خمس سنوات على حكم طالبان: ماذا حققت وماذا أخفقت؟

بعد خمس سنوات من عودة طالبان إلى كابول، يبدو المشهد مختلفاً. ففي آب/أغسطس 2021 دخلت الحركة المدينة منتصرة، بعد نحو عشرين عاماً على سقوط حكمها الأول إثر الغزو الأميركي لأفغانستان. وغادرت القوات الأميركية والأجنبية على عجل، وسط فوضى وهجوم انتحاري أودى بحياة نحو مئتي أفغاني.

اليوم لم تعد كابول مدينة تعج بالفوضى، ولا تحيط بها الجدران الخرسانية التي كانت تنتشر للحماية من التفجيرات، ولا تجوب شوارعها قوافل مسلحة تعطل حركة السير. لقد أصبحت أنظف وأهدأ، وتحاول أن تستعيد إيقاع الحياة من جديد.

في هذه الذكرى، يجدر بنا أن ننظر إلى ما حققته طالبان، وما أخفقت فيه، وما قد تحمله السنوات القادمة.

ما أحسنت طالبان فعله

كان أحد أكبر إخفاقات طالبان في فترة حكمها الأولى بين 1996 و2001 هو عجزها عن بسط السيطرة على كامل أفغانستان. والمقاطعات التي قاومت حكمها تحولت لاحقاً إلى قواعد انطلق منها الأميركيون وحلفاؤهم لمحاربتها.

يبدو أن طالبان مصممة على عدم تكرار هذا الخطأ. فهي تسيطر اليوم على كامل البلاد، وتتمكن من حفظ الأمن والاستقرار النسبي. وهذا إنجاز لافت إذا ما تذكرنا التهديد الذي كان يشكله تنظيم “الدولة الإسلامية – ولاية خراسان” في السنوات الأخيرة من حكم الحكومة الموالية للولايات المتحدة.

لقد أضعفت طالبان التنظيم بشكل كبير، ولا تواجه حالياً أي تحدٍّ متمرد كبير. يستطيع الأفغان السفر إلى مناطق كانت في السابق شبه مغلقة، دون خوف على حياتهم. وبالنسبة لبلد كان حتى التنقل داخل العاصمة فيه خطراً، فهذا تقدم حقيقي.

أما الصورة الاقتصادية فتبدو أكثر تعقيداً. فخلال العقدين اللذين سبقا عودة طالبان، كانت الأنشطة الاقتصادية تعتمد بشكل كبير على المساعدات الدولية، بينما قوضها الفساد وانعدام الأمن. ومن الطبيعي أن يعاني اقتصاد يعتمد على الخارج عندما اختفى معظم الدعم الخارجي بين ليلة وضحاها.

يقرأ  الفلسطينيون يُجبرون على دفع تكاليف إجلائهم من غزة | أخبار دونالد ترامب

لكن طالبان تمكنت من إبقاء الاقتصاد الأفغاني واقفاً رغم الصدمة الهائلة في 2021. ويبدو أن أفغانستان وصلت إلى توازن منخفض. فقد سمح تحسن الأمن بنشاط اقتصادي أكبر، بما في ذلك استخراج الموارد الطبيعية. والعائدون من اللاجئين جلبوا معهم رؤوس أموال، وفي بعض الحالات استثمارات تجارية. كما أدى تحسين الجمارك وتحصيل الضرائب إلى زيادة الإيرادات المحلية، فيما يواصل الأفغان في الخارج إرسال مليارات الدولارات كتحويلات مالية.

وساعد أيضاً تحسن العلاقات والتجارة مع الدول المجاورة، خاصة في آسيا الوسطى. وتعمل حكومة طالبان على مشاريع بنية تحتية كبيرة، مثل قناة قوش تبة، وأنبوب غاز تركمانستان–أفغانستان–باكستان–الهند (تابي)، وتوسعة شبكات نقل الكهرباء مع أوزبكستان. وهناك أيضاً أعمال طرق وبناء كثيرة أنجزت أو لا تزال جارية في أنحاء البلاد، وتمنح الأفغان العاديين بعض الأمل.

غير أن حكومة طالبان لا تزال غير شفافة فيما يتعلق بالمالية العامة، وغير راغبة في توطيد المؤسسات الحكومية. وهذا يحد، إلى حد ما، من قدرتها على معالجة مشاكل هيكلية عميقة مثل المساءلة والفساد.

ما الذي أخطأت فيه؟

يتمثل الإخفاق الأكبر لطالبان في سياساتها الاجتماعية.

شهدت السنوات الخمس الماضية سلسلة مراسيم تقيد النساء والفتيات، وعززت سمعة أفغانستان كأكثر بلدان العالم تطرفاً في استبعاد المرأة. وإن حرمان الفتيات الأفغانيات من التعليم الحديث الرسمي بعد الصف السادس هو عار على المجتمع وخسارة للاقتصاد.

بدأت العواقب تصبح صعبة التجاهل. فالبلد يعاني من نقص في الطبيبات والمعلمات وغيرهن من المهنيين. والتناقض واضح: قيادة طالبان تقول إن المدارس ليست آمنة أو مناسبة بما يكفي للفتيات، بينما البلاد في حاجة متزايدة إلى نساء يشغلن وظائف أساسية لا يمكنهن التدرب عليها.

كما تراجع نوع التعليم عموماً، إذ لم يُولَ اهتمام كافٍ للإبقاء على المعلمين والأساتذة المؤهلين. وفي المقابل، تكاثرت المدارس الدينية وأصبحت تبدو النموذج المفضل لدى الحكومة. فالتعليم الديني له مكانة مشروعة في المجتمع الأفغاني، لكنه لا يمكن أن يعوض نظام تعليم عصري.

يقرأ  كيف كسّر ناريندرا مودي الحواجز بين الهند وإسرائيل — على حساب الفلسطينيين

وفي قلب هذه السياسات، تتسع رقعة “الشرطة الأخلاقية”، أي فكرة أن على الدولة تنظيم مجالات من الحياة كان المواطنون يعتبرونها خصوصية. وهذا لم يغير فقط طريقة عيش الأفغان، بل عمق الهوة بين الحكومة وقطاعات واسعة من السكان.

كما فشلت طالبان في جعل حكومتها أكثر شمولاً لمكونات المجتمع الأفغاني الأخرى. وحتى داخل الحركة، قام الزعيم الأعلى هيبة الله آخندزاده بتهميش شخصيات بارزة. وكثيرون ممن فاوضوا ووقعوا اتفاق الدوحة أُبعدوا عن مواقع النفوذ أو دُفعوا جانباً.

وقد أدى تركز السلطة الناتج عن ذلك إلى إبطاء العمل الحكومي، وتركيز رؤية مجموعة صغيرة حول الزعيم الأعلى وهي التي تهيمن على القرار.

على الصعيد الدولي، فشلت طالبان أيضاً في الحصول على الاعتراف الذي كانت تأمله. كانت هناك لحظات تواصل، وأقامت دول مجاورة وأوروبية علاقات عملية مع كابول، لكن الاعتراف الرسمي ما زال بعيد المنال. وطالما استمرت القيود على تعليم وحقوق النساء، فستظل أفغانستان معزولة عن جزء كبير من المجتمع الدولي.

ماذا بعد؟

في الوقت الراهن، تبدو قبضة طالبان على السلطة ثابتة. فلا يوجد تهديد عسكري قادر على إسقاطها، والمعارضة السياسية عميقة الانقسام، والمجتمع الدولي ليست لديه رغبة ولا إمكانات لمحاولة جديدة لتغيير النظام في أفغانستان.

لذلك، ربما يأتي الخطر الأكبر على طالبان من شيء أقل إلحاحاً: التراكم البطيء للاستياء الشعبي.

يمكن لأي حكومة أن تبقى رغم المعارضة لفترة طويلة. لكنها تصبح هشة عندما يبدأ المواطنون العاديون بالشعور بالاغتراب عنها إلى درجة أنهم لا يبالون بالقوى التي تسعى إلى تقويضها، سواء كانت قوى أجنبية أو متمردين داخليين.

لذا، لا ينبغي الخلط بين استقرار طالبان الحالي وبين تسوية سياسية دائمة. فبعد خمس سنوات من عودتها، فرضت الحركة سيطرتها على أفغانستان، لكنها لم تحسم بعد السؤال الأساسي: أي دولة تريد أن تبني؟

يقرأ  الشرطة الكينية تفكّك شبكة تهريب أشخاص إلى روسيا للمشاركة في القتال بأوكرانيا

العزلة الدولية والاغتراب الشعبي المتزايد وصفة لكارثة وشيكة. بعض قادة طالبان يدركون ذلك. والسؤال هو: هل سيكون أولئك الذين يعترفون بضرورة التغيير مستعدين يوماً ما للوقوف في وجه تركز السلطة الذي أوصل الحركة إلى هذه النقطة؟

لا بد أن ينفجر شيء ما.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق