الحرب القادمة في اليمن قد تكون مختلفة | الحوثيون

مع استمرار الحرب في اليمن وانعكاساتها على البحر الأحمر، ظهرت في الأسابيع الأخيرة تحولات تستحق التأمل. الجماعة الحوثية التي ظلت سنوات شبه محتكرة لميزة الطائرات المسيّرة، باتت تواجه نيران السلاح نفسه من خصومها في أكثر من جبهة.

لا يعني ذلك أن ميزان القوة تغيّر، أو أن الحوثيين فقدوا تفوقهم الصاروخي والمسيّر. غير أن تزايد استخدام هذا النوع من الحرب من قبل قوات موالية للحكومة المعترف بها دولياً قد يغيّر طبيعة المواجهة، خصوصاً إذا تحول من عمليات متفرقة إلى قدرة منظمة ومستدامة.

لطالما استخدم الحوثيون الطائرات المسيّرة باعتبارها واحدة من أهم أسلحة الحرب غير المتماثلة. تمكنوا من مراقبة خصومهم وضرب تجمعاتهم ومراكز قيادتهم ومنشآتهم بعيداً عن خطوط التماس، بينما كانت قوات الحكومة في الغالب في موقع دفاع واستنزاف.

اليوم لم تعد المعادلة بهذه البساطة.

أعلنت قوات موالية للحكومة في الأيام الأخيرة استخدام مسيّرات ضد مواقع حوثية في مأرب والجوف وتعز وحجة والضالع وجبهات أخرى، وبثّت مقاطع فيديو لعدد من هذه العمليات.

لا يمكن الحديث بعد عن تكافؤ في قدرات المسيّرات. فالحوثيون يملكون سنوات من الخبرة وبنية تحتية صاروخية ومسيّرة أكثر تقدماً. لكن الحكومة لا تحتاج بالضرورة إلى تكافؤ كامل لتحدث تغييراً في ساحة المعركة.

يكفي أن تصبح تجمعات الحوثيين وآلياتهم ومدفعيتهم وتعزيزاتهم ومراكز قيادتهم مكشوفة للضرب، حتى يضطروا إلى تغيير أنماط انتشارهم وتحركهم وإمدادهم. وفي الحرب، إجبار العدو على تغيير سلوكه يُعد في حد ذاته إنجازاً عسكرياً.

من الخطأ القول إن الحوثيين انتقلوا إلى الدفاع. فهم ينفذون عمليات هجومية واسعة: ضربوا مأرب وحضرموت، واستهدفوا المخا مراراً، وتصاعدوا ضد السعودية، وأعادوا تحريك عملياتهم في البحر الأحمر وباب المندب.

لكن هناك فرقاً بين أن تكون الجماعة في موقف دفاعي استراتيجي، وبين أن تبدأ في التصرف على بعض الجبهات وكأنها تستعد لاحتمال هجوم قادم.

يقرأ  الاتحاد الأوروبي يقترح فرض قيود تجارية على إسرائيل على خلفية حرب غزة

هنا تصبح جغرافية الضربات الأخيرة أكثر أهمية من عددها.

مأرب وتعز والمخا والساحل الغربي ليست جبهات عشوائية؛ إنها تمثل بوابات رئيسية لأي حرب برية محتملة.

مأرب هي بوابة الشرق وواحدة من أهم مراكز الثقل العسكري والسياسي للحكومة. ضرب المعسكرات والتحركات هناك لا يسبب خسائر فحسب، بل يمكن أن يكشف الانتشار والدفاعات وسرعة الاستجابة ومصادر التعزيزات.

تعز هي التقاطع المركزي والساحلي. تفعيل جبهاتها يمكن أن يثبّت قوات كبيرة ويمنع إعادة انتشارها بسهولة نحو الساحل الغربي أو جبهات أخرى.

أما المخا والساحل الغربي فلهما أهمية مختلفة. جنوب المدينة يقع باب المندب، وشمالها يمتد الطريق نحو الحديدة. لذلك يمكن النظر إلى الاستهداف المتكرر للمخا بالصواريخ والمسيّرات باعتباره اختباراً لجبهة قد تصبح بالغة الأهمية إذا بدأت عملية برية على طول الساحل.

عند الجمع بين ما يحدث في مأرب وتعز والمخا والضالع والجوف وصعدة والحديدة، يصبح من الصعب النظر إلى كل جبهة كحادثة منفصلة.

لا يعني هذا أن قرار الحرب البرية اتُخذ، لكنه يعني أن الأطراف بدأت تتصرف وكأن هذا الاحتمال يجب أن يُؤخذ على محمل الجد.

لذلك، فإن أهم مؤشر في المرحلة المقبلة لن يكون عدد الصواريخ أو المسيّرات، بل حركة القوات والاحتياطات ونقل الذخائر.

عندما تبدأ هذه الحركة بالتركيز على محور محدد، نكون قد انتقلنا من اختبار الجبهة إلى تجهيز الجبهة.

في هذا السياق تحديداً يجب فهم تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي الأخيرة.

العليمي عرض على الحوثيين خيار إلقاء السلاح والمشاركة في الحياة السياسية، لكنه قال أيضاً إنه من الآن فصاعداً لن تمر أي عملية حوثية دون رد أو ردع شامل. وحدد الهدف الاستراتيجي في استعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على أن السلام المستدام يقوم على احتكار الدولة للسلاح وسيادتها.

يقرأ  عائلات تبحث عن أحبائها بعد ضربات باكستانية قاتلة استهدفت مركز إعادة تأهيل في كابول

لو لم تكن هذه التصريحات مصحوبة بأفعال، لكانت مجرد خطاب سياسي تصعيدي.

لكن ما يمنح رسالة العليمي الأخيرة ثقلاً هو ما يحدث على الأرض: مسيّرات الحكومة دخلت المواجهة بشكل علني، والمدفعية تعمل على أكثر من جبهة، والجاهزية العسكرية تزداد، والحكومة تتحدث بوضوح أكبر عن الردع.

الاختبار الحقيقي للحكومة سيكون في ما إذا كانت هذه التحركات ستتحول إلى عقيدة تشغيلية مستدامة، بحيث يدفع أي هجوم حوثي ثمناً مباشراً، أو أن النمط القديم سيستمر، حيث تتلقى القوات الحكومية الضربات وتكتفي بردود محدودة.

كل هذا يحدث في سياق إقليمي أوسع. الاضطراب في مضيق هرمز والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يرفعان القيمة الاستراتيجية للبحر الأحمر. فكلما قلّ أمن هرمز، زادت أهمية طرق الطاقة والتجارة السعودية المتجهة غرباً.

هنا ترتفع تلقائياً قيمة باب المندب كورقة قوة في يد الحوثيين.

المعادلة الجغرافية معقدة للغاية: إيران قادرة على الضغط عبر هرمز، والحوثيون يملكون القدرة على تهديد باب المندب، والسعودية تقع استراتيجياً بين الممرّين.

في المقابل، تعمل الرياض على ترتيبات لحماية البحر الأحمر، بينما تُظهر القوات الحكومية اليمنية نشاطاً أكبر على الأرض.

قد يؤدي ذلك إلى صيغة مختلفة عن الحرب السابقة: قوات يمنية تتولى الجزء الأكبر من المواجهة البرية، بينما تقدم السعودية وشركاؤها الدعم والردع وحماية الممرات البحرية.

الخطر أن الجميع يقترب الآن من حافة الحرب: الحوثيون يختبرون مقدار الضغط الذي يمكنهم ممارسته على السعودية والحكومة اليمنية والملاحة الدولية. في الوقت نفسه، تختبر القوات الحكومية أدوات جديدة وقدرتها على استعادة المبادرة، وتحاول السعودية بناء ردع جديد، بينما تستمر المواجهة الأمريكية الإيرانية في الخلفية. وهذا يوسّع هامش الخطأ الاستراتيجي الذي قد يؤدي إلى حرب مفتوحة.

أضف تعليق