أدت الهجمات الصاروخية الباليستية الروسية إلى سقوط أعداد قياسية من القتلى المدنيين في المدن الأوكرانية، في ظل غياب صواريخ باتريوت الاعتراضية لوقفها. وفي المقابل، دمّرت الضربات الأوكرانية بعيدة المدى إمدادات الوقود الروسية. ومع معاناة الاقتصاد الروسي، حذّر خبير بارز من أن اضطرابات اجتماعية قد تقع خلال وقت قصير، وفقد وظيفته بعد ذلك.
يوم الثلاثاء، قتلت صواريخ روسية 10 أشخاص على الأقل في بلدة بيتشينيغي، التي تبعد 40 كيلومتراً شرق مدينة خاركيف شمال أوكرانيا. ويوم الخميس، قتلت 15 شخصاً في كييف وثلاثة في مدينة جيتومير غرب البلاد، وأصابت 40 شخصاً آخرين عند معبر حدودي بين أوديسا ومولدوفا.
وقالت روسيا إنها استهدفت مواقع تصنيع أسلحة في كييف، لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قال إن القوات الروسية ضربت 30 مبنى سكنياً ومدرسة ومستشفى للأطفال.
وقالت الأمم المتحدة إن روسيا قتلت رقماً قياسياً من المدنيين في يوليو/تموز بلغ 437 شخصاً، وأصابت 2610 آخرين، متجاوزة بذلك الرقم القياسي السابق المسجل في يونيو/حزيران بنسبة 30 بالمئة.
واستمر سقوط الضحايا المدنيين في أغسطس/آب، لأن أوكرانيا أصبحت بلا صواريخ باتريوت اعتراضية وغير قادرة على إيقاع الهجمات الباليستية منذ بداية الشهر. وكما أشار زيلينسكي، فإن معدل اعتراض الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز لا يزال في نطاق 90 بالمئة. لكن روسيا تضاعف استخدامها للصواريخ الباليستية، وقد جلبت 50 سلاحاً كورياً شمالياً إضافياً، وفقاً للاستخبارات العسكرية الأوكرانية.
أوكرانيا تردّ
منذ 25 يونيو/حزيران، شنت أوكرانيا حملة ضربات متوسطة المدى لتعطيل الإمدادات الروسية، وضايقت إمدادات الوقود والذخيرة بفعالية كبيرة حتى حققت مكاسب أراضٍ تبلغ 233 كيلومتراً مربعاً هذا العام.
بحلول 16 أغسطس/آب، أعلنت قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية أنها أخرجت 228 سفينة إمداد عن الخدمة في البحر الأسود وبحر آزوف، ودمرت 243 من محطات الكهرباء ومحطات التحويل ونقاط توزيع الغاز في شبه جزيرة القرم.
كما استهدفت هوائيات ترحيل تستخدم لتوجيه المسيّرات الروسية ومحطات رادار تكشف الضربات الأوكرانية المضادة. وفي 20 أغسطس/آب، استهدفت أوكرانيا مواقع إطلاق مسيّرات في مدينة دونيتسك وبريمورسكو-أختارسك على بحر آزوف، إضافة إلى محطة وقود في مضيق كيرتش تستخدم لإمداد القرم.
وخدمت الضربات الأوكرانية بعيدة المدى غرضاً مختلفاً، هو تقويض قدرة الاقتصاد الروسي على تمويل الحرب.
وفي 15 أغسطس/آب، تمكنت أوكرانيا من إيصال صاروخي كروز من طراز فلامنغو إلى مركز بروغرس للصواريخ والفضاء، على بعد 800 كيلومتر شرق موسكو، رغم أن روسيا استخدمت أربع طائرات إنذار مبكر من طراز أيه-50 وأعلنت إسقاط 822 مسيّرة أوكرانية في ذلك اليوم.
وقالت أوكرانيا إنها أصابت ورشة تجميع محركات لصواريخ سايوز، ما تسبب في حريق امتد على مساحة نصف هكتار.
وتستخدم روسيا صواريخ سايوز لإطلاق أقمار صناعية لكوكبة راسفيت، بهدف إنهاء اعتمادها على نظام ستارلينك الأميركي، بعد أن نجحت أوكرانيا في قطع وصول روسيا إلى ستارلينك في الأول من فبراير/شباط. وروسيا بحاجة إلى أقمار صناعية لزيادة سرعة ودقة نيرانها المضادة للمدفعية على المواقع الأوكرانية. وخسارة روسيا لهذه القدرة كانت مسؤولة جزئياً عن المكاسب الأوكرانية هذا العام.
قال خبير الإلكترونيات الأوكراني سيرهي بيسكريستنوف: “يمكن لصاروخ واحد من نوع سايوز-2.1ب أن يضع 20 قمراً صناعياً في المدار. ولإنشاء كوكبة أقمار صناعية أساسية في المدار، تحتاج روسيا إلى 12 إلى 15 عملية إطلاق”.
وفي اليوم التالي، أضرمت أوكرانيا النار في مستودع مساحته 25 هكتاراً تابعاً لسلسلة التجزئة الإلكترونية وايلدبيريز، وهي النسخة الروسية من أمازون، وقالت إنها دمرت سبعة من أكبر عشرة مراكز لوجستية للشركة.
وكان المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف قد قال في 28 يوليو/تموز إن الكرملين يراقب الأضرار التي لحقت بوايلدبيريز. وألمح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الخميس إلى أنه قد يقدم تمويلاً حكومياً لإعادة بناء الشركة، قائلاً: “القدرات اللوجستية والتخزينية تحتاج بالتأكيد إلى استعادة، بما في ذلك بدعم حكومي”.
كما نجحت أوكرانيا في تدمير مصافي روسية وحرمان الاقتصاد الروسي من البنزين. وقد استهدفت مؤخراً مصفاة أوست-لوغا، ومصفاة تانيكو في تتارستان، ومصفاة بيرم، التي تبعد 1500 كيلومتر عن حدود أوكرانيا.
وقد أدت ضربات مماثلة هذا العام إلى تقليص إمدادات البنزين في روسيا بشكل كبير. وأفادت صحيفة إزفيستيا، نقلاً عن تطبيق غديبنز الذي يراقب توافر الوقود في الوقت الفعلي، أن 28 بالمئة فقط من محطات الوقود في جميع أنحاء البلاد كانت قادرة على توفير الوقود هذا الأسبوع. وقالت إزفيستيا إن خمس محطات وقود فقط في موسكو كانت تبيع وقود أي-98 عالي الأوكتان. ونشر روسيون مقاطع فيديو لوحدات من الحرس الوطني الروسي (روسغفارديا) متمركزة خارج محطات الوقود لمنع بعض المشاجرات بين سائقي السيارات في الأشهر الأخيرة.
وقال نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك إنه يتم توفير وقود من درجة أدنى لتخفيف التوتر في السوق، وأكد أن روسيا تستورد الآن وقوداً مكرراً للسوق المحلية. وأضاف للصحافي بافيل زاروبين من قناة فيستي: “نتوقع أن يكمل عدد من مصافي النفط أعمال الصيانة قريباً وأن يتحسن الوضع بشكل كبير”، لكن ذلك قد يكون تفكيراً بالأماني. لقد ضربت أوكرانيا أكبر المصافي الروسية ليس مرة واحدة فقط بل مراراً. وفي يوم الأربعاء 19 أغسطس/آب، استهدفت وحدة تكرير في أوفا كانت تخضع للإصلاح بعد ضربة سابقة، وتبعد 1300 كيلومتر عن أوكرانيا.
كما استهدفت أوكرانيا خلال الأسبوع أهدافاً عسكرية مهمة، من بينها مصنع كاميني كومبينات في روستوف، الذي ينتج وقوداً صلباً للصواريخ، ومطار سافاسليكا، الذي تقلع منه طائرات ميغ المقاتلة المزودة بصواريخ خ-47 إم 2 الباليستية.
الاقتصاد الروسي في مأزق
بدأ بعض الاقتصاديين الروس يحذرون من اضطرابات اجتماعية وسياسية وشيكة نتيجة تباطؤ الاقتصاد. وقال أندريه كليباخ، كبير الاقتصاديين في بنك فينيشيكونومبانك، وهو بنك حكومي يمول مشاريع الكرملين الوطنية، في 18 أغسطس/آب: “الخسائر الناجمة عن الضربات العسكرية الأوكرانية أصبحت بالفعل عائقاً اقتصادياً كبيراً أمام النمو الاقتصادي الروسي. أعتقد أن روسيا لن تنهار، لكنني شبه متأكد من أننا سنصل إلى أزمة اجتماعية”. وأُقيل من منصبه بعد إدلائه بهذه التصريحات خلال نقاش في نادي نيكيتسكي التابع لبورصة موسكو.
وأفادت صحيفة واشنطن بوست أن الروس يسحبون مدخراتهم بكميات متزايدة. في وقتٍ تزيد فيه الشركات من تبرعاتها “الطوعية” للميزانية الدفاعية للدولة، إضافةً إلى تحمّل تكاليف أنظمة الدفاع الجوي الخاصة بها، يستمر الضغط على الاقتصاد الروسي من عدّة جهات.
وخلال اجتماع مجلس التنمية الاستراتيجية والمشاريع الوطنية هذا الأسبوع، أقرّ بوتين بأن الضربات الأوكرانية تسبب “بالتأكيد” أضرارًا، مضيفًا أن “الأداء الاقتصادي الإجمالي متواضع لكنه إيجابي”.
وقد ظهرت تلك الأضرار في صورة مالية، إذ خصّص بوتين مؤخرًا 1.18 مليار دولار لدعم الميزانيات الإقليمية، إضافةً إلى مساعدات مالية سابقة. وكان من بين هذا المبلغ نحو 52 مليون دولار موجّهة إلى شبه جزيرة القرم.
وقدّرت وزارة الدفاع الأوكرانية أن كل دولار يُنفق على هجمات الطائرات المسيّرة يكبّد الاقتصاد الروسي تكاليف تعادل خمسة أضعاف هذا المبلغ.