وجّه سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، انتقادات لاذعة لمستوطنين إسرائيليين يفرضون حصاراً على ثلاث عائلات فلسطينية في قرية قصرة بالضفة الغربية المحتلة، قرب نابلس، ووصفهم بأنهم “إرهابيون إسرائيليون”. ويأتي هذا الحصار في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي عملياته في جنين، ويمنع وصول المساعدات إلى الفلسطينيين في المخيم لليوم الرابع على التوالي.
فما الذي قاله هاكابي عن عنف المستوطنين في الضفة الغربية؟ وما مدى أهمية هذه التصريحات؟
هاكابي معروف بأنه حليف قوي لإسرائيل، وأعرب سابقاً عن دعمه للمستوطنات في الضفة الغربية المحتلة رغم أنها غير قانونية بموجب القانون الدولي. لكنه خرج يوم الخميس بتصريحات ناقدة بشكل غير معتاد، بعد أن حاصر مستوطنون ثلاثة منازل فلسطينية في قرية قصرة، بينها منزل يعود لأمريكي يحمل الجنسية المزدوجة.
وكتب هاكابي في منشور على منصة إكس: “الأفعال التي قام بها من نفذوا هذا العمل الإرهابي المروع، بهدف ترهيب هذه العائلة ومضايقتها، مثيرة للاشمئزاز. لا عذر لمثل هذا السلوك البلطجي”. وأضاف أن السفارة الأميركية كانت “منخرطة للغاية”، وأن الجيش الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية “توجها بطلب منا لإزالة الإرهابيين الإسرائيليين الذين يقومون بذلك”. كما نشر مقطع فيديو لموكب من المركبات العسكرية والشرطية، قال إنهم يزيلون “متطفلين غير قانونيين موجودين هناك لترهيب السكان الفلسطينيين”.
عادةً ما يدين المسؤولون الأميركيون عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية بشكل عام، لكنهم لم يصفوا أفعال المستوطنين بأنها “إرهاب” أو يطلقوا عليهم صفة “إرهابيين”. لذلك يعتبر اختيار هاكابي لهذه الكلمات من أقوى الانتقادات العلنية التي يصدرها سفير أمريكي لدى إسرائيل ضد هجمات المستوطنين.
أما في قصرة، فيقول السكان الفلسطينيون إنهم قطع عنهم الماء والكهرباء والإمدادات الأساسية الأخرى خلال الحصار، الذي يصفونه بمحاولة من المستوطنين للاستيلاء على أراضيهم. وقال لؤي الريدي، وهو فلسطيني أمريكي يقيم في توليدو بالولايات المتحدة لكنه يملك منزلاً في القرية، إن أخاه قصي أبا رضا وابن أخيه أحمد البالغ من العمر 18 عاماً من بين المحاصرين. وأضاف أن أخاه “لا يريد مغادرة المنزل، لأنه إذا غادره سيسيطر المستوطنون عليه فوراً”. وتعتمد الأسرة حالياً على نظام شمسي مؤقت للكهرباء، وعلى مياه متبقية من بئر منذ الشتاء بعد قطع خطوط الإمداد.
كما أدانت وكالة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ووزارة الخارجية الفلسطينية حصار المستوطنين في قصرة يوم الخميس. وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان: “هذه الأعمال الإجرامية التي يقوم بها المستوطنون، بدعم أو بقبول من إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، تجعل الحياة لا تطاق لهذه العائلات الفلسطينية، وتهدف بوضوح إلى إجبارهم على مغادرة منازلهم وأرضهم”. وأفادت المفوضية بأن العائلات الثلاث، التي تضم 15 شخصاً بينهم طفلان، محتجزة في منازلها منذ يوم الأحد مع قطع الماء والكهرباء عنها. وحذرت من أن “الوقت ينفد أمام هذه العائلات الثلاث قبل أن يتم تهجيرها قسراً”.
وأشارت نيدا إبراهيم، مراسلة الجزيرة من مكان الحصار، إلى أن الجنود الإسرائيليين حاولوا في البداية إخراج العائلات المحاصرة من منازلها بينما بقي المستوطنون في الخارج. لكن العائلات رفضت، لأنها لا تثق بأن الجنود سيسمحون لها بالعودة إلى منازلها، وفي النهاية جُمعت العائلات في منزل واحد. وقالت المراسلة إن السكان شاهدوا في الماضي مستوطنين يطردون عائلات ثم يستولون على ممتلكاتها.
وأوضحت إبراهيم أن قصرة تواجه هجمات المستوطنين منذ عقود، ويربط السكان زيادة العنف بانتشار المستوطنات غير القانونية وعدم مساءلة المهاجمين.
أما بخصوص رد السلطات الإسرائيلية، فتقول وسائل إعلام إسرائيلية إن السلطات تحاول إدارة الحصار عبر إبعاد المستوطنين من المنطقة، لكن نجاحها محدود. وذكرت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” أن القوات والشرطة الإسرائيلية حاولت “إخلاء المستوطنين” صباح الخميس بعد محاولة فاشلة في اليوم السابق. وبقي المستوطنون، الذين استخدموا الصخور والخيام لإغلاق المنازل الفلسطينية، في المنطقة يوم الخميس.
لكن على الرغم من أن هاكابي نشر فيديو للقوات الإسرائيلية وهي تصل للتعامل مع المستوطنين لإظهار أن إجراءً يتخذ، يبقى الفلسطينيون متشككين. وقالت إبراهيم إن معظم الفلسطينيين يعتقدون أن الجيش الإسرائيلي “يمثل استجابته لحصار المستوطنين للكاميرات”، ويتوقعون أن يعود المستوطنون في النهاية حتى لو أُزيلوا الآن.
وقال عبد العظيم وادي، رئيس بلدية قصرة، للجزيرة إن الجيش الإسرائيلي يحمي المستوطنين ويساعدهم: “رأيناهم يصلون معاً، ويشوون الطعام معاً، ويرقصون معاً. إنهم ليسوا مهتمين بمساعدة العائلات المحاصرة”.
تاريخياً، مولت الحكومة الإسرائيلية المستوطنات وبنتها بشكل علني ليعيش فيها اليهود. وخلال السنوات الماضية، يشغّل الجيش الإسرائيلي خطاً ساخناً يسمى “غرفة الحرب C”، يمكن للمستوطنين الاتصال به للإبلاغ عن البناء الفلسطيني في المنطقة “ج”، التي تشكل نحو 60 بالمئة من الضفة الغربية وتخضع بالكامل للسيطرة العسكرية والمدنية الإسرائيلية. كما تسمح قوانين إسرائيلية مختلفة للمستوطنين بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، إذ أعلنت إسرائيل نحو 26 بالمئة من أراضي الضفة الغربية “أراضي دولة”، ويمكن بناء المستوطنات عليها، كما استخدمت وسائل قانونية لمصادرة ممتلكات فلسطينية بحجة “الحاجات العامة” مثل الطرق والمستوطنات والحدائق.
وفيما يتعلق بموقف الحكومة الإسرائيلية من المستوطنين، فقد جرى أحياناً اتخاذ إجراءات ضد مستوطنين عنيفين، لكن الفلسطينيين يقولون إن القوات الإسرائيلية عادة ما تدعمهم. وظهرت مؤخراً مقاطع فيديو من قصرة تظهر جنوداً إسرائيليين وهم يصلون إلى جانب مستوطنين يفرضون حصاراً على العائلات هناك. لم تتمكن الجزيرة من التحقق من هذا الفيديو بشكل مستقل.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو الأطول خدمة في منصب رئيس الوزراء في إسرائيل، وسّع المستوطنات غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ وصوله إلى السلطة لأول مرة في عام 1996. ويحظى المستوطنون بدعم نشط من أعضاء متشددين في حكومته، بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يعيش هو نفسه في مستوطنة غير قانونية.
ومع انتخابات مقررة في أكتوبر/تشرين الأول، يعتمد نتنياهو على دعم المستوطنين واليمين المتطرف للبقاء في السلطة. ويرى محللون أن هذا الوضع يجعل من الصعب على حكومته كبح عنف المستوطنين أو تفكيك البؤر الاستيطانية حتى لو أرادت ذلك.
وفي يوم الجمعة، تعهّد وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، المعروف بتأييده للمستوطنين، بـ”مواصلة تحويل المدن والمستوطنات إلى مناطق مؤهلة لحمل الأسلحة النارية”، وحث الإسرائيليين على “الذهاب والتسلح”، وذلك بعد أن أوصى المستشار القضائي للحكومة بإغلاق ملفات التحقيق ضد موظفين في مكتبه.
### لماذا يوجد مستوطنون في الضفة الغربية؟
المستوطنون هم مواطنون إسرائيليون يعيشون على أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية. وقد بُنيَت الغالبية العظمى من المستوطنات كلياً أو جزئياً على أراضٍ فلسطينية خاصة مسروقة. ويُقدَّر عدد المستوطنين بأكثر من 700 ألف في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
غالباً ما يُقيم المستوطنون بؤراً استيطانية قرب التجمعات الفلسطينية، ثم يضايقون السكان من خلال قطع المرافق وإتلاف بساتين الزيتون والماشية وتنفيذ هجمات متكررة، حتى ترحل العائلات. وفي وقت لاحق، تُوسَّع هذه البؤر، وكثيراً ما يُصادق عليها بأثر رجعي كمستوطنات رسمية. وقد تتراوح البؤرة الاستيطانية بين كوخ صغير يسكنه عدد قليل من الأشخاص ومجتمع يصل عدد سكانه إلى 400 شخص.
ينتقل بعض المستوطنين إلى الأراضي المحتلة لأسباب دينية، بينما ينجذب آخرون إلى انخفاض تكاليف المعيشة نسبياً والحوافز المالية التي تقدمها الحكومة. ويشكل اليهود المتشددون ثلث جميع المستوطنين.
وقال ناصر خضور، مساعد مدير الأبحاث لمنطقة الشرق الأوسط في مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها (ACLED)، إن عام 2026 هو حتى الآن أكثر الأعوام دموية من حيث عنف المستوطنين منذ أن بدأ المشروع تتبع الحوادث في فلسطين قبل عقد من الزمن. ونُقل عنه في مايو/أيار على موقع المشروع قوله إن الحوادث شملت “هجمات على الفلسطينيين، وتدمير ممتلكات، وإلحاق أضرار بمعدات ومرافق زراعية، واقتلاع أشجار، ورعي في أراضٍ زراعية فلسطينية، وحوادث نهب شملت سرقة معدات وأغنام ومحاصيل”.
### ما مدى سرعة نمو المستوطنات في الضفة الغربية؟
تحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967. ويعيش هناك أكثر من 500 ألف مستوطن إسرائيلي، باستثناء القدس الشرقية، وسط نحو ثلاثة ملايين فلسطيني.
في الشهر الماضي، وافق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على خطة لإنشاء 13 مستوطنة جديدة في وسط الضفة الغربية المحتلة. ووفقاً لبيانات جديدة صادرة عن المنتدى الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، ارتفع عدد المستوطنات غير القانونية الجديدة بشكل كبير مؤخراً. فبعد أن كان متوسط عدد البؤر الاستيطانية نحو ثماني بؤر سنوياً بين عامي 2012 و2022، قفز العدد إلى 32 في عام 2023، ثم إلى 62 في عام 2024، ووصل إلى 86 في عام 2025. لم يتم تضمين النص الأصلي في رسالتك. يرجى إرسال المقال المطلوب إعادة صياغته. لم تصلني المقالة الأصلية التي تطلب إعادة كتابتها. يرجى إرسال النص المطلوب تحريره حتى أتمكن من إعادة صياغته بالعربية الفصحى الميسّرة.