماذا يتهرّب الناس من التعاون؟
أسباب متعددة: خشية أن يُجبَروا على دخول مراكز عزل بينما يحتاجون إلى الكسب لإطعام أسرهم في مجتمعات يعتمد فيها مئات الآلاف على المساعدات الإنسانية؛ وانتشار المعلومات المضلِّلة عبر وسائل التواصل التي تجعل البعض يشكّك في وجود الوباء؛ واستياء من حضور المجتمع الدولي لمواجهة الإيبولا بينما لا تُقدَّم مساعدات كافية للملاريا أو للولادات الآمنة أو لسوء التغذية. كما يخشى الناس أن يُمنع عن المتوفّى طقوس دفنه التقليدية، بما في ذلك غسل الجسد، وهو جزء ثقافي مهم ولكنه يزيد من خطر الانتشار. كلّ هذه العوامل تثنِي الناس عن طلب الرعاية وقد تدفع بعضهم إلى الهروب من متتبّعي المخالطين.
ماذا عن العلاجات واللقاحات؟
رغم وجود لقاحات وعلاجات معتمدة لسلالات أخرى من الإيبولا، لا توجد حالياً علاجات أو لقاحات تستهدف خصيصاً سلالة بوندبوجيو. ما توصي به منظمة الصحة العالمية الآن هو الرعاية الداعمة: سوائل وريدية، ومضادات حيوية للعدوى البكتيرية، وإدارة فشل الأعضاء ومضاعفات أخرى. تعمل المنظمة ومنظمات أخرى على تجارب سريرية للقاحات وعلاجات محتملة، لكن حتى في حال ثبتت فعاليّتها قد يستغرق الأمر أشهر قبل أن تُستعمل في هذا التفشّي.
جهود تطوير اللقاحات والأدوية
منظمة التحالف للابتكار في التأهب للأوبئة (CEPI) تموّل بأكثر من 63 مليون دولار لتطوير واختبار لقاحات ضد بوندبوجيو، وتدعم حالياً أربعة مرشّحين لقاحيين قد تُضاف إليها تراكيب أخرى. كما يخطّط الباحثون لاختبار عدّة أدوية للمرضى المصابين، من بينها الأجسام المضادّة أحادية النسيلة التي ترتبط بسطح الفيروس وتمنعه من دخول الخلايا؛ واحد منها، MBP-134، أظهر نتائج واعدة ضدّ بوندبوجيو في تجارب على القرود، وأظهرت التجارب السريرية أنه آمِن للإنسان. وقد تُسهِم الأدوية المضادّة للفيروسات أيضاً في خفض احتماليّة تطور المرض لدى المعرضين. ثمة تجربة مخطّطة لإعطاء عقار أوبيلديسيفير للأشخاص المخالطين قبل ظهور الأعراض؛ ميزة هذا الدواء أنه حبة رخيصة مالياً مقارنةً بحقن مكلفة مثل MBP-134. لكن هذه التجارب قد تستغرق أشهر لإظهار نتائج، وكثير من تفشّيات الإيبولا السابقة انتهت قبل أن تبدأ مثل هذه التجارب.
هل سينتشر الفيروس دولياً؟
الأشخاص خارج شرق الكونغو والدول الحدودية المباشرة — أوغندا، رواندا، بوروندي وجنوب السودان — معرضون لخطر ضئيل جداً. لو سافر شخص مصاب إلى بلد متقدّم، فالأرجح أن يُكتشف سريعاً ويتم احتواء الانتشار؛ لا دلائل واضحة على أن الفيروس جوّي الانتقال، إذ يُنقل عبر ملامسة سوائل جسم مصاب. لكنّ السُكّان داخل منطقة التفشّي معرضون لخطر مرتفع بسبب هشاشة النظام الصحّي والظروف المعيشيّة: تساوي ثلاث المقاطعات المتأثرة نحو 15 مليون نسمة، ويقول الأمم المتحدة إنّ ثلثهم على الأقل يكونون نازحين في أي وقت، ويعيشون في مخيّمات مكتظة ومفتقِدة لمرافق الصرف الصحي. كثيرون يمتهنون التجارة والتعدين الحرفي عبر الحدود.
الإغلاق الحدودي وعبور الناس
أغلقت أوغندا معابرها الرسمية مع الكونغو في الأيام الأولى من إعلان التفشّي، لكن ذلك لا يضمن الأمن: عادةً يعبر نحو 30 ألف شخص يومياً عبر الحدود، والآن يستخدم كثير منهم نقاط عبور غير رسمية بلا فحص صحي. انتشَر الفيروس أيضاً من مركز التفشّي في إيتوري جنوباً إلى محافظتي شمال وجنوب كيفو، اللتين تخضعان لسيطرة ميليشيات لا تتعاون مع الحكومة الكونغولية. هناك حدود مزدحمة أيضاً؛ نحو 50 ألف شخص يعبرون يومياً عادة من غوما (شمال كيفو) إلى رواندا، والحدود مغلقة الآن لمعظم الحركة. ثمة إمكانيّة أن يسافر شخص مصاب في مرحلة مبكرة لا تُكشف أثناء فحص المطارات.
إلى أين قد يصل الفيروس إذا صدر دولياً؟
نمذجة أنماط السفر العالمية تشير إلى أن خطر حدوث بؤرة جديدة أعلى إذا وصل شخص مصاب إلى بلد منخفض الدخل ذي نظام مراقبة صحي ضعيف.
شدة الفيروس ومعدلات الوفيات
لا يمكن الحسم بعد، لكن ثمة مؤشرات أن معدل الوفيات من سلالة بوندبوجيو قد يكون أقل مما شوهد مع سلالات سببت أغلب تفشّيات الإيبولا السابقة. في المراحل الأولى، قد تبدو أعراض المرض — حمى، ضعف، آلام الجهاز الهضمي، قيء — شبيهة بأمراض شائعة في إفريقيا مثل الملاريا والتيفوئيد والزحار. ومع تفاقم الحالة، يتعرّض بعض المرضى لضرر شديد في الأوعية الدموية والأعضاء وقد يموتون نتيجة فشل تعدّدي في الأعضاء. يبدو أن عدداً أكبر من مرضى بوندبوجيو يظهرون أعراضاً أخفّ مقارنةً بسلالات أخرى، بحسب أطباء في الكونغو تعاملوا مع الحالتين، وتتوافق ملاحظاتهم مع تقارير من تفشّيين سابقين لهذا الفيروس. هذه إشارة إيجابية جزئياً، لكنها تعني أيضاً أن الأشخاص قد يكونون ناقلين للأمراض لفترة أطول قبل أن يسعوا للعلاج، مما يسهّل الانتشار.
“أعتقد أن هذا يفسّر أيضاً سبب سرعة انتشاره. من الواضح أنّنا متأخرون في التصدي للتفشّي”، كما قالت الدكتورة بابو روكينغيزا، قائدة استجابة منقذة للأطفال في الكونغو.
ملاحظة: بيانات تتبّع المخالطين تخصّ جمهورية الكونغو الديمقراطية، والمصادر تشمل المعهد الوطني للصحة العامة في الكونغو؛ مراكز السيطرة على الأمراض في إفريقيا؛ وتحليلات متعددة للبيانات النمذجة.
—
الاحتفاظ بالتباعد، تسريع الاختبارات، تعزير ثقة المجتمعات، وتوسيع إمكانات العزل والرعاية الداعمة، إلى جانب تسريع التجارب السريرية، ستحدّد مدى سرعة احتواء هذا التفشّي ومنع تحوّله إلى كارثة أوسع.