في هذه الأيام، لم يعد النظام الصحي في غزة حاضرًا في الأخبار. لا اقتحامات عنيفة للمستشفيات كما حدث في مستشفى الشفاء وأنا أعمل هناك في نوفمبر/تشرين الثاني 2023؛ لا قصف على أجنحة المستشفيات ولا قنص في ساحاتها؛ لا ادعاءات جديدة عن أنفاق سرية تحت المنشآت الطبية.
ومع ذلك، يستمر النظام الصحي في غزة في الانهيار ويزداد سوءًا. ربما يكون هذا أوضح ما يكون في مخيمات النزوح، حيث يُجبر الأكثر فقرًا وضعفًا على العيش. هناك، لا يستطيع النظام الصحي المدمر الوصول إلى من هم في أمس الحاجة إليه، ولا يستطيع المرضى والجرحى الوصول إلى نقاطه القليلة التي ما تزال تعمل. وقلة الصرف الصحي، وغياب المياه الصالحة للشرب، والتعرض المستمر لحر أو برد لا يحتمل، كل ذلك يزيد الأزمة الصحية سوءًا.
في الشهر الماضي، أتيحت لي فرصة زيارة مخيم عشوائي نشأ في أرض مدرسة حسن سلامة في حي النصر بمدينة غزة، أو فيما تبقى منها. كانت المدرسة قد دُمرت بعد قصفها مع مدرسة النصر المجاورة في أغسطس/آب 2024، ما أسفر عن مقتل 30 شخصًا على الأقل.
اليوم، يعيش مئات الأشخاص الذين شردتهم الحرب وأصبحوا بلا مأوى في خيام داخل ساحة المدرسة وفي ما تبقى من مبنى المدرسة. لا توجد أي منظمة تدير المخيم، وبالتالي لا توجد أي خدمات، بما في ذلك الخدمات الطبية.
انضممت إلى فريق من عدة مسعفين من عيادة خاصة محلية قدموا فحوصات مجانية في المخيم ليوم واحد. كان استقبالنا حارًا. رأينا ما لا يقل عن 150 مريضًا.
تنوعت الشكاوى بين ارتفاع ضغط الدم وأمراض مزمنة مثل السكري ومشاكل الكلى، وعدوى مثل التهاب الكبد والجرب. كما رأينا كثيرًا من الأطفال مصابين بجدري الماء والتهاب المعدة والأمعاء والإسهال والتهابات الجهاز التنفسي.
ورغم أننا قدمنا خدمات أساسية فقط، فإن الامتنان الذي تلقيناه كان هائلًا.
بالنسبة لكثير من المرضى في مخيمات النزوح، أصبح الوصول إلى الطبيب رحلة شبه مستحيلة تتطلب جهدًا وطاقة وموارد ليست متاحة للجميع. تكاليف النقل، والمسافات الطويلة، والإرهاق الناجم عن النزوح والحر الشديد، كلها عوامل تجعل بعض المرضى يؤجلون الرعاية الطبية رغم حاجتهم الماسة إليها.
أحد المرضى، ويبلغ من العمر 46 عامًا، كان مصابًا بإصابة سيئة في القدم بسبب شظايا وكان بحاجة إلى عكازين للتنقل. كان يعاني من مشاكل ارتفاع ضغط الدم لكنه لم يستطع الذهاب إلى مستشفى الرنتيسي القريب، لأن المنشأة تعمل بشكل جزئي وتقدم خدماتها أساسًا للأطفال ومرضى الأورام.
قطع مسافة طويلة إلى مستشفى آخر لم يكن خيارًا متاحًا له. للوصول إلى طبيب يفحص مشكلة ارتفاع ضغط الدم مجانًا ويحصل على وصفة دواء، كان عليه أن يدفع ما لا يقل عن 8 دولارات مقابل النقل إلى أقرب منشأة صحية.
وهذا مبلغ كبير بالنسبة لمعظم الناس في مخيمات النزوح الذين يجدون صعوبة حتى في تأمين وجباتهم اليومية.
تأخر الرعاية الطبية، إلى جانب نقص الأدوية وظروف المعيشة الصعبة، يمكن أن يفاقم الأمراض وقد يؤدي إلى الوفاة.
كل هذا يمكن منعه إذا عادت الرعاية الصحية الأساسية إلى غزة، ولا سيما تحت مظلة منظمة كبيرة مثل الأونروا.
بعد النكبة، لعبت الأونروا دورًا أساسيًا في إنشاء رعاية صحية أساسية للاجئين الفلسطينيين الذين جاءوا إلى غزة. أنشأت عيادات في كل مخيم للاجئين، مما ساعد في ضمان مستوى أساسي من الرعاية الصحية المجانية.
قبل الحرب، كانت الأونروا تدير 22 عيادة في قطاع غزة. ووفقًا لتقرير حديث، ست عيادات فقط ما تزال تعمل اليوم. كما أن 19 مستشفى من بين 34 مستشفى في غزة تعمل بشكل جزئي فقط – وكلمة “جزئي” هي المفتاح هنا. فمعظم أجنحة هذه المستشفيات لا تعمل بسبب الدمار الذي لحق بها.
اليوم، في قطاع غزة بأكمله، لا يتوفر سوى 2200 سرير للمرضى الداخليين لخدمة مليوني شخص. قبل الحرب، كان مستشفى الشفاء وحده يضم 700 سرير.
خدمات طبية مختلفة، بما في ذلك الفحوصات المخبرية والعمليات الجراحية والعلاجات، لم تعد متاحة بسبب نقص المستلزمات أو نقص الأطباء الأحياء القادرين على تقديمها.
تدمير المنشآت الطبية وتشريد سكان غزة حوّلا الحق في الرعاية الصحية إلى امتياز.
نحن بحاجة ماسة إلى تدخل صحي يركز ليس فقط على إعادة بناء المستشفيات، بل أيضًا على إعادة إنشاء عيادات الرعاية الأساسية والوصول إلى الأكثر ضعفًا في مخيمات النزوح.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.