بعد أربعة أيام من اختفائه من معسكر المنتخب المصري للمصارعة في بطولة العالم تحت 20 سنة التي أُقيمت في سلوفاكيا الشهر الماضي، نشر المصارع زياد حجاج أبو جبل، البالغ من العمر 19 عاماً، رسالة على فيسبوك.
وكتب في 29 أغسطس/آب: “لا أريد أن يغضب مني أبي وأمي. فعلت هذا لأرى نفسي رجلاً. لن أعود إلى مصر، بلدي الحبيب، حتى أحقق لها ما يشرفها”. وأضاف: “كل ما أحصل عليه في الشهر هو 700 جنيه مصري (نحو 13.7 دولاراً)، وأنا لاعب دولي… وبعد كل هذا الضغط، لم يكن بإمكاني العودة”.
وفي 27 أغسطس/آب، كان مصارع مصري آخر، هو محمد الشامي (23 عاماً)، قد فرّ أثناء مرور بعثة المنتخب في روما وهي في طريقها إلى مصر بعد مشاركتها في ألعاب البحر المتوسط في تارانتو بإيطاليا.
وفي منشور له على فيسبوك في 29 أغسطس/آب، قال الشامي إنه بدأ يشعر بأنه عبء مالي على أسرته، وإنه يريد أن يبدأ في كسب المال لهم. وكتب: “في مرحلة ما شعرت بأن والدي منهك، وأن الحياة أصبحت قاسية عليه. أنا أكبر إخوتي، لذلك كان على أحدهم أن يضحّي ويتحمّل المسؤولية”.
ورغم أن السلطات في مصر قد تحاول الآن اتخاذ إجراءات قانونية ضد الرياضيين الاثنين، فإن منشوريهما لاقيا موجة تعاطف واسعة من المصريين على فيسبوك، حيث قال كثيرون إنهم يفهمون الضغوط التي دفعت هذين الرياضيين إلى الهروب من بلد يعاني من الفقر.
والواقع أن حجاج والشامي ليسا أول مصارعين مصريين يفرّان أثناء تواجدهما في الخارج، فالمعاناة التي وصفاها يشترك فيها كثير من العاملين في رياضة المصارعة في مصر.
ديون ويأس
مصارع يبلغ من العمر 27 عاماً، سبق أن حصل على عدة ميداليات ذهبية لمصر، وطلب عدم ذكر اسمه، قال للجزيرة إن الرياضيين تحت سن العشرين يحصلون على 700 إلى 800 جنيه مصري (نحو 13.7 إلى 15.7 دولاراً) شهرياً. أما اللاعبون الدوليون الأكبر سناً، فذكر أنه يتقاضون ما بين 5000 جنيه (نحو 98.2 دولاراً) و12 ألف جنيه (نحو 235.7 دولاراً) شهرياً، حسب إنجازاتهم.
وأضاف: “المصارعون غالباً ما يتراكم عليهم الديون لتغطية تكاليف المكملات الغذائية ومتطلبات المعيشة وهم ينتظرون جوائز مالية قد تصل وقد لا تصل”.
أحمد بغدودة غادر إلى فرنسا في 2023 مباشرة بعد فوزه بفضية بطولة أفريقيا للمصارعة، ويُقال إن سبب ذلك كان ضعف الأجر. طارق عبد السلام انشقّ إلى بلغاريا في 2017 بعد ما وُصف بأنه إهمال طبي، ثم فاز بذهبية أوروبا تحت علم بلغاريا. وفي العام نفسه، اختار إبراهيم غانم البقاء في فرنسا، ثم فاز لاحقاً بلقب بطولة العالم لهذا البلد.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن محمد إبراهيم السيد، المعروف بـ”كيشو”، بطل أفريقيا ست مرات وبطل العالم مرتين لفئة تحت 23 عاماً والحاصل على برونزية وزن 67 كيلوغراماً في أولمبياد طوكيو 2020، أنه اتخذ “الخطوة الأولى” نحو تغيير ولائه الرياضي لتمثيل الولايات المتحدة، ونشر صور تدريبات في منشأة تظهر خلفه العلم الأميركي.
وعندما سألته الجزيرة عبر تطبيق مراسلات عن سبب استمرار فرار المصارعين من مصر، وجّه كيشو اللوم إلى اتحاد المصارعة. وقال من الولايات المتحدة: “هو الجهة الوحيدة القادرة على توفير بيئة مناسبة، لكن العكس هو الذي يحدث. المشكلة ليست في المال فقط، بل أعمق من ذلك بكثير. عندما أعتزل، ماذا يفترض بي أن أفعل؟ لا سمح الله إذا أُصبت، ماذا يحدث لي؟” وأضاف: “كنت سأتخذ القرار نفسه مراراً وتكراراً، وأنصح لاعبي منتخب مصر بالتركيز على تدريباتهم والمطالبة بحقوقهم، لأنها حياتهم التي تُهدر”.
تواصلت الجزيرة مع رئيس ونائب رئيس الاتحاد المصري للمصارعة، وكذلك رئيس اللجنة الأولمبية المصرية، للتعليق على هذه الانتقادات، لكن لم يرد أي منهم.
غير أن حسام محمد، الاختصاصي النفسي لمنتخب المصارعة، قال إن اختفاء اللاعبين في الخارج ليس سببه ببساطة ضعف التعويضات المالية أو الإهمال، مؤكداً أن الدولة تقدم دعماً جيداً للمصارعين، سواء عبر مكافآت مالية أو معسكرات تدريب في الخارج أو سكن ووجبات. وأشار إلى أن مكافآت الميداليات يمكن أن تصل إلى 5 ملايين جنيه مصري (نحو 98,135 دولاراً) مقابل ذهبية أولمبية.
وأوضح أن “اتحاد المصارعة، مقارنة بالاتحادات الرياضية الكبرى، لديه موارد محدودة بسبب غياب حقوق البث والإيرادات التجارية والجماهيرية التي يتمتع بها قطاع كرة القدم”. لكنه أضاف أن “المشكلة الأساسية للرياضيين ليست فقط في ما يحصلون عليه أثناء سنوات اللعب، بل في ما ينتظرهم بعد الاعتزال أو الإصابة”.
وفي ما يتعلق بحجاج والشامي، قال إنهما شاركا في بطولات دولية، لكن “الحصول على المكافآت مرتبط بتحقيق نتائج، واللاعب الذي لا يحتل مركزاً متقدماً لا يحصل على مكافأة البطولة”، ولم يتمكن أي منهما من الصعود إلى منصة التتويج في المنافسات الأخيرة.
من جهته، دعا جمال البدري، الرئيس السابق لاتحاد الكيك بوكسينغ المصري، وزارة الشباب والرياضة إلى فرض رقابة أكثر صرامة على الاتحادات الرياضية الوطنية، ومراجعة المكافآت والبدلات والتأمين الصحي. وقال للجزيرة: “لا يمكن إسقاط المسؤولية كاملة عن الرياضيين، لكن ضعف النظام المالي والإداري هو الدافع الأساسي”.
النيابة تحقق
في غضون ذلك، أحالت وزارة الشباب والرياضة المصرية حجاج والشامي إلى النيابة العامة، متهمة إياهما بمخالفة القواعد المنظمة للبعثات الوطنية.
كما أحالت اللجنة الأولمبية المصرية العميد إبراهيم عادل، أمين صندوق اتحاد المصارعة ورئيس بعثة المصارعة في بطولة تارانتو، إلى لجنة الأخلاقيات للتحقيق، وأوقفته عن مهامه بسبب سماحه للشامي بالفرار.
رفض عادل التعليق على الانتقادات الموجهة إلى الاتحاد، لكنه قال للجزيرة إنه يعتقد أن الإجراءات ضده غير عادلة، مشيراً إلى وجود إجراءات وقائية سبق أن اتُخذت قبل الرحلة، منها تعهدات موثقة وقّع عليها أولياء أمور اللاعبين واللاعبون أنفسهم بالعودة إلى مصر.
وفي هذه الأثناء، يترك الرياضيون الفارّون خلفهم عائلات في حالة قلق شديد. أبو جبل، والد حجاج، قال للجزيرة عبر الهاتف إنه يشعر بقلق عميق على ابنه بعد مغادرته المنتخب في سلوفاكيا، مشيراً إلى أن ابنه أطفأ هاتفه لفترة طويلة ولم يرد على الاتصالات. وأضاف: “وقّعت على موافقة الوالدين الموثقة المطلوبة لسفر ابني القاصر”، علماً أن سن الرشد القانوني الكامل في مصر هو 21 عاماً. يبدو أن النص الأصلي غير موجود في رسالتك. من فضلك أعد إرسال المقال الذي تريد إعادة صياغته بالعربية.