رأي: تجربة قيس سعيد الاقتصادية خذلت تونس

في ليلة 14 يناير/كانون الثاني 2011، لم تكن تونس ديمقراطية مثالية، ولا “التنين” الاقتصادي للبحر الأبيض المتوسط الجنوبي كما كانت تروّج له الدعاية الرسمية. كانت الحريات العامة والفردية مقيدة، والمحسوبية منتشرة، والتنمية غير متوازنة، والنظام يمسك بتفاصيل الحياة اليومية بقبضة حديدية.

كان “النموذج التونسي” يعاني اختلالات عميقة، كثير منها ساهم في إشعال الثورة. فالتفاوت الجهوي والاجتماعي في توزيع الثروة والفرص خلق إحساساً متزايداً بالظلم لدى شريحة واسعة من الناس. وعندما اندلعت الاحتجاجات بعد سوء معاملة شرطة البلدية لبائع متجول في سيدي بوزيد ثم انتحاره، تحولت إلى انتفاضة شعبية غيّرت في النهاية النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد.

لكن الاعتراف بالظلم الذي عانى منه التونسيون قبل 2011 لا ينبغي أن يخفي حقيقة أخرى: كانت الدولة تملك إدارة متماسكة، وتدير اقتصاداً مفتوحاً يحافظ إلى حد ما على توازناته الكبرى، وتقدّم خدمات عامة تلبي حاجات المواطنين بدرجة مقبولة.

كان الاقتصاد بعيداً كل البعد عن تحقيق الازدهار للجميع، وكانت ثماره موزعة بظلم. لكنه ظل متماسكاً وحقق نمواً مطرداً بلغ متوسطه 4 في المائة سنوياً خلال العقد الذي سبق الثورة. هذا المعدل تراجع إلى النصف بين 2011 و2021.

فتحت الثورة صفحة جديدة حملت التعددية السياسية وحرية التعبير والمؤسسات الديمقراطية. لكن هذا الانتقال السياسي لم يرافقه انتقال اقتصادي. تغيّرت الحكومات والائتلافات والسياسات دون أن يوضع الاقتصاد على مسار نمو عادل ومستدام. بل تدهورت المؤشرات الاقتصادية، وتفاقم اختلال المالية العامة، وأصبح خلق الثروة وفرص العمل أكثر صعوبة.

ومع ذلك، ورغم هذا التراجع والصعوبات القاسية، خصوصاً أثناء جائحة كوفيد-19، لم تصل تونس قبل 2021 إلى النقطة التي تعجز فيها الدولة عن أداء وظائفها الأساسية، أو تتعطل فيها التوازنات الأساسية للاقتصاد بشكل حاد، كما حدث فيما بعد.

ويعيش التونسيون اليوم صيف 2026 وسط انقطاع متواصل للتيار الكهربائي والمياه، ومنظومة صحية منهارة لا تستطيع توفير الرعاية الأساسية والأدوية الضرورية، وقدرة شرائية في أدنى مستوياتها، حتى إن المواطن بالكاد يجد قوت يومه الأساسي.

كيف وصلت تونس إلى وضع لم تشهد له مثيلاً في تاريخ الدولة المستقلة؟ وكيف تحولت وعود الخلاص الاقتصادي، والاعتماد على الذات، واستعادة الأموال المنهوبة، وبناء نموذج اقتصادي جديد، إلى واقع لا يجد فيه المواطن ماءً يكفيه هو وأسرته؟

### بين سحر الخطاب وممارسة السلطة

وصل قيس سعيّد إلى السلطة في 2019 في لحظة إنهاك سياسي، بعد سنوات من الصراع بين النخب، وسط صعوبات اقتصادية واجتماعية متزايدة جعلت كثيراً من التونسيين يفقدون الثقة في الطبقة السياسية.

يقرأ  الاحتفاظ بأفضل المواهب عبر مسارات تطوير مهني أقوى

لم يأتِ بفلسفة سياسية متماسكة ولا بمدرسة فكرية اقتصادية معروفة. بدلاً من ذلك، قدّم خطاباً شعبوياً يختزل تعقيد الاقتصاد والمجتمع التونسي في فكرة بسيطة: تونس ليست فقيرة، بل ثروتها نهبت واحتكرها فاسدون ورجال أعمال مرتبطون بالنظام القديم. والمطلوب أن تستعيد الدولة هذه الأموال وتعيد توزيعها على المناطق والفئات المحرومة.

وهكذا أصبحت مكافحة الفساد ركيزة أساسية في خطابه، لا بوصفها جزءاً من إصلاح المؤسسات فحسب، بل بوصفها مقاربة تكاد تكفي وحدها لإعادة بناء الاقتصاد.

ومن هنا جاءت الوعود الكبرى: استعادة الأموال المنهوبة، وإنشاء الشركات الأهلية كشكل جديد من أشكال الملكية، وقطع العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية ووكالات التصنيف السيادية باسم “الاعتماد على الذات”.

لقيت هذه الأفكار ترحيباً لدى كثير من التونسيين، لأنها اختزلت أزمة معقدة في أسباب ومذنبين واضحين، وأيضاً لأنها اعتمدت على خيبة أمل حقيقية من النخبة السياسية ما بعد الثورة، وعلى مشاكل فعلية مثل الفساد وسوء الحوكمة والتفاوت الجهوي والاجتماعي.

في جويلية 2021، استولى سعيّد على كل السلطات، وحلّ المؤسسات الدستورية، وأسكت أصوات المعارضة باسم تنفيذ مشروع وعد بأن يضع تونس على مسار تاريخي جديد.

فماذا أصبح من ذلك المشروع؟ مكافحة الفساد لاستعادة الثروة، واسترجاع الأموال المنهوبة لتمويل التنمية، وإعادة توزيع الثروة على المناطق المهمشة، وإنشاء شركات أهلية تملكها وتديرها المجتمعات المحلية، وبناء اقتصاد أكثر استقلالاً عن الخارج؟

وماذا أنتج الخطاب والوعود بعد أن تحول إلى ممارسة فعلية للسلطة؟

### الأرقام عنيدة

مهما كان الموقف السياسي من قيس سعيّد، تقدم الأرقام الاقتصادية مقياساً واضحاً للنتائج.

بعد انتعاش مؤقت في مرحلة ما بعد الجائحة حقق نمواً بنحو 4.7 في المائة سنة 2021، تراجع النمو إلى 2.8 في المائة سنة 2022، ثم إلى 0.2 في المائة سنة 2023، قبل أن يرتفع إلى 1.6 في المائة سنة 2024 وإلى نحو 2.5 في المائة سنة 2025، وفق بيانات البنك الدولي.

النمو بنسبة 2 أو 2.5 في المائة غير كافٍ لامتصاص البطالة التي ما تزال عند نحو 15 في المائة، ناهيك عن خلق وظائف جديدة. وهو أيضاً غير كافٍ لتمويل الاستثمار الذي يحتاجه اقتصاد يعاني أصلاً من اختلالات هيكلية.

وفي الوقت نفسه، زادت حاجة الدولة إلى موارد لتمويل نفقاتها وتسديد ديونها. فارتفع الدين العمومي من نحو 67.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2019 إلى قرابة 85 في المائة سنة 2024، بينما قفزت الاحتياجات التمويلية الإجمالية من 7.9 في المائة من الناتج إلى 16 في المائة.

يقرأ  بوتين يهدد باحتجاز سفن أوروبية بالمثل

ومع تضييق الخناق على التمويل الخارجي، أصبحت الدولة تعتمد أكثر فأكثر على السوق الداخلية والجهاز المصرفي. في فيفري 2024، أقرض البنك المركزي الخزينة مباشرة نحو سبعة مليارات دينار، بدون فوائد وبأجل سداد طويل. وفي 2025، اقترضت الدولة مرة أخرى المبلغ نفسه مباشرة من البنك المركزي، بعملة أجنبية، لتغطية جزء من احتياجاتها التمويلية الخارجية.

كما طُلب من البنوك التجارية بدرجة متزايدة تمويل الخزينة عبر السندات الحكومية، ما أدى إلى مزاحمة القطاع الخاص وتقييد وصوله إلى التمويل.

وفي الوقت نفسه، بلغت الكتلة النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي مستويات قياسية، بعد أن تراجعت السلطات عن سياسات سابقة كانت تشجع الدفع الإلكتروني، وإدماج الاقتصاد غير الرسمي، والحد من التعامل النقدي. وهذا أضعف قدرة الجهاز المصرفي على تعبئة المدخرات وتمويل الاستثمار المنتج.

ونتيجة لذلك، تراجعت القدرة الشرائية بشكل حاد. ومع أن التضخم انخفض من ذروة بلغت 10.4 في المائة في فيفري 2023 إلى نحو 5.7 في المائة سنة 2025، فإن الأسعار لم تعد إلى مستوياتها السابقة، وما تزال المواد الغذائية تشكل عبئاً كبيراً على الأسر التونسية.

وبحلول صيف 2026، تجاوزت الأزمة الإحصاءات الاقتصادية لتغزو الحياة اليومية. فالتونسيون ينظّمون أيامهم وفق مواعيد انقطاع الكهرباء والماء، وكثيرون منهم لا يرون خلاصاً إلا في الهجرة، حتى لو كان الطريق يحمل الموت في عرض البحر.

فماذا حدث للوعود بإعادة كتابة التاريخ، وصناعة نموذج إنساني جديد يؤمن الكرامة للتونسيين ويلهم بقية العالم، وهي العبارات التي رددها سعيّد مراراً في خطبه؟

وضع تونس اليوم درس عملي لأي شخص ما يزال يعتقد أن الأوهام والكلمات والشعارات يمكنها بناء مستقبل الأمم.

### انهيار الشعارات

كان شعار “الاعتماد على الذات” جذاباً لأنه يوحي بالاستقلال الاقتصادي والتحرر من التبعية الخارجية. لكنه تحول تدريجياً إلى تهديد لاستدامة النظام المصرفي والمالي التونسي نفسه.

فهو لم يقلل المديونية بقدر ما غيّر وجهتها نحو السوق الداخلية، قبل أن تدفع ندرة التمويل المحلي إلى الاقتراض من الخارج من جديد، حيث تواجه تونس تكاليف اقتراض مرتفعة جداً بسبب اعتمادها على الأسواق المالية، وتراجع تصنيفها السيادي، وعلاقتها المتوترة مع صندوق النقد الدولي لأسباب أيديولوجية.

أما وعد استعادة الأموال المنهوبة، فقد أسفر عن امتلاء السجون برجال الأعمال وملاحقتهم المستمرة، حتى أصبح كونك مستثمراً في تونس شبهاً بالاتهام. هذه المناخ أثبط الاستثمار، وعطّل الإنتاج، وساهم في إفلاس شركات، وفاقم البطالة والتوترات الاجتماعية، دون أن يحقق للدولة عوائد مالية تذكر.

يقرأ  رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم يهاجم نائب رئيس الاتحاد الإسرائيلي خلال مؤتمر الفيفا أخبار كأس العالم 2026

أما مشروع الشركات الأهلية، وهو ركيزة أخرى جوهرية في برنامج سعيّد، فيكشف قصور رؤيته الاقتصادية وضعف أساسها النظري.

قُدّم المشروع كشكل بديل من أشكال الملكية، يشبه تجارب تتراوح بين الكيبوتزات، ومؤسسات يديرها العمال في الأرجنتين، وتعاونيات فلاحية في البرازيل وبوليفيا. لكن تغيير شكل الملكية لا يخلق الثروة تلقائياً. فالمشروع يحتاج إلى رأس مال، ودراسة جدوى حقيقية، وحوكمة سليمة، وأسواق، وتكنولوجيا.

هذه الشروط لم تتحقق للشركات الأهلية. فبدلاً من أن تصبح محركاً للنمو ومخففاً للضغط على المالية العمومية، صارت هي نفسها تعتمد على تدخل الخزينة وتمويل عمومي لمجرد البقاء، فأصبحت عبئاً إضافياً على دولة تعاني أصلاً من شح الموارد.

### الدرس من تونس

قد يكون من السهل، وسط الجدل السياسي المحتدم في تونس، تحميل السنوات الخمس الماضية وحدها مسؤولية كل مشاكل الاقتصاد. لكن ذلك سيكون ظلماً للواقع الاقتصادي.

فلم يرث سعيّد اقتصاداً سليماً، ولا دولة بلا ديون، ولا مؤسسات عمومية تعمل بكفاءة، ولا سوق شغل قادراً على استيعاب مئات الآلاف من الشباب. تونس كانت تعاني أصلاً لسنوات من ضعف النمو، وارتفاع البطالة، واختلال المالية العمومية، وتراجع الاستثمار، وتفاوت جهوي لم تستطع الحكومات المتعاقبة تقليصه.

كما لم يحكم سعيّد في معزل عن بيئة دولية صعبة استثنائياً. كوفيد-19 ترك ندوباً عميقة على الاقتصاد. والحرب في أوكرانيا رفعت أسعار الطاقة والحبوب والمواد الأولية، بينما عانت تونس واحدة من أقسى موجات الجفاف في تاريخها الحديث.

لكن لا شيء من ذلك يعفي سعيّد من المسؤولية. فالحكام لا يُحاكمون فقط على الأزمات التي يرثونها، بل على الاتجاه الذي تسير فيه البلاد بعد توليهم السلطة.

ومسؤولية سعيّد أكبر، لأنه لم يعد فقط بالإصلاح أو بتحسين ظروف العيش. بل ادعى أنه يأتي بأفكار جديدة استثنائية لم يشهد لها البشر مثيلاً، وأنه يكتب تاريخاً جديداً للشعب التونسي، على حد تعبيره الذي يكرره بنفسه.

ولتنفيذ مشروعه، استولى على كل السلطات، وكتب بنفسه دستوراً منحه صلاحيات واسعة، وأبعد معارضي سياسته عن المشهد السياسي، سواء بالسجن أو بالنفي.

ومع ذلك، لم يجد التونسيون أثراً لهذه الشعارات في حياتهم اليومية. بل على العكس، تدهورت أوضاعهم واشتد الفقر قبضته.

هذا التناقض ربما يقدّم دليلاً عملياً على أن الازدهار الاقتصادي لا يأتي من الشعارات الكبرى والعبارات المصقولة، ولا من ملاحقة رجال الأعمال والمستثمرين، ولا من سجن الخصوم السياسيين.

إنه يأتي من قيادة عقلانية، وانفتاح اقتصادي، ومناخ استثماري سليم يقوم على الثقة في مؤسسات الدولة وفي عدالتها.

أضف تعليق