الدين الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار: لمن تدين واشنطن وما أهمية ذلك؟ | أخبار الأعمال والاقتصاد

تجاوز إجمالي الدين الأميركي 40 تريليون دولار لأول مرة في التاريخ، وفق تحديث لوزارة الخزانة يوم الأربعاء. وكان الدين المتضخم، خصوصاً خلال ولاية دونالد ترامب الثانية التي بدأت في يناير/كانون الثاني 2025، يثير مخاوف من أزمة مالية وشيكة منذ فترة؛ إذ يخشى اقتصاديون من أن يؤدي مزيج سام من الاقتراض الكثيف وزيادة الإنفاق وخفض الضرائب إلى إدخال أكبر اقتصاد في العالم في أزمة.

ويأتي هذا الارتفاع السريع للدين رغم أن ترامب جعل خفض التكاليف ورفع الكفاءة ركيزة لولايته الثانية؛ فقد خفضت إدارة الكفاءة الحكومية، وهي جهاز غير حكومي، ما بين 250 و350 ألف وظيفة فيدرالية، وقلّصت المساعدات العالمية منذ بداية 2025. وفي مايو/أيار 2023، توقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن تصل الولايات المتحدة إلى هذا المستوى في 2028.

قالت مايا ماكغينيس، رئيسة لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة، وهي جهة رقابية على الميزانية، في بيان: «ديون بهذا الحجم لا توجد فقط في دفاتر الحكومة؛ بل يشعر بها الاقتصاد بأكمله، وتجد طريقها إلى جيوب الناس بشكل أو بآخر».

إليكم أبرز ما نعرفه عن سبب ارتفاع الدين، ولماذا يهم هذا الأمر:

## ما مدى سرعة ارتفاع الدين؟

الدين الأميركي ينمو في عشرينيات هذا القرن أسرع بكثير مما كان عليه في العقود السابقة.

تضاعف إجمالي الدين، الذي يشمل الدين المستحق للغير وما تدين به الحكومة لنفسها، منذ يناير/كانون الثاني 2017، عندما بدأ ترامب ولايته الأولى، وكان الدين حينها 19.95 تريليون دولار.

خلال ولايته الأولى، ارتفع الدين العام بمقدار 7.8 تريليونات دولار، معظمه بسبب كلفة الاستجابة لجائحة كوفيد-19. ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، نما الدين بمقدار 3.8 تريليونات دولار، ليصل إجمالي الزيادة خلال ولايتيه حتى الآن إلى 11.6 تريليون دولار.

وفي عهد إدارة جو بايدن (2021-2025)، واصلت الحكومة الاقتراض والإنفاق بكثافة استجابة للجائحة، فارتفع الدين بمقدار 8.4 تريليون دولار.

وبلغ الدين 39 تريليون دولار في مارس/آذار من هذا العام، أي أنه استغرق أقل من خمسة أشهر لإضافة تريليون دولار إضافي إلى الدين.

يقرأ  تحالف المتاحف الأمريكي يهاجم تقرير ترامب حول مؤسسة سميثسونيان

للمقارنة، استغرق الأمر ما يقارب 200 عام ليتجاوز إجمالي الدين الأميركي تريليون دولار لأول مرة في 1981، وفق تحليل للجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة، مع العلم أن تريليون دولار في 1981 يعادل 3.67 تريليونات دولار اليوم بعد احتساب التضخم.

ويقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن الدين سيرتفع من 101% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 120% في 2036، وهو أعلى بكثير من الرقم القياسي الأميركي السابق البالغ 106% بعد الحرب العالمية الثانية.

## لماذا يتضخم الدين؟

### إنفاق في أوقات الأزمات

شهدت الولايات المتحدة أزمتين كبيرتين في نحو عقدين، اضطرت فيهما الحكومات إلى الاقتراض وزيادة الإنفاق. الأولى كانت ركود 2007-2009، والثانية جائحة كوفيد-19 بين 2020 و2023، التي يرتبط بها نحو ثلث الدين المتراكم منذ 2017، بسبب تكثيف الاقتراض في عهدي ترامب وبايدن.

### عائدات ضريبية غير كافية

يقول محللون إن سبباً آخر لارتفاع الاقتراض هو أن الضرائب والإيرادات الأخرى لا تواكب الإنفاق، خصوصاً في ظل زيادة إنفاق الولايات المتحدة على معاشات التقاعد والرعاية الصحية مع شيخوخة السكان. ويشير خبراء إلى أن الإدارتين الديمقراطية والجمهورية فشلتا على حد سواء في كبح الإنفاق أو رفع الضرائب لسد هذه الفجوة.

تنفق الولايات المتحدة نحو 7 تريليونات دولار سنوياً، يذهب نحو 60% منها إلى مدفوعات الضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي بما في ذلك ميديكير وميديكيد، ورعاية المحاربين القدامى. والإيرادات لا تكفي لتغطية هذه النفقات؛ ففي يوليو/تموز مثلاً، حققت الولايات المتحدة 334 مليار دولار من ضرائب الدخل الفردي والتأمين الاجتماعي وضرائب الشركات وغيرها، وفق وزارة الخزانة، لكنها دفعت 766 مليار دولار، أي ما يقارب ضعف الإيرادات، في الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والدفاع الوطني ومدفوعات الفوائد.

### ارتفاع أسعار الفائدة

ظلت أسعار الفائدة منخفضة حتى اندلاع الجائحة، فعندها رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لمكافحة التضخم. والآن تدفع الولايات المتحدة نحو 1.1 تريليون دولار سنوياً لخدمة دينها، أي أكثر قليلاً مما تنفقه على الدفاع. وفي الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2026، تجاوزت كلفة الفوائد أيضاً الإنفاق على التأمين الصحي، وأصبحت ثاني أكبر بند إنفاق بعد معاشات التقاعد. وتنفق الولايات المتحدة ما بين 1.8 و2 تريليون دولار سنوياً على مزايا التقاعد الفيدرالية (الضمان الاجتماعي) ومعاشات التقاعد الحكومية والمحلية مجتمعة، وفق بيانات منصة «يو إس إيه فاكتس».

يقرأ  تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلةأسباب التصعيد وآثاره في إطار الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني

## ما التخفيضات الضريبية التي أقرّها ترامب؟

رغم هذه التكاليف المتصاعدة، نفّذ ترامب تخفيضات ضريبية عميقة للشركات، بدءاً بقانون تخفيض الضرائب والوظائف لعام 2017 في ولايته الأولى، الذي خفض ضريبة الشركات من 35% إلى 21%. وفي 2025، تبع ذلك بما يُعرف بقانون «بيل واحد جميل»، الذي رسّخ قانون 2017 بشكل دائم. ومع أن القانون خفض إنفاق ميديكيد بنسبة 12%، فإنه رفع سقف الدين بنحو 5 تريليونات دولار للسماح بهذه التخفيضات.

في الوقت الحالي، تشكل ضرائب الدخل الفردي نحو نصف العائدات الفيدرالية، مقابل 9% فقط من ضرائب الشركات. وفي الفترة بين ولايتي ترامب، أنفقت إدارة بايدن بكثافة على الاستثمار في البنية التحتية ودعم الطاقة النظيفة.

## لمن تدين الولايات المتحدة؟

الدين العام المقترض من مستثمرين محليين وأجانب يشكل 80% من إجمالي الدين، أي نحو 32 تريليون دولار، وفق بيانات وزارة الخزانة. ومن هذا الدين العام، نحو 21 تريليون دولار دين محلي لجهات دائنة متنوعة، من بينها الاحتياطي الفيدرالي (4.528 تريليونات دولار)، الذي يشتري ويبيع أوراق الخزانة للتأثير في أسعار الفائدة الفيدرالية وإدارة المعروض النقدي، وفق تحليل لمؤسسة بيتر جي. بيترسون.

ومن الدائنين الآخرين صناديق الاستثمار المشتركة (5.195 تريليونات دولار)، وصناديق التقاعد (1.135 تريليون دولار)، وحكومات الولايات والسلطات المحلية (1.636 تريليون دولار)، والبنوك التجارية ومؤسسات الإيداع (2.083 تريليون دولار)، ومقرضون آخرون من الشركات والأفراد (6.660 تريليونات دولار).

دولياً، تدين الولايات المتحدة لعدد من الدول ومستثمرين من القطاع الخاص. ففي 1970، كان حاملو الدين الأجانب يشكلون 5% من إجمالي الدين، لكن بحلول 2025 أصبحوا يمثلون 32%. هذا يعني أنه بينما تساعد هذه الديون في تعزيز النشاط الاقتصادي الأمريكي، فإن جزءاً أكبر من دخل البلاد يُرسل إلى الخارج على شكل مدفوعات فوائد.

يقرأ  إصابة طائرة دلتا المتجهة إلى شيكاغو بقذائف نارية خلال احتفالات الذكرى 250 لأمريكا

بحلول عام 2025، كانت الولايات المتحدة مدينة لليابان بمبلغ 1.203 تريليون دولار، وللمملكة المتحدة بـ889 مليار دولار، وللصين بـ683 مليار دولار، بالإضافة إلى أكثر من 30 جهة أخرى.

وفي سياق منفصل، نحو 20 بالمئة من إجمالي الدين العام، أي حوالي 8 تريليونات دولار، هي ديون داخلية بين أجهزة الحكومة نفسها، وبالتالي لا تؤثر على المالية العامة بالطريقة نفسها.

ماذا يعني ارتفاع الدين للاقتصاد الأمريكي؟

يقول محللون إن ارتفاع الدين قد يخلق أزمة اقتصادية للولايات المتحدة، مثل التضخم الجامح أو ارتفاع أسعار الفائدة، إذا استمر الوضع دون ضبط.

ومع تراكم المزيد من الديون، تزداد مخاطر تراجع الاستثمار الخاص بسبب مخاوف تتعلق بالأمان المالي، وهذا قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.

ويرى محللون أن المشرعين قد يضطرون في النهاية إلى اتخاذ إجراءات تقشف مؤلمة مثل رفع الضرائب. كما أن برامج شبكات الأمان الاجتماعي قد تكون مهددة.

ويحذر خبراء من أن حل هذه المشكلة قد يستغرق سنوات، وأن العواقب قد تمتد إلى أجيال كاملة، إذ يُجبر الشباب على دفع المزيد لفترات طويلة.

ولن يقتصر التأثير على الولايات المتحدة وحدها؛ فهي حجر الزاوية في الاقتصاد العالمي، وأي أزمة فيها ستلحق الضرر بالأسواق العالمية.

وتقول ماكغينيس من لجنة المسؤولية المالية الفيدرالية إن الخطوة التصحيحية الأولى هي الالتزام الفوري بالتوقف عن أي اقتراض جديد. كما يجب على المشرعين تشكيل لجنة مالية مشتركة بين الحزبين لدراسة هذه القضايا. لكن محللين يرون أن تحقيق ذلك قد يكون صعباً في ظل الالتزام بإبقاء الضرائب منخفضة وتقليل الإنفاق، بينما تخوض البلاد حرباً مكلفة للغاية في الشرق الأوسط.

أضف تعليق