أوكرانيا تحوّل طيّارة صينية مسيّرة إلى قاصفة عمق “ميتش 2000”

استُخدمت المسيّرة «ميتش 2000» التي تعمل بها وحدة «ألفا» التابعة لجهاز الأمن الأوكراني حصريًا، في ضربات عميقة داخل الأراضي الروسية. وقد بدأت هذه المسيّرة طائرة مدنية صينية اشترتها أوكرانيا في عام 2023، قبل أن يحوّلها مهندسون أوكرانيون إلى سلاح بعيد المدى. تستطيع التحليق حتى 2000 كيلومتر، وحمل ما يصل إلى 60 كيلوغرامًا من المتفجرات، وفق ما نشرته منصة «أوبورونكا» الدفاعية الأوكرانية بعد زيارة إلى مصنع إنتاجها.

في بداية أغسطس/آب، ضربت القوات الأوكرانية سفينة الشحن «ناديجدا» قرب نوفوروسيسك بمسيّرة كانت تشبه «شاهد» الإيرانية أكثر من المسيّرات الأوكرانية المعروفة مثل «ليوتي» أو «إف بي-1». وقالت «أوبورونكا» إن هذه المسيّرة هي «ميتش 2000». وكانت أوكرانيا تعتمد منذ عام 2022 على مسيّرات صينية الصنع للضربات العميقة، قبل أن تكتمل منصاتها المحلية بعيدة المدى. فقد حوّل فريق عسكري طائرات «موغين-5 برو» المدنية إلى مسيّرات محمّلة بالمتفجرات تُطلق نحو أهداف في العمق الروسي، إذ كانت تكلفة الواحدة نحو 15 ألف دولار، وتحمل 25 كيلوغرامًا من المتفجرات وتقطع حتى 500 كيلومتر.

بعد أن لفتت هذه الهجمات انتباه وسائل الإعلام، قيّدت الصين في صيف 2023 التصدير المباشر للطائرات المدنية. وفي ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام، سافر فريق من المطوّرين الأوكرانيين إلى الصين لشراء هياكل جاهزة مباشرة من المصنّعين. وعثروا على مصنع ينتج عشرات الطائرات من طراز «ZTK-150»، وهي تشبه «شاهد» إلى حد كبير، ويتميّز أساسًا بأجنحة أمامية صغيرة تسمى «كانارد». وقال أحد أعضاء الفريق لـ«أوبورونكا»: «كنا في منشأة إنتاج كبيرة جدًا ورأينا كل العمليات. ثم تفاوضنا عدة أيام مع وسطاء صينيين حتى اقترحوا بيعنا التكنولوجيا لنصنع كل شيء بأنفسنا. عندها رسّخوا في أذهاننا فكرة أننا نستطيع بناء مسيّرات في أوكرانيا بدل شرائها وشحنها».

رحّبت القيادة العسكرية الأوكرانية بالفكرة، لكن عندما عاد الفريق مستعدًا لشراء التكنولوجيا، رفضت إدارة المصنع البيع. عندها عرض الوسطاء حلًا بديلًا: تجميع المسيّرات في موقع خارج نطاق القيود الصينية، وتدريب طيارين أوكرانيين على الطيران بها. وأضاف الفريق: «ذهبنا إلى هناك لتدريب طيارين على قيادة المسيّرات الصينية، وخلال التدريب صوّرنا كل شيء في المكان، من خط الإنتاج إلى ترتيب الرفوف والخزائن».

يقرأ  العام الثاني على التوالي في الصدارة: تعزيز فرق التعلم والتطوير في صناعة التعليم الإلكتروني

عاد الفريق مع طيارين مدرّبين وثماني مسيّرات صينية الصنع. بدأت الاختبارات في صيف 2024. انتهى الإطلاق الأول بعد نحو كيلومتر واحد بسبب خطأ في توزيع الوزن. أما الثانية فحلّقت نحو ساعة قبل أن يقطع الاهتزاز مروحتها. والثالثة فشلت بعد فقدان الإشارة تحت تأثير الحرب الإلكترونية، ما أظهر أن الهيكل لا يصلح للعمل في بيئة كهرومغناطيسية معادية. وقال مالك الشركة لـ«أوبورونكا»: «عندما بدأنا نصنع هياكلنا الخاصة، ارتكبنا أخطاء كثيرة، ديناميكية هوائية وبنيوية، سبّبت لنا مشاكل مستمرة. لمدة شهر ونصف أو شهرين كنا نحطّم طائرات في ميدان الرماية حتى قال لنا الزبون: “لقد أطلتم، حان وقت القتال”. قلنا إننا لم نبدأ الطيران الصحيح بعد، لكن وحدة “ألفا” لم تكن مهتمة بذلك، بل كانت تريد نتائج».

نُفّذت أول طلعة قتالية في أكتوبر/تشرين الأول 2024. من بين ثلاث مسيّرات «ميتش 2000» أُطلقت، أُسقطت واحدة، وأخطأت الثانيتان هدفيهما بنحو عشرة أمتار. ومع ذلك اعتبرت «ألفا» النتيجة كافية ووافقت على الإنتاج. الهيكل من نوع «الجناح الطائر»، أي أن جسم المسيّرة نفسها هو الجناح. وتُوزن الهياكل المكتملة كخطوة أخيرة، ضمن عشرات خطوات الفحص التي تعتمدها الشركة للتأكد من دقة التصنيع. وقال المالك: «أهم شيء بالنسبة إلي قابلية تكرار التكنولوجيا. فكلما كان الهيكل أخف، حمل وقودًا أكثر، وقلّت المشاكل أثناء الطيران. أي ملليمتر، أو فاصلة موضوعة في غير مكانها في الكود، يمكن أن تسبب خطأ».

تضم قائمة المنتجات الآن ثمانية إصدارات لمهام «الضربة العميقة» أو «الضربة المتوسطة»، بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر ورأس حربي يتراوح بين 25 و60 كيلوغرامًا. يمكن للمشغّل اختيار الاتصالات التماثلية أو الرقمية أو عبر «ستارلينك»، إضافة إلى أنواع مختلفة من الرؤوس الحربية وخيارات التوجيه. كانت النسخة الصينية الأصلية تكلف نحو 50 ألف دولار، بينما يبدأ سعر النسخة الأوكرانية من 48 ألف دولار، ويرتفع بحسب الإضافات مثل التوجيه النهائي وهوائيات «سي آر بي إيه» المقاومة للتشويش.

يقرأ  ترامب: تينيسي التالية لإعادة ترسيم الدوائر بعد حكم بشأن قانون حقوق التصويت الأمريكيأخبار انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2026

على مدى عامين، بنت الشركة شبكة من عشرات المورّدين يصنعون المحركات والرؤوس الحربية والهياكل ولوحات الإشعال ومعززات صاروخية بوقود خاص. أما هوائيات «سي آر بي إيه» التي لا ينتجها إلا عدد قليل من المصنّعين، فما تزال مستوردة، ويتراوح سعرها بين 20 و25 ألف دولار حسب عدد الوحدات. وبدون هذا الهوائي تصل نسبة التصنيع المحلي لمسيّرة «ميتش 2000» إلى نحو 85 بالمئة من حيث التكلفة، لكن عند تركيب الهوائي تنخفض إلى 55 بالمئة.

قال مالك الشركة إن حادثة مزعجة وقعت عندما أحرقت معززات من طرف ثالث معدات قيمتها نحو مليون دولار. وأضاف: «بعد ذلك مُنعنا من الإطلاق على تلك المعززات. ذهبنا إلى ميدان الرماية، وأطلقنا أول طائرة، لكن المعزز لم يعمل بشكل صحيح وأعطى دفعة أكبر مما يجب. عمل الكيميائيون والمهندسون طوال الليل وأعادوا تصميم الصواريخ في المكان نفسه. في اليوم التالي أقلعت ثلاث طائرات. بعدها بدأنا نوسّع العمليات ونعتمد على معززاتنا الخاصة».

تنتج الشركة نحو ستة آلاف مسيّرة سنويًا، وهو جزء صغير من مئة ألف مسيّرة تستهدف الشركة الأوكرانية «فاير بوينت» إنتاجها سنويًا. وعلى عكس «إف بي-1» التي تستخدمها وحدات متعددة، فإن «ميتش 2000» لها زبون واحد. وقالت الشركة: «نعرف أن مسيّراتنا لن تطير إلى مستنقعات في مكان ما. إنها ستصل إلى هدف محدد، لأن “ألفا” تعتمد على التحليل والنتائج».

رصدت «أوبورونكا» ثمانية مقاطع فيديو على الأقل تظهر «ميتش 2000» أثناء الطيران أو أثناء إصابة الأهداف. وقال رئيس الشركة إن «ألفا» أطلقت آلاف المسيّرات وضربت مئات الأهداف في الأراضي الأوكرانية المحتلة وداخل روسيا، من بينها ضربات على موسكو، وتدمير قاذفة استراتيجية من نوع «تو-95 إم إس» في مطار إنجلز، ومركز شحن تابع لشركة «وايلدبيريز» في منطقة ريازان، ونظام حرب إلكترونية قرب مقر إقامة فلاديمير بوتين في غيلينجيك، وضربة على قاعدة بحرية تابعة لأسطول البلطيق الروسي. كما أكدت صور الأقمار الاصطناعية أن الجزء الخلفي من القاذفة «تو-95 إم إس» دُمّر بشكل لا يمكن إصلاحه. وكانت منصة «ميليتارني» الأوكرانية قد ذكرت أن «ميتش 2000» ضربت مصنعًا بصريًا وميكانيكيًا في أزوف الروسية في الرابع من يوليو/تموز. أما أكبر ضربة واحدة فكانت على ميناء أوست-لوغا، حيث وصلت أكثر من عشرين مسيّرة إلى أهدافها.

يقرأ  البابا ليو يدعو الكاميرونيين إلى نبذ العنف تزامناً مع مشاركة ١٢٠ ألف في القداس | أخبار الدين

قال رئيس الشركة ضاحكًا: «في هجوم واحد بمسيّرات موجهة، وصل عدد كبير منها إلى منطقة الهدف حتى لم يعد هناك ما يكفي من الأهداف. حتى إنها طاردت منظومة “بانتسير” للدفاع الجوي على الطريق بعد أن أطلقت كل ذخيرتها».

تعمل الشركة الآن على تطوير «ميتش+»، وهي نسخة «ضربة متوسطة» من دون الأجنحة الأمامية الصغيرة، تحمل رأسًا حربيًا وزنه 70 كيلوغرامًا مع توجيه نهائي، ومدى يصل إلى 600 كيلومتر، بسعر يقارب 40 ألف دولار. وتخطط لرفع الإنتاج السنوي إلى عشرة آلاف مسيّرة، وتوظف عمالًا وتضيف مواقع إنتاج، وتستثمر نحو مليون دولار شهريًا في البحث والتطوير.

وبما أن «ألفا» هي الزبون الوحيد، تقول الشركة إن تمويل توسّعها أمر صعب، وإنها تبحث عن إنتاج مشترك مع دول البلطيق ضمن برنامج «ابنوا مع أوكرانيا» للاستفادة من التمويل الأوروبي. وقال رئيس الشركة: «بصراحة، لا أريد التخمين بعد الآن ماذا سيحدث بعد عشرة آلاف. أنا فقط أريد أن تنتهي الحرب. لكن إذا كان علينا مواصلة العمل، فسنواصل العمل».

أضف تعليق