واشنطن – لم تقدم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أي رد رسمي في الساعات التي تلت توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك بارز في مكة المكرمة. ويبدو أن هذا الصمت الرسمي، الذي استمر حتى السبت، يعكس الآثار المتعددة والمتداخلة للاتفاق على الاستراتيجية الأمريكية، وفق ما يراه محللون.
يُعتبر هذا الاتفاق، بحسب كثيرين، تمهيداً لما قد يكون أحد أهم التحولات في موازين القوى بالمنطقة منذ عقود. وجاء في سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في الإقليم. ويُقال إن أحد بنوده ينص على أن أي هجوم على دولة من الدول الموقعة يُعتبر هجوماً على الجميع، على غرار المادة الخامسة من حلف الناتو.
يرى بعض المحللين أن الاتفاق يعكس تزايد القلق من حكومة أمريكية لا يمكن التنبؤ بمواقفها، وقد يمهد لتحول أمني أوسع يغيّر الشرق الأوسط. في المقابل، يرى آخرون أنه رغم أن السياسات الأمريكية هي التي هيأت الظروف لتسريع هذا الاتفاق، فإنه ينسجم مع الأهداف الأمريكية التي تدعو إلى تقاسم الأعباء بين الحلفاء.
على المدى القريب، يتفق كثير من الخبراء على أن الاتفاق سيُحدث أثره الأكبر في المجال الدبلوماسي، حيث قد يشكل عقبة شبه مستعصية أمام التطبيع العربي الإسرائيلي في إطار “اتفاقيات إبراهيم”. وكان الدفع نحو تعاون إقليمي أوسع مع إسرائيل يشكل حجر الزاوية في رؤية إدارة ترامب للشرق الأوسط منذ ولايته الأولى. لكن سينا توسي، الزميل البارز في مركز السياسات الدولية، قال إن هذا الاتفاق الدفاعي يمثل على الأرجح انتكاسة.
وأضاف توسي للجزيرة: “من المفارقات أن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلا الحرب مع إيران أملاً في إعادة تشكيل توازن القوى الإقليمي لصالح إسرائيل وتسريع التكامل الإقليمي عبر مبادرات مثل اتفاقيات إبراهيم. وبدلاً من ذلك، جاء أحد أهم تطورات ما بعد الحرب ليتمثل في مبادرة دفاعية بين ثلاث قوى إسلامية كبرى تسعى إلى استراتيجية أكثر استقلالية”.
لم تُنشر التفاصيل الكاملة للاتفاق بعد، واكتفت الأوساط الرسمية ببيان مشترك صدر الجمعة. وينص البيان على أن “أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على الجميع”، لكن هذا الالتزام لم يُختبر بعد. ويأتي هذا الاتفاق بعد اتفاق دفاعي مشترك مماثل وُقع بين السعودية وباكستان في سبتمبر 2025، بعد أيام فقط من شن إسرائيل غارة جوية على العاصمة القطرية الدوحة، مما زاد المخاوف من قدرة واشنطن على ضبط أحد أقرب حلفائها. وقد نفذت إسرائيل عدة حروب منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، منها ضد إيران ولبنان، إضافة إلى حملة إبادة جماعية في غزة.
حرص مسؤولون في الرياض وأنقرة وإسلام أباد على التأكيد أن اتفاق الجمعة يهدف إلى استكمال التحالفات القائمة لا استبدالها. وحذّر خبراء من أن تعزيز العلاقات الدفاعية بين الدول الثلاث قد يخفي خلافات في مصالح كل دولة. فقد قالت السعودية إن الاتفاق “لا يمثل أي توجه لبناء محور عسكري أو تكتل طائفي أو ديني”، وإنه “لا يأتي على حساب علاقات المملكة الاستراتيجية القوية على المستويات الخليجية والعربية والدولية”. وكانت السعودية هدفاً لعدد كبير من الهجمات الانتقامية الإيرانية منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير، وشهدت مؤخراً ضربات متزايدة من الحوثيين في اليمن وجماعات مسلحة موالية لإيران في العراق.
من جهتها، قالت دائرة الاتصال في الرئاسة التركية إن الشراكة المعززة “ليست بديلاً” عن عضوية تركيا في حلف الناتو الذي يضم 32 دولة. ويؤكد خبراء أن الاتفاق لا يبدو أنه يؤثر على التزامات الناتو، رغم أنه قد يؤدي في النهاية إلى تحويل الموارد في حال تصعيدات متعددة. وتمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في الناتو، إضافة إلى وصولها إلى تقنيات عسكرية متقدمة. ومن المعروف أن السعودية تملك ثقلاً مالياً كبيراً، وباكستان هي الدولة الوحيدة المسلحة نووياً بين الدول الثلاث.
على الرغم من التأكيدات بأن هذا الاتفاق ليس إعادة توجيه إقليمية، يربط بعض المراقبين هذا التحالف الجديد بالنهج الحاد الذي تتبعه إدارة ترامب تجاه الناتو، وتحولها الأوسع بعيداً عن التعددية. ويرون أنه يمثل تراجعاً واضحاً، وإن كان في بدايته، للنفوذ الاستراتيجي الأمريكي. وقال هارلان أولمان، رئيس شركة كيلوين للاستشارات وضابط بحري سابق، في مقابلة تلفزيونية مع الجزيرة: “لقد اهتزت أسس تحالفاتنا في الشرق الأوسط والخليج، وبالتأكيد مع الناتو وحلفائنا في آسيا. ويبقى أن نرى مدى سوء الوضع. قد يكون الاهتزاز بسيطاً، لكنه شيء يجب أن نقلق بشأنه”.
قام النهج الأمريكي تجاه الخليج إلى حد كبير على بناء علاقات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية في المنطقة، وفي المقابل كانت دول الخليج تتوقع ضمانات أمنية فعلية. وتعززت هذه الاستراتيجية في أوائل الثمانينات مع تأسيس مجلس التعاون الخليجي، ونمت أثناء غزو العراق وأفغانستان ضمن ما سُمي “الحرب العالمية على الإرهاب”. وتمتلك الولايات المتحدة نحو 50 ألف جندي موزعين على 19 موقعاً في الشرق الأوسط، مع قواعد أمريكية في تركيا والكويت والبحرين وقطر والإمارات، ووجود في قواعد بالسعودية وعمان والأردن والعراق وإسرائيل. وقد صنفت واشنطن قطر والبحرين والأردن والسعودية والكويت ومصر ضمن “حلفاء رئيسيين من خارج الناتو”، ما يؤكد أهمية علاقاتها العسكرية والاقتصادية. تُعدّ باكستان أيضًا حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو، لكنّ منتقدين يرون أنّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد قوّضت أسس هذه التحالفات.
وقد وصف نواف عبيد، الباحث الكبير في قسم الدراسات الحربية في كلية الملك بلندن، صفقة باكستان والسعودية وتركيا بأنها أوضح إشارة حتى الآن على الابتعاد عن “النظام الأمني الإقليمي الذي صمّمته أمريكا”. وقال عبيد في عمود له على الجزيرة: “الحرب الأمريكية الإيرانية سرّعت تحوّلًا كان جاريًا بالفعل”. وأشار إلى أن استضافة قواعد أمريكية جعلت عدة دول خليجية أهدافًا للهجمات خلال الحرب المستمرة مع إيران. وأضاف: “الضربات الإيرانية الانتقامية كشفت هشاشة القواعد الأمريكية في الخليج، وأجبرت على إعادة تمركز قوات قتالية كبيرة”.
كما أن تراخي العلاقات يظهر من الجانب الأمريكي أيضًا. فقد حاولت إدارات متعاقبة، بما فيها إدارتا الرئيسين السابقين باراك أوباما وجو بايدن، التحوّل بعيدًا عن الشرق الأوسط، والتركيز بدلًا من ذلك على الصين ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. ولم تذكر استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، في بداية فترة ترامب الثانية، المنطقة سوى بإيجاز. ويتوقّع عبيد أن يستمر النفوذ الأمريكي في المنطقة عبر العلاقات الاستخباراتية والقوة العسكرية والتكنولوجيا والتأثير الاقتصادي، لكنّه يرى أن الوجود الأمريكي سيتراجع، ويكتب: “بعض القواعد الأمريكية ستُغلق في النهاية لأنها فقدت جدواها الاستراتيجية”.
من جهتها، أشارت أصلي أيدينتاش، الزميلة في معهد بروكينغز، إلى وجود رغبة داخل إدارة ترامب في الابتعاد عن الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بما يسمى “بناء الديمقراطية”. لكنّها أوضحت أن هذه الرغبة لم تمتدّ عمومًا إلى سحب القوات العسكرية من الخليج. ومع توقّف جهود إنهاء الحرب مع إيران التي استمرت خمسة أشهر، يبدو أي تغيير قصير المدى في الوضع العسكري الأمريكي غير مرجّح. وقالت أيدينتاش: “الآن هناك حرب مفتوحة في الشرق الأوسط. من الواضح أن هذا ليس وقت سحب القوات الأمريكية أو تخفيف الالتزامات. لكننا رأينا أيضًا حدود الردع الأمريكي في المنطقة، من خلال الهجمات الإيرانية على حلفاء أمريكا، وقدرة إيران المستمرة على إلحاق الضرر بحلفاء الولايات المتحدة والتجارة العالمية، رغم نموذجها العسكري الأضعف”.
وتعتقد أيدينتاش، ضمن خبراء آخرين، أن واشنطن ترى على الأرجح أنّ الاتفاق الأمني الجديد يتماشى مع دعواتها إلى تقاسم الأعباء بشكل أكبر بين الحلفاء. فقد واجهت إدارة ترامب تقارير عن نقص ذخيرة خلال الحرب مع إيران، ودعت حلفاءها، خصوصًا في الناتو، إلى رفع إنفاقهم العسكري. وأضافت: “أعتقد أن الولايات المتحدة لا تمانع اتفاقًا بين ثلاثة حلفاء مقرّبين لحماية أنفسهم. إنه متسق مع أفكار إدارة ترامب حول تقاسم الأعباء والحلول الإقليمية”. لكنها شكّكت أيضًا في ما إذا كانت تركيا أو باكستان ستردّان فعلًا على الحوثيين أو إيران في حال تعرّض السعودية لهجمات، بموجب بنود الاتفاق. وأضافت: “إنه اتفاق له حدود واضحة، والمسؤولون الأمريكيون يعرفون ذلك جيدًا”.
كما قالت بورجو أوزجيليك، كبيرة الباحثين في شؤون أمن الشرق الأوسط في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، إنها “ترفض قراءة هذا الأمر كدليل على شرق أوسط ما بعد أمريكا”. وكتبت في منشور على منصة إكس: “إن صحّ شيء، فهو يتوافق مع التفضيل الأمريكي الأوسع لمزيد من تقاسم الأعباء إقليميًا، وتحلّل القوى الإقليمية مسؤولية أكبر في الردع والأمن، مع بقائها، بدرجات متفاوتة، داخل بنية أمنية أمريكية المركز. التعاون الأمني الإقليمي الأقوى بين الشركاء الأمريكيين متوافق تمامًا مع اتجاه الاستراتيجية الأمريكية”.
أمّا على صعيد “اتفاقيات إبراهيم”، فيبدو أنّ اتفاق الدفاع المشترك الذي أُعلن يوم الجمعة قد يحمل رسالة قوية بشأن تطبيع العلاقات الإقليمية مع إسرائيل. فقد كان هذا التطبيع حجر زاوية في المقاربة الدبلوماسية الأمريكية للشرق الأوسط؛ إذ أشرف ترامب خلال ولايته الأولى على انضمام الإمارات والبحرين والمغرب إلى الاتفاقيات. غير أنّ الحرب الإسرائيلية الإبادةية على غزة عطّلت أي تقدّم حديث في هذا المسار، الذي كان ينتقَد أصلًا لتجاهله قضية السلام الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية.
ويُعد تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل هدفًا طالما سعت إليه إدارة ترامب، لكنّه ظل بعيد المنال. ويقول خبراء إنّ صفقة باكستان وتركيا والسعودية تجعل فرصة توسيع “اتفاقيات إبراهيم” أكثر بُعدًا، إن لم تكن بمثابة ضربة قاضية لها. ويتجلى ذلك خصوصًا بعد أن جعل ترامب، بأثر رجعي، الانضمام إلى هذه الاتفاقيات شرطًا لبيع مفاعلات نووية للسعودية، وفقًا للمحلل الدفاعي أليكس ألفيراز شيرز. وقال في مقابلة تلفزيونية مع الجزيرة: “أعتقد أنّ تصريح الرئيس الأمريكي بأنّ اتفاق التعاون النووي مع السعودية مشروط بانضمامها إلى اتفاقات إبراهيم أطلق أجراس إنذار في كل أنحاء الخليج. لقد أظهر أنّ هذه الاتفاقيات تُستخدم الآن لأغراض قسرية”.
أما أيدينتاش فترى أنّ هذا الاتفاق يزيل أي غموض حول الموقف السعودي، وقالت: “إنه يوضّح بشكل قاطع أنّ السعوديين لن ينضموا إلى اتفاقات إبراهيم ما دامت القضية الفلسطينية دون حلّ”.