آلاف يتوافدون في صربيا لتشييع جنازة «جزار البوسنة» راتكو ملاديتش

قاد راتكو ملاديتش قوات صرب البوسنة في التسعينيات في مواجهة جيشَي كروات البوسنة والبوشناق (المسلمين البوسنيين). وخلال حرب البوسنة التي استمرت من 1992 إلى 1995، ارتكبت قواته ما عُرف لاحقاً باسم «التطهير العرقي» في البوسنة والهرسك، في مسعى لطرد السكان غير الصرب بالقوة. وحاصرت قواته العاصمة سراييفو، ما أسفر عن مقتل أكثر من عشرة آلاف شخص.

اعتقل ملاديتش عام 2011، بعد ستة عشر عاماً من توجيه الاتهام الأول إليه، وحكم عليه بالسجن المؤبد عام 2021 بعد محاكمة استمرت تسع سنوات. ورغم إدانته بالإبادة الجماعية، ما يزال شخصية وطنية ينظر إليه كثير من الصرب بوصفه بطلاً ومدافعاً عن الأمة. وفي جمهورية صربسكا، الكيان الصربي في البوسنة، يعتبره كثير من القوميين بطلاً وحامياً، وأثارت وفاته وقفات تأبينية هناك.

وذكرت وسائل إعلام محلية أن عدة وزراء في الحكومة الصربية انضموا إلى الجموع التي توافدت لتقديم العزاء خارج الكنيسة التي وُضِع فيها نعش ملاديتش قبل الدفن، من بينهم وزير الدفاع براتيسلاف غاشيتش ووزير العدل نيناد فوييتش. وقاد البطريرك بورفيريي، رئيس الكنيسة الصربية الأرثوذكسية، مراسم الدفن، وقال إن اسم ملاديتش سيبقى «محفوراً بعمق في ذاكرة وصلوات غالبية شعبنا الصربي الأرثوذكسي، الذي يشعر تجاهه بامتنان عميق».

وفي الصباح الباكر، تشكلت طوابير طويلة خارج كنيسة القديس لوقا الصغيرة، حيث انتظر الناس دورهم لتقديم الاحترام لنعشه. وكان كثيرون في الجموع من قدامى المحاربين، والتف بعض الرجال بأعلام عليها صورته. وقبل ساعات من موعد الجنازة، وصل كثيرون لإشعال الشموع أمام الكنيسة، في حين كانت جوقة تصدح عبر مكبر للصوت تحت أشعة الشمس.

وداخل الكنيسة، حرس النعش عدة رجال معظمهم من المحاربين القدامى، بينما كانت زوجته وابنه وأحفاده يقفون لتلقي العزاء. ومما يعكس المكانة الرفيعة التي كان يتمتع بها الجنرال السابق أن نعشه نُقل الأسبوع الماضي إلى صربيا على متن طائرة حكومية، وحمله من الطائرة ستة جنود وهو مغطى بالأعلام. كما نُظمت خدمات حافلات مجانية من البوسنة ومن معظم المدن الصربية لمن أراد المشاركة في مراسم الوداع.

يقرأ  ما هو قانون مفتاح القتل للذكاء الاصطناعي المقترح في أمريكا وكيف سيعمل؟

ومساء الأحد، كشف مشجعو نادي النجم الأحمر بلغراد عن لوحة كبيرة عليها صورة ملاديتش قبل فوزهم في مباراة الديربي على غريمهم بارتيزان بلغراد.

أما بالنسبة لآخرين، فقد أعادت الجنازة إحياء ذكريات مؤلمة عن الحرب. وقالت زدرافكا غفوزدار من سراييفو، التي قُتل ابنها البالغ من العمر تسع سنوات على يد قوات كان يقودها ملاديتش أثناء حصار المدينة، لوكالة رويترز إن إقامة الجنازة في بلغراد «أمر مريع حقاً». وأضافت أن ملاديتش «كان يستحق أن يُمحى من الذاكرة إلى الأبد، لا أن يُروَّج له كبطل»، وأنه «لا ينبغي أن يُذكر إلا بوصفه جزاراً».

أما دانييلا بيلد، المحررة في منظمة معهد الحرب والسلام غير الحكومية والتي تابعت محاكمة ملاديتش بتهم جرائم الحرب بالتفصيل، فقالت إن حضور الآلاف جنازته يعود إلى أنه «ما يزال شخصية تمثل الفخر الوطني والتحدي». وأضافت للبي بي سي أن المحكمة المختصة بجرائم الحرب «قدّمت سجلاً تاريخياً مفصلاً بشكل مذهل لجرائم ملاديتش»، لكن الإعلام الصربي والنظام التعليمي لم يعكسا الحجم الحقيقي لجرائمه ولا وجهات نظر الضحايا والناجين. وأوضحت أن الإعلام الصربي المؤيد للحكومة «يرسم صورة ملاديتش كجندي مخلص نفّذ واجبه فقط»، وختمت بالقول إنه «من الصعب جداً على مجتمعات ما بعد النزاع أن تجري محاسبة وطنية أو تعترف بالمسؤولية عن جرائم الماضي».

أضف تعليق