يشهد العالم ارتفاعًا حادًا في النزاعات المرتبطة بالمياه في السنوات الأخيرة، وهذا الموضوع هو محور مؤتمر “أسبوع المياه العالمي” الذي يبدأ الأحد في العاصمة السويدية ستوكهولم وعبر الإنترنت. ينظّم المؤتمرَ معهدُ ستوكهولم الدولي للمياه سنويًا، ويحمل هذا العام شعار “المياه من أجل الناس والتقدم”، ويسلّط الضوء على تحديات الأمن المائي المتنامية حول العالم.
وفقًا لمعهد المحيط الهادئ، وهو مركز أبحاث أمريكي غير ربحي متخصص في شؤون المياه، تم تسجيل 420 نزاعًا مرتبطًا بالمياه في عام 2024، وهو رقم قياسي، بزيادة 78% عن 235 نزاعًا في عام 2022. ويعود هذا الارتفاع بشكل كبير إلى الهجمات على البنية التحتية للمياه والخلافات حول الوصول إليها، خاصة في المناطق التي تشهد حروبًا طويلة.
ولأكثر من ثلاثة عقود، يتابع معهد المحيط الهادئ نزاعات المياه عبر “سجل النزاعات المرتبطة بالمياه”، ويصنّف كل حادثة بحسب ما إذا كانت المياه ضحية أو عاملًا محفزًا أو سلاحًا في الحرب.
المياه كضحية: تتضرّر أو تُدمَّر البنية التحتية للمياه أثناء النزاع، سواء بقصد أو كضرر جانبي. ويشمل ذلك السدود والأنابيب والآبار ومحطات المعالجة وشبكات الكهرباء اللازمة للحفاظ على إمدادات المياه. في عام 2024، كانت 55% من النزاعات المرتبطة بالمياه ناتجة عن هذا النوع.
المياه كعامل محفز: شحّ المياه أو عدم تكافؤ الوصول إليها أو الخلافات حول الموارد يغذّي العنف، وغالبًا ما تورط مجتمعات أو مزارعين أو رعاة مواشٍ أو جماعات مسلحة. لا تزال الخلافات حول الشح والوصول واسعة الانتشار، وشكّلت 28% من نزاعات المياه في عام 2024.
المياه كسلاح: تُستخدم المياه عمدًا لإلحاق الضرر بالخصوم أو الضغط عليهم، عبر قطع الإمدادات أو تلويث المصادر أو إغراق المناطق أو التحكم في الوصول. هذا الاستخدام أقل تكرارًا لكنه مستمر، ويُبرز الروابط المتنامية بين الإجهاد المائي والضغوط المناخية والنزاع؛ إذ صُنّفت 2% من حوادث 2024 ضمن هذه الفئة.
فلسطين: في غزة، لا يزال 1.9 مليون من أصل 2.1 مليون شخص نازحين، في حين أن نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي تضرّرت أو دُمّرت بسبب الهجمات الإسرائيلية، وفقًا لليونيسيف. حتى 70% من السكان لا يستطيعون جمع الحد الأدنى وهو ستة لترات من الماء للفرد يوميًا للشرب والطهي، و90% من الأسر تعاني من انعدام أمن مائي متوسط إلى مرتفع.
وذكرت منظمة “أطباء بلا حدود” أن أسعار المياه ارتفعت بنسبة تصل إلى 500%. وأضافت أن الهجمات المتكررة والقيود على الإمدادات وتضرّر مرافق المياه عطّلت التوزيع، مما فاقم أمراض الإسهال والأمراض الجلدية وزاد المخاطر على الأطفال والنساء الحوامل. وفي الضفة الغربية المحتلة، أدت هجمات المستوطنين وعمليات الهدم الإسرائيلية إلى تضرّر وتدمير بنية المياه الفلسطينية، كما أن المداهمات المتكررة لآبار عين سامية شرق رام الله قطعت الإمداد عن نحو 100 ألف شخص.
السودان: منذ أبريل 2023، أدى القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى نزوح نحو 12 مليون شخص، وأحدث أزمة إنسانية تطال أكثر من 30 مليونًا. وثّق تقرير صادر عن أكاديمية جنيف هجمات على البنية التحتية للمياه، بما في ذلك الخزانات ومحطات المعالجة وشبكات التوزيع، ولا سيما في دارفور. وأدى انهيار أنظمة المياه والصرف الصحي إلى تفشّي الكوليرا وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، مع تصاعد مخاطر المجاعة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
إيران: الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران منذ 28 فبراير زادت الضغط على نظام المياه الذي أضعفه أصلًا سنوات من الجفاف وهطول أمطار دون المعدل واستنزاف المياه الجوفية والطلب الزراعي. وبحسب التقارير، ألحقت الهجمات أضرارًا بمحطات تحلية وخزانات في جزيرة قشم ومحافظة هرمزغان، مما عطّل إمدادات المياه لعشرات الآلاف. كما أعاق تضرّر شبكات الكهرباء والطرق أعمال الإصلاح. وجاءت الضربات في وقت كانت فيه الاحتياطيات الإيرانية منخفضة بشكل حرج، إذ بلغ استنزاف بعض الخزانات 92%. وانخفض مستوى المياه في خزانات مشهد، ثاني أكبر مدينة في إيران ويقطنها نحو أربعة ملايين شخص، إلى أقل من 3%.
منطقة الخليج: كشفت الحرب على إيران مدى هشاشة البنية التحتية الحيوية للمياه في منطقة تُعد من الأكثر شحًا بالمياه في العالم. في جميع أنحاء الخليج، يعتمد الأمن المائي بشكل كبير على محطات تحلية كبيرة لتحويل مياه البحر إلى مياه صالحة للشرب. توفر هذه المحطات نحو 90% من مياه الشرب في الكويت، و86% في عمان، و70% في السعودية. وفي البحرين تبلغ النسبة أكثر من 90%، وفي قطر 99%. تضرّرت محطات تحلية في البحرين والكويت والإمارات وإيران خلال الحرب، لكن الأثر المُبلَّغ عنه على إمدادات المياه كان محدودًا إلى حد كبير.
أوكرانيا: تفاقمت أزمة المياه في أوكرانيا مع استمرار الحرب مع روسيا وتضرّر البنية التحتية الحيوية للمياه والطاقة. وتقول اليونيسيف إن 4.3 مليون شخص حصلوا على مساعدات للحصول على مياه آمنة العام الماضي، بينما يحتاج 12.7 مليون إلى دعم إنساني. خفّضت الهجمات توليد الكهرباء بنسبة 70%، مما عطّل إمدادات المياه والتدفئة. وفي خيرسون، قطعت الضربات هذا الشهر الإمدادات عن أحياء بأكملها. أثرت كارثة سد كاخوفكا في يونيو 2023 على أكثر من 100 ألف شخص، في حين أن نحو 10 ملايين يفتقرون الآن إلى وصول موثوق إلى المياه الآمنة.