واشنطن تهدد بفرض حصار مفتوح على إيران.. إلى متى يستمر؟

هددت الولايات المتحدة بالإبقاء على حصار بحري “إلى أجل غير مسمى” على الموانئ الإيرانية، وفرض إجراءات جديدة لعزل إيران اقتصادياً، في وقت تظل فيه محادثات وقف إطلاق النار بين البلدين في حالة جمود.

غير أن مشرّعين أميركيين أطلقوا هذا الأسبوع تحذيرات بعد تقارير عن أوضاع مزرية على متن حاملة الطائرات الرئيسية “يو إس إس أبراهام لينكولن”، منها روايات عن محاولات بحارة لإلقاء أنفسهم في البحر.

كذلك، ورغم تأكيدات الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة “تسيطر بالكامل” على مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي أغلقته إيران في مطلع مارس/آذار بعد اندلاع الحرب بوقت قصير، لم تتمكن سوى سفن قليلة من عبوره هذا الأسبوع.

وقالت الهيئة الإيرانية لمضيق هرمز في منشور على منصة إكس، الأربعاء: “الادعاءات والمنشورات المتكررة من المسؤولين الأميركيين بأن مضيق هرمز لم يعد مغلقاً لا تغيّر الواقع”. وأضافت: “المضيق ما زال مغلقاً، ولن يُعاد فتحه حتى تُقبل الشروط الإيرانية”.

فكم تستطيع الولايات المتحدة حقاً أن تواصل هذا الحصار؟ وهل يمكن لإيران أن تكتفي بالانتظار؟

هذا ما نعرفه حتى الآن:

ما قالته الولايات المتحدة

قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الخميس، للصحافيين خلال زيارة إلى بنما، إن الجيش الأميركي قادر على الحفاظ على وجود بحري في المنطقة “إلى أجل غير مسمى” لفرض حصار على الموانئ الإيرانية. وأوضح أن البحرية الأميركية يمكنها إدامة هذا الحصار عبر تدوير السفن، كما فعلت سابقاً وستواصل القيام به.

من جهته، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت في مقابلة مع “نيوزماكس” يوم الخميس، إن الولايات المتحدة ستفرض إجراءات اقتصادية جديدة للضغط على إيران. وأضاف أن “مزيجاً من العزل الاقتصادي غير المسبوق في التاريخ، والحصار المستمر في مضيق هرمز، سيمنع أي شيء من الدخول إلى الموانئ الإيرانية أو الخروج منها”.

ما سبب القلق بشأن الأوضاع على متن “أبراهام لينكولن”؟

أُثيرت تساؤلات عن الأوضاع على متن حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن”، وهي الحاملة الرئيسية للولايات المتحدة، وتنفذ عمليات أمن بحري وحصار قرب مضيق هرمز.

ونقلت صحيفتا “نيفي تايمز” و”ستارز آند سترايبس” عن أفراد عائلات عسكريين على متن السفينة أن العسكريين يعانون من تدهور الصحة النفسية والروح المعنوية، مع تسجيل حالات من الأفكار الانتحارية. وقالت “نيفي تايمز” إن زوجة أحد البحارة، واسمها أنابيل لوما، صرّحت بأن زوجها حاول إلقاء نفسه في البحر وسط ما وصفته بـ”إرهاق شديد”.

ودفعت هذه التقارير أعضاء في الكونغرس إلى توجيه أسئلة عاجلة.

وفي رسالة إلى هيغسيث، كتب السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال أن الحاملة، التي أبحرت من سان دييغو، كاليفورنيا، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وعلى متنها أكثر من 5,000 من البحارة ومشاة البحرية الأميركيين، أصبحت الآن “في البحر بشكل متواصل لفترة قياسية تبلغ نحو سبعة أشهر”، وهي مدة تتجاوز أي انتشار سابق لحاملة طائرات أميركية دون التوقف في ميناء.

يقرأ  مصنّع أسلحة أوكراني يطور طائرة مُسيّرة غير قابلة للتشويش بمدًى يصل إلى ١٠٠ كيلومتر«الحرب تغيّرت»

ونبّه بلومنتال إلى تقارير عن تدهور الصحة النفسية على متن السفينة، ونقص في الإمدادات الأساسية، وتلوث المياه، وزيادة في الحوادث المتعلقة بالسلامة، وانقطاع في خدمة البريد التي تصل عبرها الطرود إلى من على متن السفينة.

وكتب أن هذه التقارير تستحق اهتماماً فورياً، وتطرح سؤالاً أوسع حول ما إذا كانت البحرية قادرة على تحمل الوتيرة العملياتية المطلوبة من أسطول حاملات الطائرات، خاصة مع تكرار إشراك هذه الإدارة القوات الأميركية في صراعات من اختيارها، واعتمادها المتزايد على حاملات الطائرات لمواصلة تلك العمليات.

وأمام ذلك، طالب السيناتور تشاك شومر، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، بإقالة هيغسيث بسبب طريقة تعامله مع ملف الحاملة. وكتب على منصة إكس أن “الجميع كان يعلم” أن هيغسيث “غير كفء تماماً”، وأن البحارة “يدفعون الثمن الآن بطريقة مروعة وغير مفهومة”، مضيفاً “يجب إقالة بيت هيغسيث فوراً”.

كما طالب نواب من كاليفورنيا بقيادة النائب مايك ليفين، هيغسيث والقائم بأعمال وزير البحرية هونغ كاو، بتقديم توضيحات حول الوضع على متن الحاملة.

وقال ليفين في منشور على إكس إن رسالة موقعة من أربعة نواب أكدت أن “الخطط الجارية لإراحة حاملة الطائرات لينكولن غير كافية”، وطالبت وزارة الدفاع بمعلومات واضحة وصادقة عن الإخفاقات التشغيلية التي أدت إلى المشاكل على متنها، لضمان ألا يتكرر هذا أبداً. وتضمنت الرسالة أسئلة عن سبب عدم معالجة الأوضاع غير الصحية فوراً، وعدم حصول العسكريين على دعم نفسي كافٍ، وعدم إبلاغ العائلات والمسؤولين الحكوميين المعنيين بالمشاكل مبكراً.

أما هيغسيث فرفض التقارير المتعلقة بتدهور الأوضاع على متن الحاملة، ووصفها بأنها “تحريف كامل للحقائق”.

كما ظهرت أسئلة إضافية بعدما تداولت وسائل إعلام، خصوصاً إيرانية، أنباء عن مقتل سبعة من أفراد البحرية الأميركية وإصابة آخرين بجروح في شجار على متن “أبراهام لينكولن”. ونفت الولايات المتحدة ذلك بشدة. نفت القيادة المركزية الأمريكية يوم الجمعة ما تردد عن وقوع وفيات على متن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، أو إصابة بعض البحارة بأفكار انتحارية. وقالت في منشور على منصة “إكس” إن بحارة وجنود مشاة البحرية في مجموعة حاملة الطائرات ما زالوا صامدين وعاقدين العزم بعد أكثر من 260 يوماً في البحر. وأضافت أنه لم يمت أي جندي على متن الحاملة، وأن البحار الذي سقط في البحر في الثالث من أغسطس/آب تم إنقاذه بسرعة وبأمان.

يقرأ  ترامب: لن نسمح لإيران بالحصول على اليورانيوم المُخصب أخبار الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران

هل تستطيع البحرية الأمريكية الصمود طويلاً؟

تقول إدارة ترامب إنها ستقوم بتدوير السفن لتخفيف الضغط على قواتها البحرية في الخليج، وقد أشارت تقارير يوم الجمعة إلى أن حاملة الطائرات “جورج واشنطن” الموجودة حالياً في المحيط الهادئ بدأت التوجه نحو الشرق الأوسط. غير أن خبراء يرون أن السفن الموجودة في الخليج بقيت هناك مدة طويلة من دون راحة.

وقال هارلان أولمان، وهو ضابط بحري كبير متقاعد ورئيس مجموعة “كيلوين” الاستشارية، إن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” تحتاج إلى صيانة دورية في الميناء، نظراً لكونها سفينة معقدة ومتقدمة تقنياً. وأوضح أولمان في حديث لشبكة الجزيرة أن السفن تحتاج إلى عناية على اليابسة لإبقاء تقنياتها المتطورة تعمل على مدى فترات طويلة. وأشار إلى أن بعض أعمال الصيانة لا يمكن تنفيذها أثناء الإبحار، ورغم وجود أعمال كثيرة يمكن القيام بها في البحر، إلا أن أعمالاً أكثر لا تتم إلا في الميناء.

وأضاف أن الانتشار الطويل، مثل تسعة أشهر لـ”أبراهام لينكولن”، يؤدي إلى تآكل جاهزية السفينة وكفاءتها كلما طال بقاؤها في البحر، ويحدّ من قدرتها على إجراء الإصلاحات والصيانة. وشدد على أن إدارة ترامب يجب أن تضع الجاهزية البحرية فوق الاعتبارات السياسية، قائلاً: “هذه قضية وطنية وليست محلية، ولا ينبغي للإدارة أن تكون في موقف دفاعي. كان الأجدر بها أن تقول: حسناً، سنرى ما الذي يحدث، وإن كانت هناك مشاكل فسوف نتعامل معها.”

هل تستطيع إيران تحمّل الحصار الأمريكي على موانئها؟

تأمل الولايات المتحدة في إضعاف الاقتصاد الإيراني عبر إبقاء الحصار البحري. وقد أشار ترامب أكثر من مرة إلى أنه يفضّل الاعتماد على خنق الاقتصاد الإيراني بدلاً من العودة إلى هجوم عسكري، وسط تقارير عن أن مخزون الولايات المتحدة من الذخائر الدفاعية قد ينفد، وهو ما نفاه الرئيس الأمريكي. وقال ترامب في مقابلة مع موقع “أكسيوس” في التاسع من أغسطس/آب إن واشنطن تتعامل مع الأمر بهدوء في مقاربتها للحرب على إيران. وفي اليوم التالي، زعم أن إيران في “وضع سيئ للغاية” مالياً، مستشهداً بارتفاع التضخم وصعوبة دفع رواتب جنودها، وعزا ذلك إلى الحصار البحري المفروض.

وأدى الحصار إلى خنق أهم مصدر دخل لإيران، وهو النفط الخام. وتشير التقارير إلى أن إيران خسرت ما لا يقل عن 6 مليارات دولار من عائدات النفط منذ بدء الحصار في 13 أبريل/نيسان، وهو ما وصفته طهران بأنه “قرصنة”.

غير أن خبراء يرون أن إيران في وضع أقوى مما تدّعي أمريكا. وقال علي واعظ، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “مجموعة الأزمات الدولية”: “يمكن لإيران أن ترفع الرهان عبر استهداف الأصول البحرية الأمريكية، أو بالدفع بالحوثيين في اليمن لتشديد الخناق على صادرات الطاقة الإقليمية”. وأضاف أن طهران تحسب أن الولايات المتحدة هي التي تراجعت أولاً في كل مواجهة معها، ولا ترى سبباً للاعتقاد بأن هذه المرة ستكون مختلفة. ويلاحظ مراقبون أنه منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، هدد ترامب في أكثر من مناسبة باتخاذ إجراء عسكري ضد طهران قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة.

يقرأ  كيف تتجنب الولايات المتحدة حدوث انفجارات في اختبارات نووية «محدودة»؟ — أخبار الأسلحة النووية

ويقول خبراء إن سيطرة إيران على مضيق هرمز تشكل ورقة ضغط كبيرة. فقد كررت طهران أنها لن تعيد فتح هذا الممر المائي الحيوي حتى يُرفع الحصار البحري، وتُلغى العقوبات، ويُفرج عن أصولها المجمدة. وفي هذا السياق، قال قائد القوة البحرية للحرس الثوري الإيراني، الأدميرال علي عظمائي، الخميس، في تصريح نقلته وكالة “تسنيم”: “لدينا سيطرة كاملة وحاسمة على كل التحركات. لا حركة في هذا المضيق تمر دون أن يلاحظها مقاتلو بحرية الحرس الثوري”.

ويرى مصطفى خوشتششم، أستاذ في جامعة العلوم التطبيقية والتكنولوجيا في طهران، أن إيران تعتبر نفسها في حرب اقتصادية مع أمريكا وليست حرباً عسكرية. وقال للجزيرة: “إيران تعرف أنها إذا أرادت هزيمة الولايات المتحدة فيجب أن تخوض حرباً غير متكافئة، وفي هذه الحرب الاقتصادية يكون مضيق هرمز هو الأهم”. وأضاف أن إيران تأمل أيضاً في أن تعترف واشنطن بالهزيمة وتغادر المنطقة.

وهناك جانب آخر، وهو الضغط الاقتصادي الذي تمارسه إيران على دول الجوار عبر هجمات على أصول عسكرية أمريكية موجودة لديها، وكذلك على البنية التحتية ومنشآت الطاقة. وقال مهران كامرافا، أستاذ الحكومة في جامعة جورجتاون في قطر، للجزيرة هذا الأسبوع: “ما نراه هو أن الإيرانيين يحاولون الضغط اقتصادياً على دول الجوار، وخصوصاً دولاً مثل قطر والإمارات والسعودية والكويت، لكي تضغط بدورها على أمريكا للتفاوض مع إيران”.

وأعرب كامرافا عن تشككه في جدوى الضغط الاقتصادي الأمريكي على إيران، خاصة أن القادة الإيرانيين لا يواجهون الضغوط السياسية الداخلية نفسها التي تواجهها إدارة ترامب. وقال: “طهران تحت ضغط اقتصادي هائل، لكن يجب أن نتذكر أن النظام السياسي الإيراني قمعي في نهاية المطاف، وصناع القرار فيه لا يهتمون مباشرة بمعاناة الطبقات الوسطى. إنهم يريدون البقاء في السلطة، لذلك لست متأكداً من أن هذا التكتيك سينجح في هذه المرحلة”. المقال المصدر غير مرفق في طلبك، لذا لا يمكنني إعادة كتابته. يرجى إرسال النص الأصلي لأتمكن من إعادة صياغته بالعربية.

أضف تعليق