في زمنٍ غزت فيه الشاشاتُ والصورُ كلَّ شيء، يصعب علينا أن نتخيّل حقبةً لم يكن التصويرُ الفوتوغرافي فيها موجودًا. قبل نحو قرنين من الزمان، التقط مخترعٌ فرنسي يُدعى نيسيفور نيبس أول صورةٍ من نوعها لفناء منزله في فرنسا، بوضع لوحٍ من البيوتر داخل كاميرا مظلمة. وبعد سنواتٍ قليلة، توصّل رسامُ المناظر المسرحي لويس جاك مانديه داجير إلى تقنية الصورة الداجيرية التي أمكن فيها تثبيت الصورة نهائيًا. وقد باع الرجلان تقنيتيهما للحكومة الفرنسية، فنشرت الحكومةُ دليلًا إرشاديًا لذلك وساعدت على انتشار هذه التقنية في أنحاء العالم. وفي عام ١٨٣٩، أُنتجت أول صور داجيرية في الولايات المتحدة.
يُقال بعد ذلك: وما تبقّى من الحكاية معروف. غير أننا في الغالب لا نرى من القصة إلا جزءًا صغيرًا. فالتصويرُ كان مكلفًا، وكان التقاطُ صورةٍ شخصية، ناهيك عن امتلاك معدات التصوير، أمرًا لا يطيقه إلا القادرون. لذلك كان السجلّ البصري للقرن التاسع عشر منحازًا بقوة إلى الأفراد والعائلات البيض الميسورين. كما أن التقاط الصور كان يتطلب وقت تعريضٍ طويلًا، فلا نكاد نجد صورًا عفوية؛ فالجميع كانوا يلتزمون وضعياتٍ مدروسة بعناية لضمان وضوح الصورة ودقتها.
وُجدت الصورُ الفوتوغرافية قبل عقودٍ من الحرب الأهلية الأمريكية وإلغاء العبودية، ومع ذلك نادرًا ما نقع على وجوه حقيقية تُضيء التعقيدات المرتبطة بالعرق والحرية وقدرة الإنسان على تقرير مصيره قبل تلك الحرب وأثناءها وبعدها. وهذا ما يسلّط عليه الضوءَ المعرضُ الوطني للفنون في واشنطن، الذي يقدّم معرض «اذكروني: تصوير الأمريكيين من أصل أفريقي في بدايات التصوير الفوتوغرافي». ويضم المعرضُ عشرات الصور التي التقطها أمريكيون من أصل أفريقي أو التُقطت لهم، ويعرض في مكانٍ واحد تنوعًا واسعًا من تجاربهم المعاشة.
تظهر في هذه الأعمال ملامحُ الموضة والأسرة والمكانة الاجتماعية بوضوح عبر مجموعة من مطبوعات الجيلاتين الفضي، وصور الداجيروتيب، والتينتايب، والأمبروتيب، وبعضها مُلوَّن يدويًا. ولأن كثيرًا من هذه الأنواع المبكرة كان هشًا، فقد اعتاد الناسُ عرضَها في علبٍ مزخرفة قابلة للطي. وسيُعرَض عددٌ من هذه الصور داخل علبها الأصلية، إلى جانب بطاقات الكابينت وبورتريهات لفنانين سودٍ روّاد، مثل جيمس فان دير زي الذي أدار استوديو بارزًا في حي هارلم في أوائل القرن العشرين.
وسيركّز المعرضُ على نحو سبعين قطعة من مقتنيات المتحف تحتفي بالتعبير عن الذات وروح المبادرة لدى الأمريكيين من أصل أفريقي. ومن المقرر أن يفتتح «اذكروني» في السابع من نوفمبر ويستمر حتى الرابع عشر من مارس في واشنطن. ولمن يرغب في معرفة المزيد والتخطيط للزيارة، يمكنه مراجعة موقع المتحف.