مزارع غزّي يعود إلى كرومه التي لم يطق فراقها

الساعة الرابعة فجرًا، وما تزال غزة مظلمة وهادئة. لكن خالد أبو مدين يستيقظ على روتين عاد إليه مؤخرًا، بعد أن اضطر لتركه طوال ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب. يمشي بين صفوف الكروم في حي الشيخ عجلين، جنوب غربي مدينة غزة، مع عمّاله، يتفقد الثمار ويقص عناقيد العنب من الكروم التي نجت من حرب الإبادة الإسرائيلية.

هواء الصباح الباكر أبرد. ينتشر النور الأول فوق الكرم، فتبدو الصفوف الخضراء التي خشي خالد فترة من الوقت ألا يراها مجددًا.

بالنسبة إلى خالد، البالغ من العمر خمسين عامًا، هذا العام ليس مجرد موسم قطف. إنه عودة إلى حياة ظن أنه فقدها. يقول وهو يعمل بين الكروم: “أشعر أنني عدت إلى روحي.”

عائلته زرعت العنب والتين في الشيخ عجلين منذ أجيال. ورث الأرض عن أبيه وجدّه، وترك خالد عملًا في إدارة المشاريع ليتفرغ للزراعة.

في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بدأت الحرب. سنحت لخالد فرصة المغادرة؛ فزوجته لبنانية-إيطالية، وهو نفسه درس في إيطاليا سابقًا وحصل على شهادة جامعية وأخرى دراسات عليا. كان الانتقال إلى إيطاليا خيارًا منطقيًا، لكنه كان يعني ترك كرومه، ولم يستطع فعل ذلك.

خلال الأشهر الأولى من الحرب، بقي خالد في غزة رافضًا المغادرة رغم الخطر. أُجليت زوجته وأطفاله إلى إيطاليا، وبقي هو ليظل قريبًا من الأرض ومن أمه المسنّة.

ثم اقترب القصف الإسرائيلي أكثر. يقول إنه تلقى اتصالًا يأمره بالمغادرة فورًا، مع تهديد بقصف المنزل إذا لم يفعل. يروي: “لم يكن لدي خيار. غادرت مع أمي ونزحنا إلى دير البلح في وسط غزة.”

بعيدًا عن كرومه، ظلّت أفكاره متعلقة بما يحدث لأرضه. رغم الخطر الكبير، وشمال غزة بما فيه مدينة غزة دُمّر على يد القوات الإسرائيلية، حاول أكثر من مرة العودة.

يقرأ  احتمال وصول قافلة بحرية من غزة إلى مياه إسرائيل في يوم الغفران (كيبور)

في إحدى المحاولات، ذهب مع اثنين من عمّاله لتفقّد الحقول. يقول إن القوات الإسرائيلية فتحت النار، فأصابت أحد العاملين. يتذكر: “هربنا من إطلاق النار، وبقينا ساعات حتى تمكّنا من إنقاذه بعد أن فقد الكثير من الدم.”

ورغم تلك التجربة، لم يستطع خالد التخلص من الفكرة التي تراوده: كان عليه العودة إلى كرومه.

أضف تعليق