في موسم الحصاد في مناطق زراعة الكاجو في غانا، تروي الأرض تحت الأشجار قصة مألوفة. فبينما يجمع المزارعون الجوز الذي سيُباع للمشترين، كثيراً ما تُترك ثمار الكاجو اللحمية الملتصقة به خلفهم. وخلال ساعات قليلة تبدأ الثمار بالتعفن، فتحوّل جزءاً قد يكون ثميناً من المحصول إلى نفايات.
غانا من أكبر منتجي الكاجو في أفريقيا، وتحصد نحو ربع مليون طن من الكاجو الخام سنوياً. والأشجار تنتج من الثمار كمية أكبر بكثير مما تنتجه من الجوز، لكن مسؤولين في القطاع يقولون إن معظم هذه الثمار لا يُصنَّع ولا يُباع.
لعقود طويلة ظل ثمر الكاجو خارج الاقتصاد السوقي. فالمزارعون لا يجدون مشترين لهذه الثمار، وبدون مرافق معالجة قريبة يصعب نقلها قبل أن تفسد. الآن يعتقد باحثون ومزارعون وقادة في القطاع أن هذه الثمار المهملة يمكن أن تصبح مصدر دخل جديداً للمجتمعات الريفية، إذا نجحت غانا في بناء الأنظمة اللازمة لجمعها ومعالجتها وتسويقها.
من نفاية إلى قيمة
تقول فرانسيسكا أبا أنساه، وهي عالمة أغذية في معهد أبحاث الأغذية التابع لمجلس البحث العلمي والصناعي في غانا، وقائدة مشروع «ما-كاش» الذي يهدف إلى توسيع القيمة من إنتاج الكاجو، إن الفرصة اتضحت بعد زيارات ميدانية أظهرت حجم هدر ثمار الكاجو. وأوضحت أن المشروع بدأ بالنظر إلى مستوى النفايات في مناطق الزراعة وخيارات المعالجة المتاحة.
وبالتعاون مع المجتمعات الزراعية، طوّر الباحثون منتجات تشمل العصير، ومخلوط العصائر، والنقانق، وأصنافاً من الخبز والأطعمة المصنوعة من ثمار الكاجو. وكان أحد أكبر التحديات هو احتواء الثمار على نسبة عالية من مادة التانين التي تؤثر في الطعم وتقبل المستهلكين. وقالت أنساه: «ثمار الكاجو تحتوي على نسبة عالية من التانين، لذلك أجرينا الكثير من الأبحاث لتقليل التانين وتقليل آثاره السلبية عندما يتناول الناس هذه المنتجات».
لكن العائق الأكبر كان قصر عمر الثمرة، فالكاجو الطازج يمكن أن يفسد خلال 24 ساعة من الحصاد، مما يجعل نقلها من المزارع إلى مراكز المعالجة أمراً صعباً. وأضافت: «عندما تحصد ثمار الكاجو، تفسد خلال 24 ساعة. طورنا تقنية تتيح للمزارعين الاحتفاظ بها حتى ستة أيام قبل شحنها إلى مركز المعالجة. وعندما تصل إلى هناك، يمكن تبريدها طوال العام للإنتاج». هذه التقنية اختُبرت من خلال عمل تجريبي في المشروع، وقد تجعل الجمع والمعالجة التجارية ممكنة لأول مرة في كثير من المجتمعات الزراعية.
كما يبحث المشروع فرصاً للدخل خارج الموسم، من بينها تربية النحل داخل حقول الكاجو. وقالت أنساه: «خارج الموسم، عندما لا يكون هناك عمل في الحقل، يمكنك تربية النحل. العسل الناتج من أشجار الكاجو ذو جودة جيدة، لذلك يمكن للمزارعين أن يبقوا أعمالهم مستمرة».
أبعد من الجوز
عند بعض المزارعين، بدأت فكرة خلق قيمة من ثمار الكاجو تتحول من احتمال إلى ممارسة فعلية. صامويل نورتي أدومواه جرّب تحويل الثمار إلى «بيتو»، وهو مشروب محلي تقليدي، وكذلك إلى نبيذ ومشروبات أخرى. ومثل كثير من المزارعين، كان يعتبر ثمرة الكاجو في الماضي مجرد منتج ثانوي، لكنه الآن يعتقد أنها قد تصبح مصدر دخل مهماً.
قال أدومواه: «مشروبات الكاجو تملك إمكانات سوقية قوية. أناشد المستثمرين أن يدخلوا في هذا المجال لمساعدتنا، لأنه مربح جداً». تجربته تعكس الوعد والتحدي في بناء صناعة جديدة. فالمزارعون يستطيعون صنع منتجات، لكن توسيع هذه الأفكار يحتاج إلى استثمار وبنية تحتية وروابط موثوقة مع الأسواق.
سلسلة التوريد المفقودة
يقول رفائيل غودلوف أهينو، المنسق الوطني لمنظمة «كاجو ووتش غانا»، إن كثيراً من المزارعين ما زالوا بحاجة إلى دعم لفهم الإمكانات الاقتصادية خارج نطاق الجوز. تعمل المنظمة مع المزارعين، خصوصاً في منطقة بونو، لتعزيز إضافة القيمة وتشجيع المجتمعات على استكشاف فرص المعالجة.
قال أهينو: «على مدى العامين الماضيين، كنا نجمع المزارعين في مجموعات ونثقفهم حول كيفية معالجة الكاجو وتحويله إلى عصير ومنتجات أخرى، بدلاً من بيع الجوز للشركات الأجنبية». لكنه يحذر من أن مرافق المعالجة وحدها لا تضمن النجاح. وأضاف: «ليست هذه المرة الأولى التي يُنشأ فيها مصنع لتجهيز الكاجو. بعض الشركات الخاصة أنشأت مصانع، لكن للأسف كثيراً منها واجه صعوبات أو انهار بسبب عدم قدرته على تأمين إمدادات كافية من المزارعين».
كثير من المزارعين يعتمدون على تمويل مسبق من مشترين لبيع الصادرات إلى أسواق كبيرة مثل الهند وفيتنام، وهذا غالباً ما يحدد أين يُباع محصولهم. وقال أهينو: «في معظم الأحيان، يمنح المشترون الأجانب المزارعين قروضاً ميسرة خارج الموسم. وقبل أن يأتي موسم الكاجو، يكون المزارعون قد أخذوا المال ويضطرون إلى البيع لهؤلاء المشترين». وبدون تمويل بديل، قد يجد المزارعون صعوبة في المشاركة في سلاسل قيمة جديدة، حتى عندما تظهر الفرص.
خلق الطلب
يعتقد خبراء ماليون أن معالجة ثمار الكاجو يمكن أن تخلق مصادر دخل إضافية وتقوّي قدرة المزارعين على الحصول على الائتمان. وقال آرون أووسو نكيتيا، مستشار مالي ومسؤول قروض يعمل مع مزارعي الكاجو في منطقة بونو، إن المعالجة المحلية يمكن أن تزيد الثقة لدى المزارعين والمقرضين على حد سواء. وأوضح: «إذا تمكنت الحكومة من إنشاء مصانع لتدوير الكاجو، فسيؤدي ذلك إلى توفير مصادر دخل إضافية للمزارعين لسداد قروضهم، وسيشجع البنوك على منح المزارعين قروضاً أكثر».
لكن إنشاء صناعة جديدة يتطلب أكثر من مجرد إنتاج منتجات جديدة. فعصير الكاجو ومنتجاته الأخرى يجب أن تنافس المشروبات القائمة، وأن تقنع المستهلكين بأن ثمرة كانت تُعامل يوماً كنفاية يمكن أن تكون لها قيمة تجارية. وبالنسبة لروبرت أبونغو، وهو مدرس وناشط مجتمعي يعمل مع المزارعين في سيكيريدوماسي بمنطقة أشانتي، يظل الوعي تحدياً كبيراً. وقال أبونغو: «معظم المزارعين يعتمدون على الجوز فقط». يجب على الحكومة أن تكثّف التوعية حول إضافة القيمة للمنتجات الزراعية، حتى يكون المزارعون على دراية كافية ويخطّطوا بناءً على ثمرة الكاجو، بدل أن يعتمدوا على البذور فقط.
مورد استراتيجي
ترى الحكومة الغانية أن معالجة ثمرة الكاجو يمكن أن تصبح جزءًا من أجندة التحول الزراعي الأوسع في البلاد.
قال أندروز أوسي أوكراه، الرئيس التنفيذي لهيئة تنمية أشجار المحاصيل، إن هذه الثمرة بدأت تُعترف بها كأكثر من مجرد منتج ثانوي زراعي.
وأضاف أوكراه في تصريح للجزيرة: "كانت ثمرة الكاجو تُعتبر في السابق منتجًا ثانويًا، لكنها اليوم مورد اقتصادي استراتيجي يملك إمكانات هائلة لدفع التصنيع الزراعي، وخلق فرص عمل، وتحسين سبل العيش في المناطق الريفية، والمساهمة في نمو الاقتصاد الغاني".
ويرى جون ي. كوباغمي، وهو باحث ورئيس قطاع الزراعة في الغرفة الأفريقية لمنتجي المحتوى، أن غانا لديها الآن فرصة حقيقية، لكن المطلوب هو التركيز على التنفيذ.
وقال كوباغمي للجزيرة: "الإطار السياسي يوفر أساسًا متينًا. ما نحتاجه الآن هو عمل منسق واستثمار مستدام".
الحصاد القادم
يأتي هذا التوجه نحو تطوير اقتصاد قائم على ثمرة الكاجو في وقت تبحث فيه غانا عن طرق لتنويع الدخل الزراعي.
لسنوات طويلة، كان مزارعو الكاجو في غانا يقيسون قيمة محصولهم من خلال المكسرات التي يجمعونها فقط.
أما الآن، فقد بدأوا ينظرون إلى الثمرة التي كانت تُترك خلفهم في السابق. وما إذا كانت ستصبح مصدر دخل جديد يعتمد على قدرة غانا على بناء سلسلة قيمة تعمل من المزرعة إلى المصنع، ثم إلى المستهلك في النهاية.
ومع اقتراب موسم حصاد آخر، ستسقط ثمار الكاجو من جديد تحت الأشجار. ويبقى السؤال: هل ستُترك لتتعفن، أم سيتم جمعها ومعالجتها وبيعها كمحصول كانت غانا تتجاهله طوال الوقت؟
وقال أحد المزارعين: "لدينا الثمار. ولدينا الأفكار. نحتاج فقط إلى الاستثمار لنجعل الأمر يعمل".