نشر موقع هرومادسكي الأوكراني تقريرًا مصورًا حصريًا برفقة جنود من لواء المدفعية الصاروخية التاسع عشر “سفياتا فارفارا”، وهو أحد أوائل الوحدات الأوكرانية التي تسلّمت نظام هيمارس الأميركي في عام 2022. ويُظهر التقرير عملية الإطلاق بالتفصيل من وجهة نظر الطاقم، للمرة الأولى بهذا المستوى من القرب.
هيمارس نظام صاروخي تنتجه شركة لوكهيد مارتن، وهو مركّب على هيكل شاحنة بعجلات، ويطلق صواريخ موجّهة بدقة قادرة على الوصول إلى أهداف على بُعد عشرات الكيلومترات، إضافة إلى صواريخ أتاكمز الباليستية الأبعد مدى، التي يمكن أن تضرب أهدافًا على مسافة تصل إلى نحو 300 كيلومتر. بدأت الولايات المتحدة تسليم هذا النظام إلى أوكرانيا في يونيو 2022، وسرعان ما أصبح أحد الأسلحة التي طبعت معارك تلك السنة، إذ دمّر بشكل منهجي مستودعات ذخيرة ومراكز قيادة وعُقدًا لوجستية روسية في الأسابيع التي سبقت الهجوم المضاد الأوكراني الذي استعاد أراضي في منطقة خيرسون.
ووفقًا لتقرير هرومادسكي، قال جنود من اللواء إن القوات الروسية كانت قد اعتادت حشد جنودها ومعداتها في العراء على مسافات تتراوح بين 30 و40 كيلومترًا من خط الجبهة قبل وصول هيمارس، وهي عادة سرعان ما عاقبها مدى هذا النظام ودقته. وقال أفراد الطاقم إنهم يعتقدون أن هذا السلاح غيّر مسار عملية خيرسون بشكل جذري.
وصف الجنود عملية إطلاق هيمارس بأنها أكثر تعقيدًا مما توحي به سمعة السلاح في السرعة. فالضربة الواحدة تعتمد على سلسلة من الأشخاص تتجاوز طاقم المركبة المكوّن من شخصين أو ثلاثة، إذ يتولون تنسيق بيانات الاستهداف، والتحقق من الإحداثيات، والسماح بالإطلاق قبل خروج أي صاروخ. وبحسب الطاقم، أصبحت هذه التنسيقات سريعة بما يكفي لدرجة أن الوقت بين تلقي أمر الضرب والإطلاق الفعلي يمكن أن يصل إلى دقيقتين أو ثلاث دقائق حسب المهمة، لكن المعدل الطبيعي للواء في الظروف العادية أقرب إلى عشر دقائق.
تبقى الدقة السمة الأبرز لهذا السلاح، حتى بعد سنوات من تعرّضه للحرب الإلكترونية الروسية وأنظمة الدفاع الجوي التي صُممت خصيصًا لمواجهته. وأخبر أفراد الطاقم هرومادسكي أن التشويش والدفاع الجوي الروسيين أثّرا بشكل طفيف فقط على ضربات هيمارس، ووصفوا أي انحراف عن الهدف بأنه يُقاس بالأمتار لا بأي وحدة أكبر، وقالوا إن الغالبية العظمى من عمليات الإطلاق أصابت أهدافها المقصودة. وأرجع الجنود الفضل في ذلك إلى حاسوب الاستهداف الموجود على متن المركبة، الذي يحسب إحداثيات الضربة ويدخلها تلقائيًا، واعتبروه أهم قطعة معدات في عملية الإطلاق، وأكثر تأثيرًا في نجاح المهمة من أي مكوّن آخر في الشاحنة.
الحياة داخل المركبة نفسها تحمل طابعًا منزليًا غير متوقع بالنسبة إلى سلاح يصفه من يشغّله بأنه أساسي في القدرة الأوكرانية على الضرب بعيد المدى. فالمقصورة مزوّدة بتكييف للهواء وتدفئة وناقل حركة أوتوماتيكي، مما يجعل قيادتها أقرب إلى قيادة سيارة مدنية مجهزة جيدًا منها إلى معدات عسكرية نموذجية. كما تضم إضاءة متوافقة مع الرؤية الليلية، ولوحة عدادات كاملة تعرض ضغط الهواء والسوائل والوقود وضغط الفرامل وشحن البطارية. والسرعة القصوى للسيارة محددة إلكترونيًا عند 100 كيلومتر في الساعة، رغم أن عداد السرعة يصل إلى 120 كيلومترًا، وقال الطاقم إنهم جرّبوا ذلك لكنهم لا يستطيعون تجاوز هذا الحد بسبب محدد السرعة المبرمج.
هذه السرعة مهمة لأن أطقم هيمارس تعمل تحت قاعدة صارمة تفرض الانتقال الفوري بعد الإطلاق، وهي قاعدة تُعرف باسم “أطلق وانسحب”، وأصبحت أساسية لبقاء السلاح في ساحة معركة حديثة يهيمن عليها الاستطلاع بالمسيّرات ونيران المدفعية المضادة للبطاريات. ووصف الجنود ضربات انتقامية روسية كانت تتبع بعض عمليات الإطلاق، إضافة إلى تصعيد ملحوظ في العام الأخير من طائرات الاستطلاع الروسية التي تتعقب تحركاتهم، وهو تهديد قالوا إنه أصبح أكثر إلحاحًا في العمليات الأخيرة مما كان عليه في بداية الحرب.
الاسم غير الرسمي الذي يطلقه الطاقم على هيمارس هو “الهامستر”، وهو يعكس السرية التي أحاطت بالنظام في البداية. ففي عام 2022، حرصت القوات الأوكرانية بشدة على منع أي نقاش علني حول انتشار السلاح وقدراته، وكانت المعلومات عن استخدامه شحيحة عمدًا، حتى في الوقت الذي انتشرت فيه الصور الساخرة عنه على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي الأوكرانية.
لم تختفِ هذه السرية تمامًا، حتى بعد أن أصبح هيمارس عنصرًا مألوفًا في خط الجبهة، لا سلاحًا غامضًا خاضعًا لحراسة مشددة كما كان سابقًا. وأشار أفراد الطاقم إلى أن الشركاء الأميركيين ما زالوا يتشاورون مباشرة مع مشغّلي هيمارس حول أداء النظام في الميدان، ويطلبون من الجنود ملاحظات حول مشكلات تقنية ودقائق تشغيلية تساعد في تعديل منصات أخرى. ووصف الجنود هذا التبادل بأنه مستمر وثنائي الاتجاه فعلًا، وليس مجرد استخلاص معلومات لمرة واحدة.
كما لفت اللواء إلى أن الاهتمام العام تحول مؤخرًا نحو أسلحة أوكرانية أحدث بعيدة المدى من إنتاج محلي، ولا سيما صاروخ كروز “إف بي-5 فلامنغو”، الذي حظي بتغطية كبيرة بسبب استخدامه لضرب أهداف في عمق الأراضي الروسية. في المقابل، يواصل هيمارس أداء الدور الميداني نفسه الذي كان يؤديه دائمًا، في مناطق أقرب إلى خط الجبهة وبعيدًا عن الأضواء عمدًا.
أكثر ما يظهر بوضوح من رواية الجنود أن هذا النظام لم يصبح باليًا بعد أربع سنوات من الاستخدام المتواصل، بل أصبح ببساطة أمرًا روتينيًا لمن يشغّلونه يوميًا. إنه تحول من سلاح جديد مثير للاهتمام إلى أداة عمل موثوقة وغير مبهرجة، وهو ما يعكس الطريقة التي اندمجت بها فئات كاملة من المعدات الغربية في استراتيجية أوكرانيا الأوسع.