لطالما اعتُبر الصبر الاستراتيجي السعودي تبعيةً استراتيجية. ظلّت الرياض تمتص الاستفزازات، وتتجنب الحروب غير الضرورية، وتحافظ على علاقتها بالولايات المتحدة، وتركّز على التحول الداخلي والتنمية. غير أن هذا الصبر لم يكن في يوم من الأيام قبولاً باستمرار نظام أمني إقليمي صممته أمريكا إلى أجل غير مسمى.
اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة أمس في مكة المكرمة بين السعودية وباكستان وتركيا تؤكد أن هذا النظام لن يستمر. إنها تجمع الدول الثلاث الأكثر قوة ونفوذاً في العالم الإسلامي السني، وتنص على أن الهجوم المسلح على أي منها يعتبر هجوماً على الدول الثلاث جميعاً. وهي البداية المؤسسية لهندسة أمنية إقليمية جديدة.
الحرب الأمريكية-الإيرانية عجّلت تحولاً كان قائماً أصلاً. كشفت الضربات الإيرانية الانتقامية هشاشة القواعد الأمريكية في الخليج، وأجبرت واشنطن على إعادة تمركز قوات قتالية كبيرة. ومن المرجح أن تُغلق عدة قواعد أمريكية في النهاية، بعد أن فقدت فائدتها الاستراتيجية. وسيصبح من الصعب على واشنطن تبرير الموارد اللازمة للحفاظ على انتشار عسكري متمدد من حقبة سابقة.
أمريكا لن تختفي من الشرق الأوسط. علاقاتها الاستخباراتية، وقوتها العسكرية، وتقنياتها، ونفوذها الاقتصادي ستبقى هائلة. لكن الحرب كشفت حدود الهيمنة الأمريكية. وأصبحت دول المنطقة ملزمة بتنظيم أمنها بنفسها.
المنطق العسكري للاتفاق الجديد مقنع. باكستان تمتلك أقوى جيش في العالم الإسلامي، وهي وحدها التي تمتلك فيه سلاحاً نووياً. وتمتلك تركيا ثاني أقوى جيش، وخبرة في الناتو، وقوة بحرية كبيرة، وصناعة دفاعية متطورة. ولديهما قوات جوية كبيرة، رغم أن جزءاً كبيراً من طائراتهما القتالية في طريقه إلى التقادم.
السعودية تقدم القدرة المكمّلة. فالقوات الجوية الملكية السعودية أصبحت أقوى سلاح جو في العالم الإسلامي، وتقوم على واحدة من أكبر تجمعات طائرات الجيل الرابع والنصف المتطورة في العالم، مع قدرات متقدمة في الاستخبارات، والقيادة والسيطرة، والدفاع الجوي، والضربات الدقيقة.
مشاركة باكستان في توفير الأمن الإقليمي أصبحت ملموسة بالفعل. القوات الباكستانية منتشرة إلى جانب القوات السعودية، وقد شاركت في الدفاع عن المملكة. والقدرات الباكستانية مدمجة في هياكل تقودها السعودية، في حين حذّرت إسلام آباد طهران من هجمات منسقة ضد البنية التحتية الاستراتيجية الرئيسية في السعودية. وتركيا تنضم الآن إلى علاقة استراتيجية سعودية-باكستانية راسخة.
الخطوة المنطقية التالية هي بقية دول الخليج. نبيل الحمر، المستشار الإعلامي لعاهل البحرين، دعا إلى تجاوز مجلس التعاون الخليجي نحو اتحاد خليجي، يصبح فيه دفاع البحرين مستقبلاً أكثر اندماجاً مع دفاع السعودية. وظهرت دعوات مماثلة في الكويت وقطر من أجل أمن جماعي أقوى.
ينبغي لبقية دول الخليج أن تنضم أيضاً إلى هذا المسار للحفاظ على أمنها. من دون المظلة العسكرية الأمريكية التي كانت جزءاً من النظام الإقليمي السابق، لا يمكن لأي دولة بمفردها أن تولّد الكتلة العسكرية اللازمة لتأمين نفسها ضد قوة إقليمية كبرى. الاستجابة المنطقية هي اندماج خليجي أعمق حول السعودية. لا يجوز إجبار أي دولة على الانضمام، لكن على من يبقى في الخارج ألا يعيش على أوهام بشأن وزنه العسكري النسبي. فالبقاء خارج المنظومة الدفاعية الإقليمية الأساسية ينطوي على خطر العزلة الاستراتيجية.
يمكن إنشاء دائرة عربية وإسلامية أوسع عبر الاختيار. دول كبيرة مثل مصر والجزائر وماليزيا وإندونيسيا يمكنها المشاركة حين تتقارب مصالحها، من دون تحمل التزامات دفاعية متساوية.
العنصر البحري يوضح كيف يمكن لهذه المنظومة أن تعمل. التحالف البحري الذي تقوده السعودية يضم بالفعل باكستان وتركيا، إضافة إلى 11 دولة أخرى. وسيتولى حماية البحر الأحمر، وباب المندب، ومضيق هرمز، وبحر العرب، وساحل الخليج، من أجل تأمين الممرات التجارية وممرات الطاقة التي تمر عبرها.
جغرافية السعودية تجعل الرياض المرساة الطبيعية لهذه المنظومة. فالمملكة هي الدولة الإقليمية الكبرى الوحيدة التي تشمل مصالحها الحيوية مباشرة منطقة مضيق هرمز وباب المندب معاً. وهي تربط مسرحَي أمن الخليج والبحر الأحمر من الناحية المادية والاقتصادية والعسكرية.
المصالح الاقتصادية تعزز هذه المكانة الجغرافية. السعودية هي أكبر اقتصاد عربي وشرق أوسطي بفارق كبير، وأكبر مصدّر للنفط الخام في العالم، وقائدة أوبك، وصاحبة أكبر طاقة إنتاجية فائضة في العالم. وبنيتها النفطية ليست مجرد أصل وطني؛ فاستمرار عملها أمر جوهري للاقتصاد العالمي.
لهذا السبب، كانت السعودية دائماً الجائزة الإقليمية الأساسية. لا يمكن لإيران أن تثبّت نظاماً مبنيّاً على قوتها وعلى فاعلين مسلحين من غير الدول، بينما تبقى السعودية الأقوى اقتصادياً والأكثر قدرة عسكرية في قلب العالمين العربي والإسلامي. لذلك كان تقليص القوة السعودية في صميم الاستراتيجية الإقليمية لطهران.
لهذا واجهت الرياض ضربات إيرانية من ثلاث جبهات: من إيران مباشرة شرقاً، ومن الميليشيات العراقية الشيعية الموالية لإيران شمال شرق، ومن الحوثيين في اليمن جنوب غرب. الهجمات الإيرانية المباشرة أثارت رداً سعودياً ثم خفتت. لكن جبهتي العراق واليمن ما زالتا نشطتين. وكانت نتيجة هذا العدوان عكس ما أرادته طهران. فالضغط على المملكة سرّع الشراكات العسكرية حولها، وما أرادت إيران كبحه من القوة السعودية يساعد الآن في إنشاء منظومة قادرة على إبطال مفعول تلك السياسة.
لا شيء في هذا يجعل الاتفاق الناشئ معادياً للشيعة، ويجب ألا يصبح كذلك أبداً. إيران قوة إقليمية، ولا بد في نهاية المطاف من أخذ مصالحها الأمنية المشروعة في الاعتبار. ما لا يمكن أن يستمر هو اعتماد طهران على منظمات مسلحة غير حكومية لممارسة ضغط عسكري على دول مجاورة ذات سيادة.
لقد فشلت إيران مراراً في فهم حدود هذا النموذج، وفهم حدود قوتها أيضاً. الميليشيات الموالية لإيران في العراق وضعت نفسها بالفعل في مواجهة مع السعودية وشركائها، ودفعت ثمناً باهظاً. وفي اليمن، تعمل قيادة القوات المشتركة بقيادة السعودية على حشد القوات اليمنية وقوات التحالف في حملة تهدف إلى خفض القدرات العسكرية للحوثيين وتحييدها في نهاية المطاف، وإزالة قدرتهم على تهديد الأراضي السعودية والأمن البحري والدول المجاورة.
الهياكل الائتلافية التي تقودها السعودية في هذه المسارح تضم الآن أكثر من 650 ألف فرد. هذه القوات ليست جيشاً واحداً، لكنها تمثل قوة عسكرية محلية كبيرة منظمة حول هدف أمني إقليمي مشترك. كل ذلك، إضافة إلى التحالف البحري والاتفاق الجديد، يجب أن يرسل إلى إيران إشارة واضحة إلى أنها بحاجة إلى إعادة النظر في نهجها العدواني في التعامل مع المنطقة.
وينبغي أن ينطبق الأمر نفسه على إسرائيل. لن يُتعامل مع المغامرات الإسرائيلية بطريقة مختلفة. الضربة على قطر في 9 سبتمبر/أيلول أظهرت ما يحدث عندما يُخلط بين التفوق العسكري والترخيص الاستراتيجي غير المحدود. مهاجمة دولة خليجية أمر غير مقبول بغض النظر عن الجهة التي تنفذها.
لإسرائيل متطلبات أمنية مشروعة، لكنها لا تملك حق النقض العسكري غير المقيد على المنطقة. المنظومة الناشئة ستضع حدوداً استراتيجية لطهران ووكلائها، وكذلك لإسرائيل. والتوازن الإقليمي الجديد سيفرض ضبط النفس على الجميع.
قد يعتبر المشككون اتفاق مكة مجرد رمزية. لكن القوات الباكستانية تشارك بالفعل، والتحالف البحري بقيادة السعودية أُنشئ، والهياكل العسكرية بقيادة السعودية في اليمن تعمل، والخليج يناقش اندماجاً أعمق. الاتفاق يمنح شكلاً سياسياً لمنظومة كانت قيد البناء.
هذه بداية الشرق الأوسط ما بعد أمريكا؛ ليس بمعنى منطقة بلا الولايات المتحدة، بل بمعنى منطقة لم تعد تعتمد على القوة الأمريكية لتنظيم أمنها. تبقى المشاركة خياراً سيادياً، لكن الجغرافيا والقوة ليستا خياراً. ومركز الثقل في النظام الناشئ الآن هو السعودية.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن موقف شبكة الجزيرة.