ما هو فن البوب آرت، الحركة الفنية التي غيّرت مسار تاريخ الفن؟

على الرغم من أن الجيش الألماني احتل فرنسا في مايو/أيار 1940 وظلت البلاد تحت الاحتلال أربع سنوات، فإنها خرجت من الحرب العالمية الثانية في صف المنتصرين. ولهذا جاءت “الواقعية الجديدة”، التي تُعد عادة النسخة الفرنسية من فن البوب، بنبرة مختلفة عن “الواقعية الرأسمالية”: لم تكن أكثر تفاؤلاً بالضبط، بل أكثر اتساعاً وانفتاحاً في حدود ما يسمح به تشكك الفرنسيين. وكانت جمالياتها دادائية بقدر ما هي بوب، بل ربما أكثر دادائية، بما تلمّح إليه من القوى الكامنة وراء الثقافة الجماهيرية.

تأسست الواقعية الجديدة عام 1960 على يد الناقد الفرنسي بيير ريستاني والرسام إيف كلاين. ومن بين ما قام به كلاين أنه سجّل براءة اختراع لدرجة لونية خاصة من الأزرق فوق البحري العميق، أطلق عليها “أزرق كلاين الدولي”، ثم استخدمها في تغطية أشياء متنوعة: لوحات تنتشر عليها الإسفنج، ونسخ جبسية لفينوس ميلو. كما استخدم هذا اللون في عرض علني، إذ دهن به عارضون عراة أجسادهم وتركوا آثارها على قماش فارغ. وقد ظهر هذا الميل إلى الاستعراض أيضاً في صورة له يبدو فيها وكأنه يقفز من جدار، وجسده ممدود وذقنه في المقدمة، لكنها كانت في الحقيقة خدعة تركيب فوتوغرافي.

كان ولع كلاين بالاستعراض موازياً لاعتماد وسائل الإعلام الجماهيرية على الاستعراض نفسه، وهو أمر ظاهر في أعمال نيكي دو سان فال، عارضة الأزياء الفرنسية الأمريكية السابقة والفنانة التي تعلّمت بنفسها، والتي عانت في طفولتها من إساءة جسدية وجنسية على يد والديها. “لوحات الرماية” الأدائية التي ابتكرتها كانت تركيبات من أشياء، بعضها قائم بذاته وبعضها مثبت على ألواح معلقة، وتضم علب بخاخ طلاء وبالونات مملوءة بالأصباغ، وقد غُطيت كلها بطبقة من الجص. وكانت سان فال تطلق النار على هذه الأعمال ببندقية لتحرير ما بداخلها، فينتج عن ذلك ما يشبه لوحة تعبيرية تجريدية فوضوية. وقد وصفتها بأنها “مسرح جريمة”، وكثيراً ما أنجزتها في “إعدامات فنية” علنية، تطرد بها شياطينها الشخصية وتطمس في الوقت نفسه الحدود بين الثقافة الرفيعة والمنخفضة.

يقرأ  آثار مبيعات نوفمبر الإيجابيةتنعكس في آرت بازل ميامي بيتش

أما فنانون آخرون في الواقعية الجديدة فتعاملوا مع مخلفات الثقافة الجماهيرية. فمجموعة فرعية عُرفت باسم “الأفيشيست”، وهم جاك فيليغليه وريمون هاينز والفنان الإيطالي ميمو روتيلا، كانوا يجمعون من الشوارع ملصقات ممزقة متراكبة وقد بدا عليها أثر الزمن. وهناك فنانان اشتهرا باسميهما الأولين، هما سيزار بالداتشيني وأرماند فرنانديز المعروف بأرمان، صنعا منحوتات من أكوام الخردة. فاستخدم سيزار مكبساً هيدروليكياً ليصنع كتلاً مضغوطة من سيارات وخردة أخرى مكصوصة. أما أرمان فاتبع نهجاً ألطف، إذ جمع أشياء مُنتجة بكميات ضخمة، كفرش الرسم والكمانات والساعات، في “تراكمات” من نوع ما أسماه بذلك؛ من بينها عمل “زوجة بلوبيرد” (1969)، وهو مجسّم شبه شفاف من الراتنج على هيئة جذع أنثوي، غُرس فيه عشرات من فراشي الحلاقة الرجالية.

أضف تعليق