كل منهما يحتاج الآخر.. ما وراء التفاهم السوري الروسي الجديد؟

بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، أمضت سوريا وروسيا نحو 18 شهراً في التفاوض حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا. ويبدو أن جزءاً من هذا الملف حُسم أخيراً، بعدما أعلنت الحكومة السورية الجديدة في دمشق التوصل إلى مذكرة تفاهم مع موسكو بشأن قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية.

كانت روسيا حليفاً رئيسياً للأسد خلال الحرب الأهلية السورية التي استمرت نحو 14 عاماً، وبدأت مع احتجاجات الربيع العربي في 2011، وانتهت عندما قاد الرئيس الحالي أحمد الشرع هجوماً خاطفاً على دمشق وأطاح بالنظام. فرّ الأسد إلى روسيا، حيث مُنح هو وعائلته حق اللجوء.

وبموجب الاتفاق الجديد، ستتولى سوريا السيطرة على المنشآت المدنية في قاعدة حميميم الجوية وعلى القسم التجاري من ميناء طرطوس. أما المنشآت العسكرية فستتحول إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة بين الجانبين الروسي والسوري، على أن يكتمل الانتقال خلال ثلاثة أشهر. ولم تعلّق موسكو بعد على الاتفاق.

يمثل هذا تحولاً كبيراً مقارنة بالدور الذي لعبته القاعدتان في خدمة الأسد أثناء الحرب التي أودت بحياة مئات الآلاف من السوريين وشردت الملايين. غير أن محللين يرون أن الاتفاق قد يعكس نهجاً عملياً أكثر: دمشق تستعيد سيادة أكبر على منشآت ذات أهمية استراتيجية، في وقت تحتفظ فيه موسكو بموطئ قدم لها ولا تُطرد بالكامل من بلد استثمرت فيه لعقود.

قال أليكسي مورافييف، الباحث الكبير في الشؤون الدفاعية والاستراتيجية بجامعة إديث كوان في غرب أستراليا: “يُظهر الاتفاق بين روسيا والحكومة السورية أن كلا البلدين يحتاج إلى الآخر”. وأضاف أن دمشق “ليست في الغالب معنية بإنهاء علاقتها الممتدة مع روسيا”.

كانت موسكو حليفاً أساسياً للأسد خلال الحرب، وساعدت في إبقائه في السلطة عبر دعم عسكري حاسم. فالتدخل العسكري الروسي في 2015 قلب موازين الحرب لصالح الحكومة التي كان يقودها الأسد. وأصبحت قاعدة حميميم مركز العمليات الجوية الروسية، بينما وفرت طرطوس لموسكو موطئ قدم بحري رئيسياً في البحر المتوسط. ومع ذلك، لم تتدخل روسيا خلال التقدم الكبير نحو دمشق الذي أدى إلى الإطاحة بالأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.

يقرأ  موجة الحر في أمريكا: ما قبة الحرارة التي تضرب البلاد؟

وبعد رحيل الأسد، غادر الجنود الروس الموجودون في سوريا البلاد تدريجياً، باستثناء من كانوا متمركزين في القاعدتين. وقالت الخارجية السورية في بيان إن الترتيبات الجديدة للقواعد تمثل “إعادة تنظيم للوجود الروسي” على الساحل السوري. وأضاف البيان: “هذه الخطوة تمثل أهم تطور منذ بدء المفاوضات قبل حوالي عام ونصف، وتمهد الطريق لمرحلة جديدة في العلاقات السورية الروسية”.

ويرى المحلل السياسي رسلان تراد، الزميل غير المقيم في المجلس الأطلسي، أن دمشق تجاوزت بالفعل دور روسيا في الحرب. وقال تراد: “حاربت حكومة الرئيس أحمد الشرع قوات الأسد المدعومة روسياً لسنوات، لكنها خلال أسابيع من توليها السلطة بدأت مفاوضات هادئة لإبقاء موسكو حاضرة بدلاً من طردها”. وأضاف: “هذا يؤكد المقولة الواقعية الكلاسيكية: لا يوجد في السياسة أعداء دائمون، فقط مصالح دائمة”.

وبنفس الروح التي سعى بها الشرع إلى إقامة علاقات ودية مع القوى الغربية مثل الولايات المتحدة، التي صنفته كإرهابي عالمي مصنف بصفة خاصة في مايو/أيار 2013 أثناء الحرب، يبدو أن الحكومة السورية الجديدة قدرت أن معاقبة روسيا على دورها في الحرب ستكلّفها أكثر مما ستجنيه. وقال تراد: “موسكو تسيطر على ملف لجوء بشار الأسد، وتحمل ديوناً سورية وعقود إعادة إعمار، وتورد النفط والحبوب بأسعار مدعومة، وتبقى قوة دائمة العضوية في مجلس الأمن تملك حق النقض، وهي التي حمته سابقاً من تصنيفه كإرهابي”.

أما آرون لوند، الزميل في مؤسسة سينشري إنترناشونال، فأشار إلى وجود “الكثير من التكنولوجيا العسكرية والمدنية” في سوريا مصدرها روسيا والاتحاد السوفيتي السابق. وقال: “هناك إرث قديم من التعاون العسكري والإداري والفني بين دمشق وموسكو، وسيكون مؤلماً جداً لسوريا أن تقطع هذه العلاقة تماماً”. وأضاف: “الأمر براغماتية تبادلية على الجانبين. حكومة الشرع، التي تعاني من عجز مزمن في المال وتحتاج إلى القمح والطاقة والدعم الفني، زارت بوتين مرتين في موسكو منذ توليها السلطة”.

يقرأ  إسرائيل تُدمّر عشرات المباني في مدينة غزة مع تصاعد الهجوم الجديد

ولفت لوند إلى أن “قادة سوريا وروسيا أثبتوا أنهم مرنون وعمليون للغاية”. ويتجلى ذلك في أن الجانبين بدآ اللقاءات والتفاوض حتى قبل اكتمال الإطاحة بنظام الأسد. وقال: “بدأوا الاجتماع بعد أسابيع فقط من سقوط الأسد. وفي الواقع، كانوا يجتمعون ويتفاوضون بعد أسابيع فقط من قصف الطائرات الروسية لمقاتلي الشرع. بل إن الاتفاقات الأولى تمت قبل سقوط الأسد، أثناء الهجوم الذي أطاح بنظامه”.

في هذا السياق، زارت حكومة الشرع، التي تعاني من عجز مزمن في التمويل وتحتاج إلى القمح والطاقة والدعم الفني، موسكو مرتين والتقت بوتين منذ توليها السلطة. ويتعمد الرئيس السوري الإشادة علناً بدور روسيا “في تثبيت الاستقرار، ليس في سوريا فقط بل في المنطقة أيضاً”. وقد رحب بوتين بالشرع وأبدى دعمه لوحدة سوريا وسلامة أراضيها.

وقال تراد إن موسكو بحاجة إلى الحفاظ على “منصتها العسكرية الوحيدة في المتوسط لاستعراض قوتها نحو أفريقيا وشرق المتوسط”، في المقابل تقدم “إعفاء من الديون وتعاوناً اقتصادياً وتغطية في الأمم المتحدة بشأن تصنيفات الإرهاب”. وأضاف: “إذاً، ما زال الطرفان يحتاج أحدهما إلى الآخر، ولكن بشروط معاد التفاوض عليها تعكس قوة سوريا الجديدة باعتبارها حارساً سيادياً، وليس عميلاً لموسكو”.

قال مورافييف إن قوى غربية وإقليمية سعت منذ سقوط الأسد إلى استغلال الانتقال السياسي في سوريا للحد من النفوذ الروسي. وأضاف: “من الواضح أن هناك محاولة من الولايات المتحدة، وإلى حد ما ربما من الإسرائيليين، لدفع النظام السوري الجديد إلى إنهاء الوجود الروسي في سوريا. لكن إبرام اتفاق يعني أن الحكومة السورية احتفظت برغبتها في إبقاء العلاقة وصمدت أمام ضغوط أطراف أخرى، لأنها ترى بوضوح المكاسب من الحفاظ على العلاقة مع روسيا”.

وأشار إلى أن طول المفاوضات بين دمشق وموسكو كان بحد ذاته دليلاً. وقال: “حقيقة استمرار المفاوضات حوالي عام ونصف تعني أن الجانبين كانا حريصين على ألا تنهار”.

يقرأ  إعادة فتح سفارة الولايات المتحدة في فنزويلا وسط ضغوط ترامب للوصول إلى الموارد — أخبار دونالد ترامب

غير أن مورافييف شدد على أن إبقاء روسيا في الصورة لا يعني أن سوريا ستغلق الباب أمام قوى أخرى. وقال: “الحكومة الجديدة منفتحة على تطوير علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وتركيا وحتى على العمل مع إسرائيل، لكنها تريد على الأرجح الحفاظ على انخراط متعدد الاتجاهات، ووجود روسيا في المعادلة سيساعدها على استخدام ذلك كورقة مساومة في لعبة القوى مع اللاعبين الكبار”.

أما لوند فلاحظ أن المفاوضات كانت “سرية للغاية”، ربما لأن روسيا وسوريا بدتا قلقتين من أن “الإفراط في الحديث عن القواعد” قد يثير مطالب أمريكية وأوروبية بإغلاقها. وأضاف: “سقوط الأسد كان ضربة كبيرة لروسيا، لكن ذلك حدث بالفعل. هذا الاتفاق يتعلق بمستقبل ما بعد الأسد، وقد يكون إيجابياً أو سلبياً لموسكو. سنرى ما إذا كان الترتيب الجديد سيقيد روسيا أكثر، أم العكس، سيعيد تفعيل وجودها العسكري ويضفي عليه طابعاً رسمياً”.

أضف تعليق