خيار براغماتي: انتكاسة إسرائيلية بينما يَحذُو الخليج حذو دعم صفقة الولايات المتحدة وإيران توتر متصاعد بين واشنطن وتل‑أبيب بشأن مواجهة إيران

الدوحة — رحبت دول الخليج باتفاق اختراق بين الولايات المتحدة و إيران لإنهاء حربٍ لم ترغب بها المنطقة منذ البداية.

تكوّن السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس عام 1981 في ظل مخاوف من طموحات توسعية نسبت إلى الحكومة الايرانية الجديدة. منذ ثورة 1979، سعت إسرائيل إلى عزل ايران وشبكاتها الإقليمية من الوكلاء، إلا أن بعض أعمال العدوان الإسرائيلي دفعت دولاً خليجية إلى تقارب نسبي مع طهران بدافع المصلحة الأمنية.

مع الضربات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في 28 فبراير، وردّت طهران بهجمات استهدفت دول الخليج، ما اضطر العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم علاقاتها مع جارها. اليوم تبدو مقاربة دول الخليج مع ايران متسمة بالواقعية أكثر من البحث عن مصالحة عاطفية؛ واقتراب منطق السياسة هذا قد يساعدها على إدارة الطريق المليء بالشكوك أمامها.

كما قالت فرح القواسمي، باحثة في مركز دراسات الخليج بجامعة قطر: النزاع المستمر دفع دول الخليج إلى تبنّي علاقة أكثر براغماتية مع طهران تتضمن تعزيز قنوات الحوار لتقليل مخاطر التصعيد.

رحبت الدول الست بمذكرة تفاهم وقّعتها واشنطن وطهران، غير أن هذا الترحيب ينبع أساساً من رغبة الخليج في إنهاء الحرب وحفظ أمنه، لا من ثقة مفاجئة بإيران. دول الخليج تفضّل الاتفاق لتجنيب المنطقة صراعات أوسع والحدّ من سلوكيات ايران المزعزعة للاستقرار عبر الطائرات المسيّرة والوكلاء، وهي قضايا باتت ذات أولوية عملية أكبر من الملف النووي بالنسبة لهم.

خبراء يرون أن الأولوية الحالية لدول الخليج هي احتواء تهديدات الطائرات والصواريخ وعمليات الوكلاء التي تقوّض سيادة الدول، وأن معالجة الملف النووي قد تبقى مسألة مستقبلية. لذلك تسعى العواصم إلى اتفاق أميركي-ايراني أكثر شمولاً من الاتفاق النووي لعام 2015، يغطي أبعاداً أمنية اقتصادية وسياسية أوسع.

يقرأ  مهاجم بسكين يقتل ثلاثة أشخاص بعد تفجير عبوة دخانية في مترو تايبيه

زيارة وزير الخارجية الأميركية ووصلات دبلوماسية رفيعة المستوى إلى المنطقة تهدف إلى طمأنة دول الخليج بأن الاتفاق لن يقوّي طهران على حساب أمنهم، وأن مصالحهم ستكون محمية. في هذا السياق تلعب قطر دور الوسيط الشريك الذي يمثل مصالح دول المجلس في المفاوضات، ونصّت بنود المذكرة على وضع دول الخليج في مركز أي ترتيب إقليمي مستقبلي.

من أهم القضايا الخلافية مستقبل مضيق هرمز، حيث طالبت طهران بإمكانية تحصيل رسوم على الملاحة، إضافةً إلى مقترحات بإنشاء صندوق استثماري إقليمي لمساعدة ايران على إعادة الإعمار. يقول محللون إن أي إدارة جديدة لمضيق هرمز لا يمكن أن تتم بمعزل عن دول المجلس، وأن أي هيئة إقليمية يجب أن تضمّ ممثلين خليجيين.

تردّدت أنباء عن رقم ترفيهي يبلغ 300 مليار دولار لإعادة إعمار ايران، ووصفه مسؤول قطري بأنه طموح، بينما لم تعلن أي دولة خليجية حتى الآن موافقتها على أي مساهمة مالية. كما تفاوتت مواقف دول المجلس تاريخياً: عمان وقطر والكويت كانت أكثر دعماً للاتفاق النووي، بينما اتخذت دول أخرى مواقف متشـدّدة أكثر تجاه طهران.

المحلّلون يؤكدون أن مجلس التعاون ليس كتلة موحّدة؛ فالتباينات بين الدول وأساليب تعاطيها مع ايران لا تزال قائمة، لكن ما جمعها حالياً هو مصلحة مشتركة في تهدئة التوترات والحفاظ على السيادة والأمن الاقليمي. كما أن التحرك نحو الدبلوماسية بدلاً من التصعيد العسكري يعكس قراءتهم الواقعية لمصالحهم، مع تركيز على حماية الممرات البحرية والحدّ من قدرة الجماعات والعمليات الخارجة عن سيطرة الدولة على زعزعة الاستقرار، وهي ملفات تستدعي حواراً إقليمياً متواصلاً واستراتيجيات امنية مشتركة بالدرجة الاولى. قالت هاغيريان إن السعودية والإمارات والبحرين بدت أكثر تشككًا، لكن حتى هذه الدول أعربت علنًا عن تأييدها للاتفاق.

يقرأ  قوات إسرائيلية تقتل شخصين في جنوب لبنان بعد هدوء نسبي في القتال، بحسب السلطات

عندما انسحب ترامب بالولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، اعتقدت السعودية والإمارات والبحرين أنها «وجدت شريكًا في واشنطن». وقد أفضى ذلك إلى ما وُصف بـ«عصر الضغط الأقصى» الذي أدخل المنطقة في مناخ من المغامرات السياسية والمواجهات الحافةية، بحسب هاغيريان.

كانت الهجمات المشتبه بصلتها بايران على منشآت أرامكو في بقيق والخريص وسفن قبالة سواحل الفجيرة عام 2019 «رد الفعل الأولي من الإيرانيين على حملة الضغط الأقصى»، كما أضاف، غير أن هذا الرد مثّل مفارقة، إذ دفع أيضًا إلى إعادة تشكيل في طبيعة العلاقات الإقليمية.

اعادت الإمارات وإيران استئناف العلاقات عام 2022، وتوَّجت المصالحة باتفاق سعودي-إيراني بوساطة صينية في 2023. وقال هاغيريان: «كان ذلك سببًا كافيًا للسعودية، وللإمارات خصوصًا، لإعادة هيكلة نهجهما تجاه ايران».

الحرب والتقارب العملي المتسارع

بينما حاولت إسرائيل عبر الحرب توسيع حضورها في منطقة الخليج — وقد أُفيد أنها أرسلت بطارية من منظومة القبة الحديدية والإمكانات البشرية إلى الإمارات — فإن دولًا خليجية أخرى ترى في كلٍّ من إيران وإسرائيل قوى مزلزلة للاستقرار الإقليمي.

يقول بينفولد: «بدأت إسرائيل الحرب باعتبارها فعلًا مزعزعًا للاستقرار، ثم صعّدت إيران باستهداف دول الخليج، وكان ذلك بدوره فعلًا مزعزعًا للاستقرار».

ورغم ذلك، أبدت دول الخليج التي استُهدفت من قبل إيران مستوىً من الصبر والبراغماتية في إدارتها للعلاقات مع جارها. فقد لعبت قطر، على سبيل المثال، دورًا قياديًا في الوساطة بين الولايات المتحدة وايران، حتى بعدما تعرّضت لهجمات بطائرات مُسيّرة وصواريخ.

تلاحظ هاغيريان: «تعرضت جميع الدول الست لهجمات، وهذا مستوى من صنع القرار في السياسة الخارجية يصعب على أي دولة تبنّيه، بالنظر إلى أنه اعتُبر هجومًا عسكريًا». وتضيف: «ومع ذلك، برزت هذه البراغماتية في هذا السياق كدافع للتواصل مع ايران وللدفاع عن مصالحهم مباشرة في المفاوضات. لقد أطلقت هذه الحرب عمليًا إعادة توازن شاملة للمنطقة».

يقرأ  لماذا يصدر قادة إيران رسائل متضاربة بشأن هجمات الخليج؟أخبار الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران

أضف تعليق