لقرون طويلة، ظلّت واحدة من أعظم الوثائق البصرية في التاريخ البريطاني محفوظةً في الجانب الآخر من القنال الإنجليزي، في نورماندي. إنها “نسيجية بايو” — عمل فني منسوج على الطراز الرومانسكي، يبلغ طولها 230 قدمًا، وتضم 58 مشهدًا و626 شخصية و202 حصان. رغم أن العلماء وحتى تلاميذ المدارس في بريطانيا يدرسونها، إلا أنها لم تكن في إنجلترا منذ أن صُنعت.
تغيّر هذا الأمر في العاشر من يوليو، عندما انتقلت النسيجية إلى المتحف البريطاني ضمن إعارة تاريخية. سيُفتتح المعرض في العاشر من سبتمبر، لكن تذاكر رؤية النسيجية قد نَفدت حتى ديسمبر. ستُطرح تذاكر إضافية للبيع في أكتوبر ويناير.
ما هي نسيجية بايو في الحقيقة؟
هي لوحة من الكتان على شكل لفافة — رغم اسمها، فهي ليست نسيجًا حقيقيًا — تروي قصة الغزو النورماندي لإنجلترا عام 1066. الحدث المحوري هو معركة هاستينغز، لكن النسيجية تحمل أيضًا قصة أخلاقية عن عقاب الغدر. حُبكت القصة في 75 مشهدًا مع نقوش لاتينية تصف الأحداث التي سبقت المعركة وما بعدها.
ما حجم نسيجية بايو؟
تزن حوالي 770 رطلاً، وهي مطرّزة بخيوط صوف ملونة بعشرة ألوان مركزة. تستخدم أربعة أنواع من الغرز: غرزة الجذع، والغرزة المتسلسلة، والغرزة المنشعبة، و”غرزة بايو” (لتعبئة المساحات الملونة). تنقسم النسيجية أفقيًا إلى ثلاثة أشرطة: شريط مركزي يحمل القصة الرئيسية، وشريطين أضيق في الأعلى والأسفل مليئين بالحيوانات وحكايات إيسوب ومشاهد الصيد، وقرب النهاية بالجنود الجرحى.
من صنع نسيجية بايو؟
المؤرخون أكثر ثقة بمن أمر بصنعها منه بمن نفذها. يتفق معظمهم على أن الأسقف أودو، أسقف بايو، هو من أمر بها لتزيين صحن كاتدرائية نوتردام دي بايو الجديدة، التي كُرّست عام 1077. تقول الأسطورة إن الملكة ماتيلدا (زوجة وليام الفاتح) وصاحباتها صنعنها، لكن المؤرخين يعتقدون الآن أن هذا غير صحيح.
الأرجح أنها صُنعت في كانتربري على يد مطرّزات أنجلوسكسونيات، لأن التطريز يشبه الرسومات الأنجلوسكسونية، والأسماء في النسيجية مُعرّبة، وكانت النساء الأنجلوسكسونيات يُعتبرن أفضل المطرّزين في ذلك الوقت.
ما القصة التي ترويها نسيجية بايو؟
تبدأ القصة عام 1064 عندما يطلب الملك إدوارد المعترف من صهره هارولد غودوينسون أن يذهب إلى نورماندي ليعرض خلافة العرش على ابن عمه وليام، دوق نورماندي. لكن عندما يموت إدوارد، يُتوّج هارولد نفسه ملكًا. فيقرر وليام عبور القنال عام 1066 لاستعادة حقه.
أبحرت مئات السفن من نورماندي إلى إنجلترا في ليلة من سبتمبر 1066، محملة بـ 7,000 رجل ونحو 2,000 حصان. تُظهر النسيجية هذا التفصيل بدقة، بما فيها السفن الطويلة والدروع وشعارات النبالة والمخلوقات الخيالية. هبط أسطول وليام في ساسكس ونصب جيشه في هاستينغز، وبدأت المعركة في 14 أكتوبر 1066. قُتل أو جُرح كثير من الجنود، وتملأ صورهم الشريط السفلي قرب نهاية اللفافة. بعد أن أصيب هارولد بسهم في عينه ومات في ساحة المعركة، فرّت القوات الأنجلوسكسونية.
وهكذا أصبح وليام — الذي لُقّب بـ”الفاتح” — أول ملك نورماندي لإنجلترا، وأحد أقوى ملوك أوروبا الغربية في العصور الوسطى. حكم النورمان إنجلترا لنحو قرن، حتى عام 1154. الجزء المفقود من النسيجية (منذ قرون) يُعتقد أنه كان يُظهر تتويجه في دير وستمنستر في 25 ديسمبر 1066.
مع أن النسيجية مليئة بالرجال، تظهر فيها ثلاث نساء: الملكة إديث (أرملة إدوارد ويخت هارولد)، وامرأة مجهولة تقف مع طفل أمام منزل محترق تمثل ضحايا الحرب، وامرأة غامضة اسمها ألفغيفا يلمس وجهها رجل دين (المؤرخون لا يعرفون من كانت بالتأكيد).
لماذا نسيجية بايو مهمة جدًا؟
صُنعت النسيجية بعد جيل واحد من الأحداث التي تصورها، وهي تقدم تفاصيل تاريخية غنية عن العمارة المدنية والعسكرية والحياة اليومية في القرن الحادي عشر. كما أنها نادرة بأبعادها الهائلة وقدرتها على نقل التفاصيل والحركة بوسائل محدودة. لهذه الأسباب وغيرها، أُدرجت ضمن سجل “ذاكرة العالم” التابع لليونسكو.
أثرت طريقة سرد النسيجية في فن التاريخ لقرون بعدها، ولا يزال تأثيرها مستمرًا بين الفنانين المعاصرين. تأثر روي ليختنشتاين الشاب بها في بداية مسيرته، ورسم شخصيات على الخيول حاملة السيوف. ديفيد هوكني أيضًا نظر إليها، وفي عام 2022 استضاف متحف بايو معرضًا لأكبر أعماله. وفي أكتوبر 2024، كُلّفت الفنانة الفرنسية هيلين ديلبرات بإعادة إنشاء الجزء المفقود.
معروفة النسيجية أبعد من شواطئ القنال، رغم أنها غادرت بايو مرتين فقط: الأولى عام 1803 عندما أرسلها نابليون إلى متحف اللوفر لبضعة أشهر (ربما كأداة دعائية لأنه كان يخطط لغزو إنجلترا). والثانية أثناء الاحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية، حيث أخذها الغيستابو إلى اللوفر عام 1944 بنقلها إلى ألمانيا، لكن باريس تحررت قبل ذلك. غلاف مجلة النيويوركر في 15 يوليو 1944 صوّر إنزال النورماندي بأسلوب النسيجية.
رحلتها الأخيرة إلى لندن هي المرة الثالثة التي تغادر فيها بايو، وقد تكون الأخيرة لهذه القطعة الفنية الحساسة.
متى ستكون نسيجية بايو في المتحف البريطاني؟
من المقرر عرضها في المتحف البريطاني من سبتمبر 2026 حتى يوليو 2027، ضمن إعارة تاريخية من فرنسا. تذاكر ديسمبر نَفدت بالفعل، وستُطرح تذاكر إضافية في أكتوبر ويناير. يرى المتحف أن هذا المعرض سيكون من الأكثر زيارة في تاريخه الذي يمتد لقرنين ونصف.