أعلنت شركة كامبريدج إيروسبيس، الناشئة البريطانية في مجال الدفاع، عن إغلاق جولة تمويل من الفئة C بقيمة 300 مليون دولار، بقيادة صندوق DFJ Growth، وبمشاركة مستثمرين من بينهم Lux وAccel وLakestar وNever Lift وOra Global وElad Gil & Co. وجرت هذه الجولة في 10 أغسطس 2026، ورفعت تقييم الشركة إلى 3.4 مليار دولار، وهو رقم يجعلها في مصاف شركات الدفاع الكبرى، رغم أنها لم تكن موجودة قبل أواخر عام 2024، ولم يمضِ على صنع أول صاروخ لها من الصفر سوى أقل من عامين.
وقالت الشركة إن التمويل الجديد سيموّل توسيعاً سريعاً لخطوط الإنتاج، لتلبية العقود العسكرية القائمة، إضافة إلى الطلب المتوقع على منتجات جديدة ما تزال قيد التطوير.
المنتج الرئيسي للشركة هو صاروخ اعتراضي اسمه Skyhammer، صُمم لمواجهة واحدة من أكثر المشاكل إلحاحاً أمام الدفاعات الجوية الأوروبية، وهي الكم الهائل من الطائرات المسيّرة الانقضاضية الرخيصة التي يمكن للخصوم إطلاقها بأعداد تفوق قدرة الدفاعات التقليدية المكلفة على اعتراضها. يبلغ وزن الصاروخ نحو 18 كيلوغراماً، وطوله أقل من متر، ويُطلق من أنبوب، ويوجَّه بالرادار، ويعمل بمحرك نفاث صغير يمنحه سرعة تصل إلى 700 كيلومتر في الساعة، ومدى يتجاوز 30 كيلومتراً. وهذه المواصفات تجعله قادراً على اعتراض طائرات من طراز شاهد الإيرانية، وهي المسيّرات الانقضاضية منخفضة الكلفة التي أطلقتها روسيا على أوكرانيا بمئات في ليلة واحدة.
أما الفارق الجوهري بين Skyhammer والصواريخ الاعتراضية التقليدية فهو السعر. فالصواريخ الاعتراضية التي تستخدمها الجيوش الغربية، مثل صاروخ ASRAAM الذي تحمله طائرات تايفون البريطانية، تكلّف نحو 270 ألف دولار للصاروخ الواحد، لأنها صُممت لمواجهة تهديدات عالية القيمة مثل طائرات العدو المقاتلة، وليس لمواجهة مسيّرة قد لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات. وتقول كامبريدج إيروسبيس إنها صممت Skyhammer لسد هذه الفجوة، مستهدفة تكلفة تتراوح بين عشرات آلاف الدولارات، أي ما يعادل واحداً إلى اثنين بالمئة من كلفة الصاروخ التقليدي، بحيث لا يكون إسقاط مسيّرة رخيصة مرهوناً بإطلاق صاروخ أغلى بعشرات المرات من الهدف نفسه.
هذا المنطق في التسعير أقنع الحكومة البريطانية بالفعل بتقديم طلبات فعلية. ففي أبريل 2026، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية أنها تعاقدت مع كامبريدج إيروسبيس لتزويد القوات البريطانية بعدد كبير من صواريخ Skyhammer ومنصات الإطلاق. وكشف عن الصفقة وزير الدفاع آنذاك جون هيلي في مؤتمر لندن الدفاعي، وكان من المقرر أن تبدأ أولى عمليات التسليم في مايو، على أن يُكمل العقد خلال ستة أشهر. وجاء هذا العقد بعد نحو أربعة عشر شهراً فقط من بدء الشركة تطوير الصاروخ في يناير 2025، فانتقلت من الفكرة إلى الاختبارات الطائرة في غضون ستة أسابيع، ثم إلى الإنتاج الكامل. وهذا إنجاز نادر في صناعة الدفاع، التي لا تحقق عادة مثل هذا الجدول الزمني لأي نظام صاروخي، ناهيك عن شركة لم يمضِ على تأسيسها سوى عامين.
ولم يكن عقد مؤتمر لندن الدفاعي هو الفوز الوحيد للشركة من الحكومة البريطانية. ففي يوليو 2026، منحتها الوزارة أحد عقودها ضمن برنامج جديد اسمه “الموثّرات منخفضة الكلفة والأنظمة الذاتية”، المعروف اختصاراً بـ LEAP، وهو برنامج يشمل خمس دول هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا، ويهدف إلى تطوير صواريخ اعتراضية وأنظمة غير مأهولة بأسعار معقولة ويمكن إنتاجها على نطاق واسع في الدول المتحالفة. وحصلت كامبريدج إيروسبيس، إلى جانب شركتين بريطانيتين أخريين هما فرانكنبرغ تكنولوجيز وغرينجيتس، على حصة من مبلغ إجمالي قدره 4.2 مليون دولار، ضمن المسار البريطاني للبرنامج الذي يُعرف باسم “الموثّرات منخفضة الكلفة للدفاع الجوي”. وستطوّر كل شركة تصميماً اعتراضياً خاصاً بها وتخضعه للتجارب، قبل اختبارات استعراضية مقررة في وقت لاحق من هذا العام. وقد استشهدت وزارة الدفاع البريطانية بالقصف الروسي المتواصل على أوكرانيا كمبرر مباشر للإسراع في هذا البرنامج، مشيرة إلى أن روسيا أطلقت ما يعادل أكثر من 200 مسيّرة يومياً إلى الأراضي الأوكرانية خلال مارس 2026 وحده، وهو معدل كشف حجم الضعف الذي تعاني منه الدفاعات الجوية التقليدية المكلفة أمام هجمات الكم الهائل.
يعود صعود كامبريدج إيروسبيس السريع إلى فريق قيادة يجمع خبرات أكاديمية وعسكرية وريادية. الرئيس التنفيذي ستيفن باريت كان يقود أبحاث الفضاء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قبل انتقاله إلى جامعة كامبريدج، وكبير المسؤولين التجاريين كريس سيلفان خدم أكثر من عقد في صفوف مشاة البحرية الملكية قبل عمله في تقنيات الدفاع الناشئة، والمؤسس المشارك جنيد حسين أسس عدة شركات تقنية. كما يشغل وزير الدفاع البريطاني السابق غرانت شابس منصب رئيس مجلس إدارة الشركة، في دور وافق عليه الجهاز الرسمي البريطاني المعني بمراقبة الوظائف التي يتولاها الوزراء السابقون. وتقول الشركة إن حوالي ثلثي موظفيها البالغ عددهم أكثر من 250 موظفاً يعملون في المجالات التقنية والهندسية، وإنها وسّعت وجودها إلى ألمانيا وبولندا والنرويج وأوكرانيا وأستراليا، إضافة إلى مقرها الرئيسي في بريطانيا.
وعلّق الرئيس التنفيذي ستيفن باريت على التمويل الجديد باعتباره تأكيداً لمهمة الشركة وسرعة تنفيذها، فقال: “هذه الجولة شهادة على العمل المذهل لفريق كامبريدج إيروسبيس كله. من خلال الجمع بين أفضل المواهب في العالم ومهمة واحدة هي حماية سماء الحلفاء من التهديدات، حققنا بالفعل الكثير. هذه الأموال ستسمح لنا بمواصلة توسيع إنتاجنا وتسريع deliveries لتلبية وتيرة التهديدات واحتياجات الدول الحليفة”.
أما راندي غلاين، المؤسس والشريك الإداري في DFJ Growth الذي قاد الجولة، فأرجع القرار إلى التقنية والفريق، وقال: “كامبريدج إيروسبيس تحل واحدة من أكثر التحديات إلحاحاً في الحرب الحديثة. لقد طوّرت نظاماً ميسور الكلفة ودقيقاً لمواجهة المسيّرات، قادراً على القضاء على التهديدات القادمة والفوضى التي تسببها طائرات الهجوم المسيّرة منخفضة الكلفة. درسنا المشهد العالمي ووجدنا أن كامبريدج تملك أفضل فريق وتقنية لبناء البنية الأكثر تقدماً وحداثة للدفاع الجوي في أوروبا وحلفائها”.
كذلك علّق وزير الدفاع البريطاني الحالي ويس ستريتغ، الذي تولى المنصب بعد إعلان هيلي السابق عن عقد Skyhammer، على قيمة الشركة وربطها بمسعى الحكومة الأوسع لتنمية الشركات الدفاعية الناشئة إلى مصنّعين كبار، فقال: “هذا التقييم تصويت كبير على الثقة في بريطانيا. صاروخ Skyhammer من كامبريدج إيروسبيس مثال على الصواريخ الاعتراضية منخفضة الكلفة التي تحتاجها قواتنا المسلحة لردع الخصوم والحفاظ على أمن بلادنا. وهذا بالضبط ما صُمم برنامج اليونيكورن لتحقيقه: شركات بريطانية ناشئة تنمو لتصبح شركات بمليارات الجنيهات، وتخلق وظائف ماهرة، وتثبت مكانة بريطانيا في طليعة الابتكار الدفاعي”.