اليمين الديني في إسرائيل يغيّر الدولة من الداخل

في إسرائيل، يزداد نفوذ القوى الحريدية والقومية الدينية في السياسة، ويمتد هذا النفوذ إلى قضايا تتجاوز جمهورها التقليدي بكثير: الفصل بين الجنسين، التعليم الديني، سلطة الحاخامات، العلاقة بين القانون الديني والمدني، والمعنى المرتبط بالاستيطان والسيطرة على الأرض.

هذا النفوذ المتزايد يثير سؤالاً أوسع حول الأصولية الدينية والسلطة الديمقراطية: ما الذي يحدث حين لا تحتاج القوى الأصولية إلى قلب النظام، لأنها تستطيع استخدام مؤسساته القائمة لإعادة تشكيله من الداخل؟

طالبان وصلت إلى السلطة في أفغانستان بالقوة. لكن كيف تبدو الأصولية الدينية حين تعمل من خلال الانتخابات والتحالفات السياسية ومؤسسات الدولة؟ وما الذي قد يعنيه ذلك بالنسبة لوصول “طالبان يهودية” إلى السلطة في إسرائيل؟

تخيل تل أبيب بعد بضع سنوات. المقاهي ما تزال مفتوحة، والنساء ما زلن يمشين في الشوارع، والانتخابات مستمرة، والكنيست ما زال يجتمع، والمحكمة العليا لم تغلق أبوابها، ولا توجد ميليشيا دينية استولت على السلطة في انقلاب.

لكن شيئاً أعمق تغير. الأماكن التي تفصل بين الرجال والنساء تتوسع باستمرار، ويُبرَّر ذلك على أنه احترام للجمهور المتدين. المدارس الدينية تحصل على أموال عامة أكثر، دون أن تكون ملزمة حقاً بتدريس العلوم أو الرياضيات أو الإنجليزية. المطالب الدينية تكتسب وزناً أكبر في الحياة العامة، بينما تُرسم حدود الحرية الفردية بشكل متزايد وفق رؤية دينية قومية لما ينبغي أن تكون عليه الدولة.

هذا التحول لا يحدث في دولة علمانية أو في نظام سياسي قائم على المساواة. إسرائيل تأسست كدولة يهودية، ولم يتمتع الفلسطينيون أبداً بالمساواة داخل النظام السياسي الذي أنشأته. والدين ظل لفترة طويلة يحدد قواعد الزواج والطلاق، والتحول الديني، والسبت، والاعتراف بالهوية اليهودية.

ما يتغير هو أن القوى الدينية والقومية الدينية أصبحت أكثر قدرة على تعريف الطابع اليهودي للدولة بمصطلحات دينية صريحة، سواء في الحياة العامة أو في المطالبة بالأرض والسيادة. ملامح هذا المستقبل ظاهرة بالفعل.

يقرأ  بطل المباراة يقود كوراساو الصغيرة إلى أول نقطة في كأس العالم 2026 أمام الإكوادور

الكنيست اليوم يضم عدة أحزاب حريدية وقومية دينية: شاس، ويهدوت هتوراة، والصهيونية الدينية، وعوتزما يهوديت، ونوعم. هذه الأحزاب ليست كتلة واحدة، ولا تتفق على كل شيء. الحريديم يركزون غالباً على استقلال التعليم الديني، والإعفاء من الخدمة العسكرية، والميزانيات والمؤسسات الدينية. أما الصهيونية الدينية واليمين الكاهاني فيدمجان الدين بالقومية والاستيطان والحرب والسيطرة على الأرض.

رغم هذه الاختلافات، فإن ثقلهم المتزايد في الائتلافات الحكومية أدخل طيفاً أوسع من المطالب الدينية إلى قلب سياسات الدولة.

بالنسبة للفلسطينيين، فإن التحول الديني لا يخلق عدم المساواة التي يعانون منها، بل يضيف شرعية دينية إلى نظام قومي عرقي قائم. حين تندمج المطالبة القومية بالأرض والسيادة مع الاعتقاد بأن سيطرة اليهود على الأرض تحقق وعداً إلهياً، لا يعود الفلسطينيون مجرد مشكلة ديموغرافية أو أمنية، بل يصبحون عائقاً أمام رؤية دينية قومية للسيادة.

عدم المساواة الأساسي ظاهر في النقب، في هدم القرى والمنازل، والتهجير القسري لمجتمعات البدو، ونظام تخطيط يحرم البلدات العربية من مساحة للنمو مثل البلدات اليهودية. وفي الضفة الغربية المحتلة، يكون التقارب بين عدم المساواة القائمة والسلطة الدينية القومية أكثر وضوحاً. سياسة الاستيطان وقوة المستوطنين والعقيدة الدينية يدعم بعضها بعضاً. الاحتلال كسياسة أمنية والاستيطان كعقيدة خلاصية يندمجان في مشروع واحد.

هذا التأطير الديني يجعل التنازل عن الأرض أصعب. عندما تُعرض السيطرة على الأرض على أنها تحقيق لوعد إلهي، يمكن تصوير الانسحاب ليس مجرد خيار سياسي أو استراتيجي، بل تسليم شيء لا يحق لأي حكومة التخلي عنه.

القوة الدينية تعيد أيضاً تشكيل شروط الحياة العامة داخل المجتمع الإسرائيلي اليهودي. الفصل بين الجنسين مثال على ذلك. التوسع في هذا الفصل يُعرض غالباً ليس كتقييد للحرية الفردية، بل كتكيف مع الحرية الدينية. فصل الرجال عن النساء يصبح “تكيفاً ثقافياً”، وتقييد وجود النساء في بعض الأماكن يصبح “حماية لحرية المتدينين”.

يقرأ  امرأة من غزة توفيت في إيطاليا إثر سوء تغذية بعد نقلها جوياً

هذا التأطير يغيّر السؤال. فعندما يُطلب من النساء الجلوس في الخلف، أو يُقيّد مشاركتهن في احتفال أو مؤسسة أو برنامج أكاديمي، يتركز النقاش على مدى التزام الدولة بتلبية احتياجات الجمهور المتدين.

المسألة ما تزال محل خلاف في المحاكم والمجتمع، والفصل بين الجنسين لم يصبح قاعدة عامة. لكن انتقال هذه المطالب من الهامش إلى التشريعات والجامعات والجيش والمؤسسات العامة يعني أن ميزان القوى تحرك بالفعل. في يوليو 2026، أقر الكنيست تشريعاً يوسع الدراسة المفصولة بين الجنسين في التعليم العالي لتشمل برامج الدرجات المتقدمة، وهذا دليل على مدى وصول هذه المطالب إلى المؤسسات الرئيسية.

التعليم يثير سؤالاً مماثلاً عن التوازن بين الاستقلال الديني والالتزامات المدنية المشتركة. الدولة تمول قطاعاً كبيراً من تعليم الحريديم، بينما يستمر الجدل حول ما إذا كانت تلك المدارس تدرّس المواد الأساسية. المال العام يستمر في دعم أجزاء من نظام مدارس الحريديم غير المطلوب منها تدريس المنهج الأساسي الكامل. لذلك لا يتعلق الأمر فقط بحرية مجتمعات الحريديم في تعليم أطفالها وفق معتقداتها، بل بما يحق للدولة أن تطلبه مقابل تمويل هذا التعليم.

التقارب بين الأيديولوجية الدينية القومية والسيطرة على الأرض وقوة الدولة يظهر أيضاً داخل الجيش الإسرائيلي. نفوذ الصهيونية الدينية نما في صفوف القتال والقيادة. منذ سنوات هناك جدل حول استخدام لغة دينية لتحفيز الجنود، وحول التوتر بين الأوامر العسكرية وسلطة الحاخامات، خاصة عندما يتعلق الأمر بإخلاء مستوطنات أو الاحتفاظ بالأرض.

المشكلة ليست في أن جنوداً متدينين يطيعون الحاخامات بدل قادتهم. المشكلة هي التداخل المتزايد بين القوة العسكرية والسيطرة على الأرض وأيديولوجية دينية قومية تعتبر السيطرة على الأرض أكثر من مجرد هدف سياسي أو استراتيجي.

عندما تُصوَّر الحرب على أنها مرحلة في الخلاص الديني أو استعادة أرض وعد الله بها، يبدأ التنازل في الظهور كضعف، والانسحاب كخطيئة، والحلول السياسية كتسليم لأمر مقدس لا يملك السياسيون الحق في التخلي عنه.

يقرأ  ترامب يعلن حزمة مساعدات بقيمة ١٢ مليار دولار لدعم المزارعين المتضررين من تعريفاته الجمركية

في أقصى تأثيراته، يمكن للأصولية أن تخرج الأهداف السياسية من مجال التفاوض العادي، حين لا تستمد سلطتها فقط من إرادة المواطنين أو الحكومات، بل من إرادة إلهية تحتكر جهة واحدة تفسيرها.

طبعاً، وجود أحزاب دينية لا يكفي للقول إن إسرائيل أصبحت دولة ثيوقراطية. ما تزال هناك محاكم وصحافة حرة ومعارضة ومجتمع مدني وجمهور علماني كبير. والمطالب الدينية تواجه مقاومة في المحاكم وداخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

لكن الديمقراطيات لا تنهار دائماً في يوم واحد. أحياناً تستمر الانتخابات بينما تتغير القواعد بهدوء: قواعد من يُعتبر مواطناً كاملاً، وأين تنتهي الحرية، ومن يحق له تحديد الصالح العام.

إسرائيل لا تحتاج إلى إلغاء الانتخابات، أو إغلاق محاكمها، أو أن تصبح فجأة مثل أفغانستان في عهد طالبان، لكي تعيد الأصولية الدينية تشكيل الدولة. مقاهي تل أبيب يمكن أن تظل مفتوحة، والانتخابات يمكن أن تستمر، ويمكن أن تبقى قوى علمانية وليبرالية قوية. المؤسسات الديمقراطية الرسمية يمكن أن تنجو بينما يتغير معنى المواطنة والمساواة والحرية الفردية تحتها، وبينما يزداد قسوة نظام قائم أصلاً على عدم المساواة والقمع للفلسطينيين، مع ازدياد القوة السياسية للمطالبات الدينية بالأرض والسيادة.

السؤال ليس فقط ما إذا كانت المؤسسات الديمقراطية ستبقى، بل أي نظام سياسي تُستخدم لدعمه. ديمقراطية لمن، وبأي شروط؟

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق