أي تدخّل سوري في لبنان سيكلّف دمشق ثمناً باهظاً | حزب الله

طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأسابيع الأخيرة فكرة تدخل سوري في لبنان لنزع سلاح حزب الله، وكررها أكثر من مرة. ومن الواضح أن واشنطن تريد إبقاء هذا الخيار مفتوحًا أمامها كوسيلة ضغط إضافية على إيران.

لكن دمشق تملك أسبابًا أقوى لرفض التدخل العسكري من الأسباب التي قد تدفعها إليه. فإرسال قواتها عبر الحدود قد يعزز موقف حزب الله سياسيًا، ويزعزع استقرار البلدين معًا، ويعرض سوريا لرد فعل إيراني قد يصل إلى العاصمة نفسها.

حتى الآن، لا توجد رؤية أمريكية معلنة وشاملة لما هو مطلوب من دمشق. التدخل في أضيق صوره قد يعني تشديد السيطرة على الحدود، ووقف تهريب الأسلحة والمقاتلين، وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الجيش اللبناني. أما السيناريو الأخطر فيتضمن دخول قوات سورية للمشاركة في نزع سلاح حزب الله أو السيطرة على مناطق تواجده في جنوب لبنان.

تكرار ترامب للفكرة يبدو أقرب إلى ممارسة ضغط سياسي منه إلى كشف عن عملية عسكرية وشيكة. فإثارة احتمال وجود دور سوري يربك حسابات حزب الله وإيران، ويُظهر تعدد الخيارات الأمريكية، ويزيد الضغط على الحكومة اللبنانية لإثبات قدرتها على وضع كل الأسلحة تحت سلطة الدولة.

لكن ما قد يبدو خيارًا منخفض التكلفة بالنسبة للولايات المتحدة أو إسرائيل، يختلف تمامًا بالنسبة لسوريا. فدمشق هي التي ستدفع ثمن الخسائر البشرية والتداعيات الأمنية، إضافة إلى خطر العودة إلى صراع إقليمي في وقت تراهن فيه القيادة الجديدة على الاستقرار والتعافي الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

سوريا تملك بعض القدرات للتحرك. لها حدود طويلة مع لبنان، ما يعني أن قواتها تستطيع عبور الأراضي اللبنانية بسهولة. كما أن الفصائل التي أصبحت جزءًا من الجيش السوري الجديد كانت قد قاتلت حزب الله سابقًا، وهي تعرف بعض أساليبه ومناطق انتشاره.

يقرأ  دعوة ترامب لتشكيل تحالف بحري لفتح مضيق هرمزهل يمكن أن تنجح؟ — تقرير توضيحي

لكن هذا لا يكفي لخوض عملية واسعة. الجيش السوري ما زال في مرحلة توحيد الفصائل وتنظيم القيادة والتسليح والانتشار. والدولة تواجه تحديات أمنية واقتصادية داخلية، وفتح جبهة خارجية سيستنزف موارد أساسية تحتاجها لمواصلة تطوير مؤسسات الدولة وخدماتها.

القوات السورية قادرة على تنفيذ عمليات محدودة على طول حدودها، وإغلاق طرق التهريب والأنفاق، ومنع تسلل المجموعات المسلحة. لكنها ستجد صعوبة في السيطرة على مناطق داخل لبنان أو إدارة حرب استنزاف في بيئات مأهولة. الدخول إلى لبنان قد يكون أسهل من تحديد شروط الخروج منه، خاصة إذا ارتبط الانسحاب بتسوية سياسية لا تستطيع دمشق وحدها ضمانها.

كما لا يوجد أي ضمان بأن المواجهة ستبقى داخل الأراضي اللبنانية. إيران، للرد، لا تحتاج بالضرورة إلى الدخول في حرب مباشرة مع سوريا؛ فهي تستطيع إدارة المواجهة عبر مجموعات موالية لها في العراق، من خلال استهداف مواقع عسكرية سورية بالمسيّرات والصواريخ، أو تنفيذ عمليات أمنية تستنزف دمشق دون إعلان حرب. ولا يمكن استبعاد احتمال القصف الإيراني المباشر. فالهجوم الإيراني على القوات الأمريكية قرب التنف في جنوب سوريا في يوليو/تموز أظهر أن استخدام إيران للقوة داخل الأراضي السورية لم يعد مجرد احتمال نظري.

سواء أُدير الصراع عبر حلفاء إيران أو تحول إلى مواجهة معلنة تتعرض فيها المنشآت العسكرية أو حتى دمشق لهجمات صاروخية وبالمسيّرات، فإن سوريا ستظهر مرة أخرى أمام المستثمرين كساحة للصراع الإقليمي. وهذا من شأنه أن يقوّض مباشرة أولويات الرئيس أحمد الشرع الأساسية: الحفاظ على الاستقرار، وجذب رؤوس الأموال الخليجية والغربية، وإعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي الدولي، وتحويل رفع العقوبات إلى عملية تعافٍ وإعمار.

لكن بعيدًا عن الاقتصاد، تخاطر سوريا بإهدار الكثير مما أُنجز في بناء قوة عسكرية موحدة جديدة. أي إخفاق عسكري في لبنان قد يعزز الولاءات الفصيلية داخل الجيش السوري، ويمنح قادة الميدان نفوذًا مستقلًا عن القيادة المركزية.

يقرأ  انطلاق الجولة الثانية من محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا في أبوظبي

ثم هناك مشكلة الشرعية. العداء الذي يشعر به كثير من السوريين تجاه حزب الله بسبب دعمه العسكري لنظام بشار الأسد لا يعني أنهم سيقبلون خوض حرب داخل لبنان تخدم أهدافًا أمريكية أو إسرائيلية. إذا ظهرت القوات السورية وكأنها تقاتل لصالح قوى خارجية، فقد تفقد القيادة شرعيتها المحلية والإقليمية، وهو ما سيكون من الصعب استعادته.

كما أن سوريا قد تخاطر بمكانتها الدولية إذا تدخلت في لبنان. فدخول قوات سورية دون طلب رسمي من الحكومة اللبنانية سيعتبر انتهاكًا للسيادة، وسيُعيد إلى الأذهان ذكريات الاحتلال العسكري السوري الذي استمر من عام 1976 حتى عام 2005.

إعادة إحياء تلك الفترة قد تغيّر طبيعة الصراع في لبنان نفسها. فبدلًا من أن يبقى النقاش الداخلي اللبناني منصبًا على شرعية تسلح حزب الله واحتكار الدولة للقوة، سينتقل محور الجدل إلى وجود القوات السورية على الأراضي اللبنانية. وهذا سيقوّي على الأرجح موقف حزب الله، الذي سينضم إلى ائتلاف أوسع من القوى السياسية الرافضة لما سيعتبر انتهاكًا للسيادة اللبنانية.

الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي اللبنانية يزيد الأمور تعقيدًا. فمحاولة نزع السلاح قبل الانسحاب الإسرائيلي ستجعل العملية تبدو وكأنها مفروضة لصالح إسرائيل، مما سيضعف قدرة الحكومة اللبنانية على الترويج لها بين أجزاء من الطائفة الشيعية.

وإذا امتد القتال إلى البقاع أو الضاحية الجنوبية لبيروت أو الجنوب، فقد يتحول إلى صراع داخلي أوسع، خاصة إذا رأت القاعدة الاجتماعية لحزب الله أن الهدف هو تهديد موقعها داخل النظام السياسي، وليس مجرد تفكيك الجناح العسكري للحزب. النتيجة ستكون موجات نزوح جديدة وانهيارًا اقتصاديًا أعمق، مع احتمال اتساع التدخل الإيراني والإسرائيلي. ولبنان غير المستقر سيزعزع استقرار سوريا حتمًا.

لذلك، يبقى التدخل العسكري السوري المباشر احتمالًا غير مرجح. الأمور قد تتغير إذا جاء طلب رسمي من لبنان وتفاهم إقليمي واسع يمنح العملية غطاءً سياسيًا وقانونيًا وعسكريًا.

يقرأ  تحذير عسكري صيني للفلبين: لا استفزازات في بحر الصين الجنوبي

الخيار الأكثر واقعية يبقى عملية داخل الأراضي السورية، تقوم على ضبط الحدود مع لبنان، وإغلاق طرق التهريب والأنفاق، ومنع انتقال الأسلحة والمقاتلين، وتبادل المعلومات مع الجيش اللبناني.

هذا الخيار أقل خطورة وأكثر استدامة. فهو يحد من العمق اللوجستي لحزب الله دون أن يمنحه شرعية مقاومة التدخل الخارجي، ويحافظ على السيادة اللبنانية ويبقي مسؤولية معالجة ملف نزع السلاح على عاتق المؤسسات اللبنانية.

في النهاية، مهما كان الضغط الأمريكي على سوريا للتدخل في لبنان، فإن احتمال بدء حرب جديدة قبل التعافي من الحرب السابقة هو بحد ذاته سبب كافٍ لتمسك دمشق بموقفها.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق