حياة كانت عادية.. صيادة إيرانية تواجه غموض الحرب

أنا خديجة بندري، صيادة سمك إيرانية من جزيرة هنجام في جنوب إيران. عمري 28 سنة، ومنذ أن أتذكر كنت أخرج إلى البحر مع أمي التي علّمتني الصيد. عندما كبرت، حصلت على قارب خاص بي وصرت أصطاد بنفسي. البحر ملك لنا نحن النساء كما هو ملك للرجال، ومثل أمي أعتبر الصيد جزءًا من حياتي.

تزوجت من رجل من شمال إيران، وكان يسكن في جزيرة قشم القريبة. بعد الزواج انتقل إلى هنجام، وفتحنا معًا بيت ضيافة صغير. كنا نبيع السمك الذي نصطاده عبر صفحتنا على إنستغرام، ونوصّله إلى مدن إيرانية مختلفة. وكان لدينا أيضًا مطعم صغير على الشاطئ، نقدّم فيه للسياح سمكًا طازجًا نصطاده بأنفسنا.

لدينا طفل عمره ثلاث سنوات اسمه كيهان، ومعناه «العالم». هو عالمنا كله. أحيانًا يخرج معي إلى البحر للصيد، وأحيانًا يبقى في الجزيرة مع والده.

بدأت حياتنا تصبح صعبة عندما أُغلقت شبكة الإنترنت في إيران لعدة أسابيع في يناير. قلّ عدد السياح الذين يزورون الجزيرة، وتوقف بيع السمك عبر الإنترنت، وهو جزء كبير من عملنا. وعندما عاد الإنترنت، تنفسنا الصعداء وظننا أن الحياة رجعت إلى طبيعتها، لكننا كنا مخطئين.

في يوم السبت 28 فبراير، كانت أمي في البحر تصطاد، بينما بقيت أنا في مطعمنا على الشاطئ. وما نادت به من البحر كان آخر شيء توقعت سماعه. صاحت: «بدأت الحرب». وصل إلى جزيرة هنجام بعد ذلك صوت انفجارات القنابل الأمريكية، ثم أُصيبت قرية قريبة منا. وقبل أن نفهم ما يحدث، جاء حارس من خفر السواحل إلى الشاطئ وطلب منا أن نجمع أغراضنا ونبقى بعيدين عن البحر.

في الأيام الأولى، كان الجميع يتوقع أن تنتهي الضربات خلال أيام أو أسابيع، مثل ما حدث سابقًا. لكن ذلك لم يحدث، واستمرت الحرب ليلًا ونهارًا. ومع مرور الوقت، بدأ سكان الجزيرة يغادرون، عائلة بعد عائلة.

يقرأ  ما رؤية طارق رحمن لمستقبل بنغلاديش؟

بسبب الخوف من القصف، أُغلق الرصيف، ولم تستطع قوارب الصيد الخروج إلى البحر خوفًا من استهدافها. كما مُنع التنقل بين هنجام وقشم خوفًا على قوارب الركاب. الصيد، الذي كان دائمًا جزءًا من حياتنا، أصبح فجأة نشاطًا خطيرًا.

عندما اشتدت الحرب، طُلب من سكان هنجام الذين يسكنون قرب الرصيف مغادرة منازلهم لأنها قد تُقصف. خرجت بقية عائلتي مع أمي إلى بيت أختي في قشم، بينما بقي أبي ليرعى ماعزنا. كان بيتنا بعيدًا عن الرصيف، فظننا أننا قد نكون آمنين. لكن الجزيرة بقيت خطرة، وكنت خائفة على حياة طفلي.

كانت أحاديثنا كل ليلة تدور حول كم تبقّى لنا من الوقت في الجزيرة. كثيرون قالوا إنهم لن يغادروا بيوتهم. بعضهم لا مكان آخر يذهب إليه، وبعضهم ببساطة لا يريد أن يتخلى عن بيته وحياته في هنجام. ما زال قصف هنجام وقشم وكامل الساحل الجنوبي لإيران مستمرًا، ولا نعرف متى سيتوقف.

أمر واحد كان واضحًا: أُغلق كل من رصيف هنجام ورصيف كندالو، ولم يعد السياح يأتون إلى الجزيرة، ولم يعد بإمكان الصيادين والصيادات الخروج إلى البحر بأمان.

مرّ شهر على بداية الحرب، وأصبح واضحًا أنها لن تنتهي قريبًا. صار من المهم بالنسبة لنا أن نحافظ على معنوياتنا وأن نعتني بكيهان. ومثل أي شخص لديه أطفال، بدأنا نختلق القصص ونلعب الألعاب لنساعد طفلنا ألا يخاف من صوت القنابل والصواريخ.

بالنسبة لمن بقينا في الجزيرة، كان الحفاظ على إحساس الحياة الطبيعية مهمًا جدًا. كانت أمي، التي ذهبت إلى قشم، تتصل بنا كل يوم، تبكي وتتوسل إلينا أن نغادر هنجام. الجيران الذين بقوا مثلنا كانوا يجتمعون كل ليلة عند محلنا على الشاطئ. كنا نقدّم الحلويات المحلية والسمبوسة للسياح القلائل والسكان الذين ما زالوا موجودين، ونتحدث عن الحرب. كنا نقول لأنفسنا: «ربما تنتهي الحرب غدًا». لكن في اليوم التالي يستمر القصف، و«غدًا» يبتعد أكثر فأكثر.

يقرأ  اليوم الـ102 من الحرب على إيران — ترامب يحذّر إسرائيل من شنّ ضربات جديدة بينما وقف إطلاق النار يصمد

في النهاية، قرر زوجي أن يأخذنا بعيدًا عن هنجام لبضعة أيام لزيارة عائلته.

في اليوم الذي غادرنا فيه هنجام، تعرضت الجزيرة لهجوم مرة أخرى. الرصيف الذي كنا نوصّل الطعام إلى أبي عبره، والذي كان أطفالنا يلعبون عليه معًا كل يوم، دُمّر في الهجوم، وقُتل ثلاثة أشخاص.

سمعنا نبأ الهجوم على الرصيف في نفس اليوم، لكننا لم نعرف حجم الضرر ولا من قُتل. كانت الهواتف لا تعمل أيضًا، ولم نستطع الوصول إلى أحد. ولم ندرك حجم الدمار إلا في المساء، عندما بدأنا نسمع ردودًا من الناس.

لم يقتصر الضرر في هنجام على بيوتنا والرصيف والخوف الذي شعرنا به. كثيرون رأوا مدخرات حياتهم كلها، التي تكون غالبًا على شكل قارب، تتحطّم في الهجمات. هوى أربابي فقدت قاربها الصغير وبيتها في الحرب. ومنذ ذلك الحين، تعيش في بيت أختها. عارف أربابي فقد أيضاً منزله الذي كان قد بدأ ببنائه قبل فترة قصيرة، وقاربه الذي تعب كثيراً حتى استطاع شراءه هذا العام. أما سهيل هرمزي فسيبقى لسنوات قادمة يسدد أقساط قرض زواج أخذه ليشتري قارباً، رغم أن القارب دُمّر في الهجمات الأمريكية. وأبوطالب زارعي اشترى قاربه أيضاً بقرض زواج، وقد دُمّر هو الآخر. وإلى جانب هذه البيوت، تضررت أو دُمرت بيوت كثيرة أخرى في جزيرة هنغام.

منذ الأيام الأولى للحرب، توقفت أعمال الناس ومصادر رزقهم في الجزيرة. لا سياح يزورون الجزيرة، والبحر ليس آمناً بما يكفي لنخرج للعمل فيه.

ومع ذلك، كثيرون يضطرون إلى النزول إلى البحر للصيد لأنه مصدر دخلهم الوحيد. حتى أمي وأخي ما زالا يصطادان رغم الظروف. حين لا يكون لديك طريق آخر لكسب العيش، تضطر إلى المجازفة.

خسرنا عملنا واضطررنا إلى البدء من الصفر. بدأت أبيع حُلياً يدوية صنعتها من أصداف البحر، بينما وجد زوجي عملاً في الشمال. قبل بضعة أشهر انتقلنا من جنوب البحر إلى الساحل الشمالي، لكن قلوبنا بقيت في هنغام. كل يوم نفكر في العودة.

يقرأ  كيف كشف إغراق الولايات المتحدة لسفينة حربية إيرانية عن انهيار مزاعم مودي بأنه «الوصي»— صراع إسرائيل وإيران

أمي التي كانت تحثنا كل يوم وسط الحرب على مغادرة هنغام، عادت الآن إلى الجزيرة لتصطاد. في كل مرة تخرج إلى البحر نقلق عليها ونتصل ببعضنا مراراً وتكراراً. لا نعرف أبداً متى قد يبدأ القصف الأمريكي من جديد.

نعم، لقد أصبحنا بلا مأوى بسبب الحرب، لكنني لا أريد أن يُعرف أهل هنغام فقط بهذا. لقد عشنا دائماً على الصيد والسياحة وثمار عملنا. لكننا الآن حُرِمنا من القدرة على العمل في أرضنا. نحتاج إلى أن نعود إلى حياتنا. ولكي يحدث ذلك، يجب تعويض القوارب التي دُمّرت، وإصلاح البيوت ومصادر الرزق التي خسرها الناس، والأهم من ذلك إعادة الأمن حتى يتمكن الجميع من العودة إلى حياتهم العادية.

أضف تعليق