أليكسيس ترايس ترسم عائلة مُنتقاة بعيونٍ جامحة وطابعٍ بري

لم تنشأ في بيت مفعم بالإبداع؛ لذا كان مسارها في عالم الفن رحلة اعتمدت فيها إلى حد كبير على نفسها. منذ الصغر شعرت بدافع عميق لتفريغ الصور الخيالية المتلوية في مخيلتها، وسرعان ما استولى شغفها على الرسم، خصوصًا زيوتها السلسة والمتدفقة. لاحقًا التحقت بكلية الفنون البصرية في نيويورك ونالت شهادة البكالوريوس في الفنون الجميلة. ساعدها ذلك التدريب على إرساء تقنيات رسم أساسية، ثم عادت إلى منوال التعلم والانضباط الذاتي. مع مرور السنين تبلورت علاقتها بالرسم، فتجمعت كما اللآلئ لتكوّن أسلوبًا خاصًا بها.

وبما أن ترايس تهدف إلى اقتناص غموض الطبيعة، فلا نعثر على تشابه بشري صريح في أعمالها—ذلك سيكون واضحًا جدًا. بل تود أن نختبر مفاهيمها عبر سرديات أدق وألغازية، ما يتيح بُعدًا إضافيًا للتفاعل بين اللوحة والمشاهد، ويدعونا للنزول تحت السطح العقلي لانتشال لغة تتجاوز الزمان والشكل. تقول: «حبي وهوسي بالحيوانات والتاريخ الطبيعي والعلوم يلعب دورًا في تصويري المتكرر لمخلوقات تستمر في الظهور في أعمالي. بعضها غامض مثل ثعبان البحر، وبعضها عابر مثل السمكة، والكلب الحاضر دومًا». وتضيف: «نشأت دائمًا مع كلاب، وستبقى جزءًا من حياتي. أراها وسيطًا فريدًا بين الحيوان والإنسان، تمنح صوتًا وتسد الفجوة بين النوعين. وجوهها تمنح تعابير يمكننا إدراكها بسهولة، فننجذب لتكوين روابط».

مشاهد ترايس الخام والمتدفقة تقابلها عناصر رمزّية صارخة—اختيارات متعمدة تُكوّن مزيجًا نفسيًا مُرضيًا. اعمالها الأخيرة، على سبيل المثال، تستكشف انتقال الطاقة على مستوى عاطفي وجزيئي. يتجلّى ذلك في خواص الماء المتموج والمتدفق والمتناثر، الذي يجسّد مشاعر متنوعة كالفرح والخوف والنشوة واللوعة. كل الدموع المكبوتة داخلنا تجد منفذًا أخيرًا عبر بوابات الفيضان. في لوحة بعنوان «على الحافة» تظهر كلْبة حريرية ناشئة من طَوافة ماء بحر؛ تنهمر الدموع من عينها اللامعة فتكوّن بركة تجمع فقاعات من المشاعر المحبوسة. حتى السحب أعلاها—كائنات رقيقة تشبه الطيور—تبدو في وئام مع هذه اللحظة المُشبعة، وكأنها تسبح في حالة من التعاطف. بطريقة ما، يحتضن الحدث شعورًا عابرًا وسرمديًا في آنٍ معًا، كأن هذه المخلوقة رمزٌ لكل الكائنات الحساسة في العالم، تمنحنا إذنًا بالبكاء. لا شك أن اللوحة كلّها أعظم من مجموع أجزائها.

يقرأ  عودة عائلة نازحة إلى منزلها بعد هدنة بين إسرائيل ولبنان

«الماء، التساقطات، والطقس يسيرون جنبًا إلى جنب مع العاطفة… ملح البحر وملح اجسامنا؛ الماء في غلافنا الجوي، في خلايانا، في عروقنا؛ الدورة الحاسمة والمتواصلة من التبخر والتكثف…» توضح ترايس. وبما أننا مكوَّنون من أكثر من خمسين بالمئة ماء، والأرحام التي نخرج منها تشبه أحواضًا مائية شخصية، فليس غريبًا أن نعتبر المحيط امتدادًا لنا. تقول: «البحر معطاء وخصب ومصدر للحياة؛ هو النشأة. الخصوبة، السوائل، الطابع الزائل. حسيّتنا، قوة الحياة—أمر نحتفظ به عن كثب…»

الشموع رمز متكرر آخر في أعمال ترايس، تشير إلى الحركة الرقيقة للزمن. «هي ومضات من المستقبل، أمل مشتعل، أحيانًا تظهر كما لو أنها نتاج خيال، وأيضًا مرور بصري للزمن يذوب»، تقول. وبما أن لوحاتها في جوهرها تتناول حالات عاطفية عابرة—ما لا يُمسك—فمن الطبيعي أن توظف عناصر قوية وهاربة كالما ن والنار لتجسيد هذه الظواهر. ولا تنتهي استعارات التحول عند هذا الحد: نرى الكثير من اللآلئ اللامعة، والنوافير المتدفقة، والأصداف المتلألئة المعلقة في الهواء—ويا لبهاء البريق واللمعان الذي تضفيه!

أضف تعليق