بعد ستة أشهر من الحرب الأميركية الإسرائيلية، لا تزال إيران صامدة.. لكن ثمن البقاء يزداد

منذ ستة أشهر، تشن الولايات المتحدة وإسرائيل حملتها العسكرية المنسقة ضد إيران التي بدأت في 28 فبراير. يمكن بسهولة تقديم هذه الحرب كحلقة جديدة في العداء الطويل بين واشنطن وطهران، لكن هذا الإطار يفوّت سياقها المباشر. السياق الحقيقي هو ما جرى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023: حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، التي امتدت أصداؤها إلى المنطقة، وأرهقت شبكة حلفاء إيران، وجرّت إسرائيل وإيران إلى مواجهة متصاعدة بلغت ذروتها في حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025، ثم الحملة الأميركية-الإسرائيلية في فبراير/شباط الماضي. المسار الثنائي بين واشنطن وطهران زاد الأمر حدّة. فقبل نحو ثماني سنوات من الحرب الحالية، أطلقت إدارة ترامب الأولى سياسة “الضغط الأقصى” التي هدفت إلى خفض صادرات إيران النفطية إلى الصفر. وعندما فشلت في إحداث تغيير سياسي، تحوّل الضغط الاقتصادي إلى قوة عسكرية. وبعد ستة أشهر، عادت الحملة إلى نقطة البداية: ضغط اقتصادي يُمارس بقوة أكبر. الاقتصاد، ثم الحرب، ثم الاقتصاد من جديد.

عند علامة المئة يوم، كان بإمكان طهران أن تقدم النتيجة على أنها انتصار بالبقاء: فخصومها فشلوا في إسقاط النظام، وبمقياس طهران ذاته كان هذا هو المهم. أما بعد ستة أشهر، فصار هذا الادعاء أصعب في التمسك به، لأن الضغط انتقل إلى الأرض التي كانت إيران فيها دائمًا أضعف. السؤال لم يعد هل تستطيع إيران النجاة من هجوم عسكري، بل هل تستطيع الصمود أمام حصار اقتصادي لا توجد أي إشارة إلى رفعه.

قيادة تفرغت من رأسها

التغيير الأكثر وضوحًا حصل في القمة. بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الأولى، عُيّن ابنه مجتبى بعد أكثر من أسبوع بقليل، في خلافة قدّمتها طهران كدليل على الاستمرارية والتماسك. لكن بعد ستة أشهر، لم يظهر مجتبى في أي مناسبة عامة موثقة. صورة تُحمل في الساحات وفي مراسم العزاء، وتُصدر المراسيم باسمه، بينما تستمر الشائعات حول وضعه. القيادة التي كانت تستمد سلطتها من حضور شخص واحد ظاهر، أصبحت الآن تعتمد جزئيًا على غياب.

يقرأ  اعتقال مقيمين من شرق القدس بتهمة دعم الإرهاب وحيازة علم حركة حماس

كما اضطرت الدولة إلى إعادة بناء هيكل القيادة في خضم الحرب. الضربة الأولى قتلت قائد الحرس الثوري محمد باكبور ورئيس الأركان عبد الرحيم موسوي، وسقط قادة كبار آخرون في الأسابيع التالية. في 10 أغسطس/آب، أصدرت مراسيم باسم مجتبى تقضي بترتيب قيادة عسكرية جديدة، من بينها تعيين أحمد وحيدي قائدًا للحرس الثوري وعلي عبداللهي رئيسًا للأركان. بدت هذه التعيينات وكأنها ترجّح الولاء والاستمرارية على التغيير، وقرأها كثيرون على أنها إشارة إلى أن طهران لن تلين. لكن المغزى الأعمق أبسط: دولة ما زالت تعيد بناء هرم القيادة العسكرية في الشهر السادس من الحرب، ليست في موضع قوة.

من “الضغط الأقصى” إلى “المنبوذ اقتصاديًا”

أوضح دليل على أن الحرب عادت إلى أصولها الاقتصادية هو الحملة التي كثفتها واشنطن منذ تعليق الضربات في مطلع أغسطس/آب. كان المسؤولون الأميركيون قد أطلقوا على الجهد الأوسع اسم “الغضب الاقتصادي”. وفي 24 أغسطس/آب، أطلقت وزارة الخزانة عملية “المنبوذ اقتصاديًا”، وهي حملة موسّعة هدفها قطع ما تبقى من الروابط المالية بين إيران والعالم الخارجي. أدواتها معروفة من حقبة “الضغط الأقصى” قبل الحرب، لكنها تُستخدم بقوة أكبر: عقوبات ثانوية على من ينقل النفط الإيراني، وإجراءات ضد أسطول الظل والشبكات المالية، وتشديد أكبر في إنفاذ العقوبات الدولية. صادرات إيران النفطية، التي كانت قرب 1.8 مليون برميل يوميًا قبل الحرب، هبطت إلى أقل من نصف مليون. والتضخم يقترب من 90 بالمئة، وأسعار المواد الغذائية أكثر من ضعف ما كانت عليه قبل عام.

لكن الحصار يقع على اقتصاد لم تكن مشاكله يومًا من صنع العقوبات وحدها. فإيران أخفقت طويلًا في تحصين نفسها ضد نظامٍ بُني على مدى عقود، من العقوبات الأميركية التي تعود إلى الثمانينيات، إلى قرارات مجلس الأمن منذ 2006. ولا الشراكة مع الصين التي تمتد 25 عامًا وتبلغ 400 مليار دولار، ولا المعاهدة الاستراتيجية مع روسيا في مطلع 2025، حقّقتا الاستقرار الذي كانت طهران تصبو إليه. وقبل الحرب، كان علي خامنئي وبيزشكيان يصرّحان بأن العقوبات وحدها لا تفسّر عمق الأزمة، وأن للحوكمة نصيبًا في ذلك. السلاح الاقتصادي يعمل جزئيًا لأن الدولة المستهدفة كانت بالأساس مكشوفة بنيويًا.

يقرأ  بسبب الطرد في ثمن نهائي المونديال.. إيقاف مدافع المنتخب الإنجليزي كوانساه مباراتين

هذا الضغط فُرض الآن في البحر. أغلقت إيران مضيق هرمز ردًّا في 28 فبراير، ولم يُفتح بعد ستة أشهر. والحصار البحري الذي تلا الإغلاق اندمج معه ليصبح خانقًا واحدًا على تجارة إيران.

روايتان متباعدتان في طهران

هذا الانكشاف البنيوي يدفع انقسامًا قديمًا إلى العلن. لسنوات، فسّرت القيادة الإيرانية أزماتها بروايتين متنافستين: رواية تقدمها القيادة السياسية تعترف بفشل الحوكمة الاقتصادية، ورواية يروّجها المؤسسة الأمنية تلقى بالاضطراب على الأعداء الخارجيين. وتحت ضغط الحصار، تحوّل هذا التباعد إلى خلاف حول الحرب نفسها. الرئيس بيزشكيان، الذي وقع مذكرة يونيو/حزيران مع واشنطن، يتحدث بصراحة متزايدة عن اقتصاد ينهار، قائلًا هذا الشهر إن صعوبات إيران “تضاعفت عدة مرات” مع تراجع الإيرادات. وفي 21 أغسطس/آب، قال إنه “من الأفضل إنهاء الحرب اليوم، ونحن في موضع قوة”، حتى في الوقت الذي كانت حكومته تعدّ الإيرانيين لزيادات مؤلمة في أسعار الوقود.

رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف كان أكثر وضوحًا في وصف الخطر: “مهما كانت قوتنا العسكرية، إذا كان الناس جياعًا ولم تكن هناك دورة مالية، أو نمو اقتصادي، أو إنتاج وطني، فلن نصمد”. لكنه ما زال مرتبطًا بمنطق المؤسسة الأمنية، إذ يصرّ على أن الدبلوماسية لا تزن شيئًا إلا إذا كانت مدعومة بالاستعداد للحرب، ويعتبر التحول الاقتصادي الأميركي اعترافًا بالفشل العسكري. أن يقول أرفع شخصيتين مدنيتين في إيران علنًا الآن إن الجوع، لا القصف، هو الخطر الأكبر، يشكّل تحولًا عن الخطاب الواثق في الأشهر الأولى من الحرب. لم تُنهِ الحربُ الجدلَ حول المسؤولية عن اندلاعها، بل رفعت سقف المخاطر.

بعد ستة أشهر، ما تزال القيادة الإيرانية تقيس الحرب بالمعيار الذي وضعته منذ البداية: النظام لم يسقط، وكل ما عداه يمكن تعويضه. وبهذا المعيار، يظل البقاء شكلاً من أشكال النصر. لكن الضغط الآن يقع على الأسر والسوق، حيث يصعب الردّ بلغة المقاومة. ولم يعد الانقسام بين رئيس يدعو إلى إنهاء الحرب ومؤسسة أمنية مصممة على الصمود حتى النهاية خافياً.

يقرأ  العاصفة الاستوائية «تاباه» تضرب جنوب الصين وتدفع إلى إجلاء السكان وإغلاق المدارس

لقد أوجدت الحرب أيضاً شروطَ نهايتها المحتملة. فالمضيق المغلق والحصار أصبحا محورَ الدبلوماسية. وإعادة فتح المضيق ورفع الحصار هما الورقتان اللتان تحكم كل طرف به على الآخر، والمدخل الأكثر واقعية لأي مفاوضات قد تضع حداً للصراع.

هذا يضع إيران أمام خيار صعب. فالتفاوض على تسوية بالشروط التي تقبلها واشنطن قد يفجّر الانقسام الداخلي الذي يخشاه المتشددون؛ والاستمرار في الصمود قد يعني استنزافاً اقتصادياً وشتاءً يختبر قدرة الدولة على توفير احتياجات مواطنيها. كما عززت الحرب، لدى جزء من القيادة، قناعة أن امتلاك قدرة نووية كان سيردع الهجوم الأولي، مما يجعل أي تسوية دائمة أصعب.

وتحت هذه الضغوط المباشرة، هناك نمط أعمق. فالمواجهة بين واشنطن وطهران كانت في جوهرها صراعاً تصوغه معتقدات النخب السياسية في البلدين تجاه بعضها البعض وتجاه مخاطر التعامل معاً. وفي الجانب الإيراني، أدى العداء الأميركي مراراً إلى تعميق الانقسامات داخل النخبة الحاكمة بدلاً من دفعها إلى الاتفاق، وزاد من ترددها في اتخاذ قرارات جريئة بشأن التفاوض مع الولايات المتحدة. والضغط الذي كان يهدف إلى إجبار طهران على الحسم جعلها أكثر تردداً، وضاعف الضغوط السياسية والاقتصادية. وبعد ستة أشهر من الحرب، يظهر النمط نفسه: الحملة عادت إلى السلاح الاقتصادي الذي بدأت به، والنخبة الإيرانية أكثر انقساماً، والقرار الجريء الذي تتطلبه التسوية ما زال بعيداً، ولا توجد مؤشرات على أن هذه الدائرة ستنتهي قريباً.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للشبكة.

أضف تعليق