في مارس من هذه السنة، سافرت إلى لوس أنجلوس لزيارة معرض «النصب التذكارية»، وهو معرض رائد، وبالمعنى الحرفي أيضًا يحفر في الأرض. أشرف عليه حمزة ووكر وبينيت سيمبسون وكارا ووكر، وقدّمه متحف الفن المعاصر ومؤسسة «بريك» معًا. ولأن ذلك المعرض فتح حوارات كثيرة حول وجود النصب التذكارية وإزالتها، أثّر تأثيرًا خصبًا في طريقة تفكيري في دورها في حياتنا العامة. وعندما عدت إلى نيويورك، بدأت أتساءل: ما الشكل الذي يمكن أن تأخذه منحوتات عامة بديلة؟ فبدلًا من تماثيل الخيول والرجال المصنوعة من الفولاذ أو الحجر أو الغرانيت، والتي تروّج للحرب والاستعمار، على مروج المباني الحكومية، ما الذي ينبغي أن يرافقنا في ممارستنا اليومية للتاريخ؟ ربما يكون الأمر بسيطًا مثل أن ننتبه إلى المروج نفسها، أو بتعبير أدق، إلى التربة التي جعلت وجود تلك المروج ممكنًا.
لا شيء في الحياة أكثر دوامًا وإنتاجًا من التربة. لا شيء يحفظ بقايا تاريخنا، وقطعنا الأثرية، وعظام أسلافنا، ومستقبلنا، بصدق مثل التربة. ورغم أن كلمة «متسخ» التي تعني تالفًا وملطخًا وغير نظيف قد تبدو قريبة من روح هذه الأزمنة، إلا أن كل شيء يأتي من التربة. مهما حدث، تبقى التربة حية؛ فهي تبتلع الحطام. هذا ما يطرحه الفنان أسد رضا في عمل «امتصاص» (2019).
عُرض «امتصاص» في أماكن مختلفة حول العالم كتركيب يستجيب لموقعه، وهو جزء من سلسلة أعمال يسميها رضا «عمليات الأيض». كل تركيب في هذه السلسلة، التي بدأت عام 2015، يدعم شكلاً من أشكال النمو، إذا جاز التعبير. فالتربة الجديدة في «امتصاص»، وهي تختلف عن الأوساخ العادية، تحتوي على حياة ميكروبية تحتاج إلى البقاء عبر اختبار درجة الحموضة، والحفاظ على الرطوبة، وإضافة مواد جديدة. وهذا يعني أنه عندما تتكوّن هذه التربة من الرمال والطين والبكتيريا والفطريات والنباتات والحشرات ومفصليات الأرجل والمواد العضوية المتحللة وأي شيء آخر تمتصه، يتولى حرّاس من البشر تمشيطها وريّها اعترافًا بحاجاتها. إنها تحتاج إلينا، وتفترض وجودنا. يذكّرني هذا العمل بديفيد هامونز، حين كان يضع أثناء العواصف الثلجية وشاحًا أحمر حول رأس تمثال لامرأة سوداء منحوت عند قاعدة نصب تذكاري في بروكلين. فالنصب التذكاري يجب أن يستدعي ردّة فعل من يتفاعلون معه.
ابتكر رضا وصفة هذه التربة أول مرة مع ابنته. ومثل الأطفال، نحن أقرب إلى التربة في هذه الأزمنة، إذ نُترك مع صور لمناظر طبيعية تتحول إلى أنقاض. والزوال في حوار مباشر وخطير مع البقاء الجوهري. أحب أن أعتقد أن عمل رضا يبجّل التغيير والنمو، لأنه بعد كل شيء، وبعد انهيار كل ما وضعنا فيه إيماننا وثقتنا، هذا ما يتبقى.