أوقفت روسيا وأوكرانيا، خلال عطلة نهاية الأسبوع، ضرباتهما على عاصمة الطرف الآخر، للسماح لمبعوثَي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بزيارة موسكو والقيام بأول زيارة لهما إلى كييف منذ بدء الحرب. وتأتي هذه الزيارة في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إحياء محادثات متوقفة منذ فبراير/شباط.
وجاءت هذه الزيارة بعد حملة جوية روسية على كييف استمرت عشرة أيام متتالية وأسفرت عن مقتل 53 شخصًا على الأقل. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن الحرب ستستمر على الأرجح حتى الشتاء، ولم يُعلن عن أي اختراق بعد المحادثات.
ومع استمرار الحرب في عامها الخامس، تكشف الأرقام كيف بات الطرفان يعتمدان على الطائرات المسيّرة أكثر من المدفعية، وكيف وصلت الهجمات إلى ما هو أبعد من خط الجبهة، لتطال المدن والبنية التحتية المدنية.
الهجمات على البنية التحتية المدنية ارتفعت أكثر من الضعف
شهدت الحرب، التي بدأت بالاجتياح الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، تزايدًا مطردًا في استهداف البنية التحتية المدنية من الطرفين. وحسب تحليل أعدّه مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح، نفّذت القوات الروسية 29,792 هجومًا على أوكرانيا عام 2022، من بينها 1,635 هجومًا، أي أكثر من 5 بالمئة، استهدفت بنى تحتية مدنية، شملت المباني السكنية ومنشآت الطاقة والرعاية الصحية والتعليمية. وبحلول أغسطس/آب 2026، كانت الهجمات الروسية على البنية التحتية المدنية في أوكرانيا قد ارتفعت إلى 7,170 هجومًا، وهو ما يمثل أكثر من 13 بالمئة من مجمل الهجمات الروسية على البلاد.
وسجّل التحليل نفسه 245 هجومًا أوكرانيًا على روسيا عام 2022، استهدف 24 منها البنية التحتية المدنية، أي نحو 10 بالمئة. وبحلول أغسطس/آب 2026، صار عدد هذه الهجمات 3,560 هجومًا، أي 27 بالمئة من جميع الهجمات الأوكرانية على روسيا. ومع أن النسبة الأكبر من الهجمات الأوكرانية تستهدف بنى تحتية مدنية، فإن روسيا تنفذ عددًا أكبر بكثير من الهجمات إجمالًا.
أين تُستهدف البنية التحتية المدنية؟
تواصل روسيا استهداف شبكة الكهرباء الأوكرانية بصورة شبه منتظمة، وحذّرت مجددًا من “ضربات واسعة” على البنية التحتية قبل دخول الشتاء، ردًا على الهجمات الأوكرانية على منشآتها النفطية والغازية، وفقًا لشركة “أوكرينيرغو” المشغلة لنظام نقل الكهرباء. وبحسب بيانات مشروع رصد مواقع وأحداث النزاع المسلح، تركزت معظم الهجمات الروسية في أوكرانيا على خط الجبهة في دونيتسك، حيث تجاوز عدد الهجمات 3,652 هجومًا، ثم خاركيف (3,590)، وسومي (2,969)، ودنيبروبتروفسك (1,797)، وخيرسون (1,147). وخارج المقاطعات الشرقية والحدودية، سجّلت منطقة كييف، بما فيها العاصمة، 742 هجومًا.
وتشير البيانات إلى أن نحو 68% من الهجمات الروسية على البنية التحتية المدنية أصابت مباني سكنية، وأكثر من 19% استهدفت منشآت الطاقة، في حين طالت 7.7% منها مباني تعليمية، و5.1% مرافق صحية.
في المقابل، تستخدم أوكرانيا طائرات مسيّرة بعيدة المدى لضرب منشآت النفط والغاز في روسيا، ومراكز الإمداد والمستودعات، بما فيها مستودعات تابعة لشركتي التجارة الإلكترونية “وايلدبيريز” و”أوزون”. وقال زيلينسكي يوم الجمعة إن أوكرانيا ستطلق ما لا يقل عن ألف طائرة مسيّرة يوميًا ضد روسيا، مقارنة بمتوسط يومي يبلغ نحو 300 طائرة مسيّرة حتى الآن.
ووفقًا للبيانات نفسها، تركزت معظم الهجمات الأوكرانية على روسيا في منطقة بيلغورود غربي البلاد، التي تجاوز عدد الهجمات فيها 9,549 هجومًا، تليها كورسك (1,035)، وبريانسك (297)، وكراسنودار (286)، وروستوف (185). وقد أصابت نحو 69% من الهجمات الأوكرانية مباني سكنية، ونحو 30% استهدفت منشآت الطاقة، في حين لم تتجاوز نسبة الهجمات التي طالت منشآت التعليم أو الرعاية الصحية 2%.
المسيّرات تهيمن على الحرب، لكن روسيا ما تزال تعتمد على الصواريخ
في السنوات الأولى للحرب، لم تكن الضربات الجوية وهجمات المسيّرات تشكل سوى جزء صغير من هجمات الطرفين، إذ كان القصف المدفعي هو الأداة الأساسية. لكن هذا الأمر انعكس لاحقًا، فأصبحت الضربات الجوية وبالمسيّرات هي النصيب الأكبر من الهجمات.
ومن المتوقع أن تطلق روسيا 840 صاروخًا باليستيًا على أوكرانيا هذا العام، بزيادة 47% عن عام 2025، وفقًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. وكثّفت موسكو استخدام الصواريخ الباليستية في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك أول استخدام قتالي مؤكد لصاروخها المطوّر “إسكندر-1000” الأطول مدى ضد كييف، وفقًا لمديرية الاستخبارات الرئيسية الأوكرانية.
الحاجة إلى مزيد من الصواريخ الاعتراضية
ذكرت وكالة الأنباء الأوكرانية “يوكرينفورم” في الأول من سبتمبر/أيلول، نقلًا عن المتحدث باسم القوات الجوية يوري إهنات، أن الدفاعات الجوية أسقطت جميع صواريخ كروز التي أُطلقت في الهجوم الليلي، لكنه قال إن أوكرانيا تحتاج إلى مزيد من القدرات، ولا سيما مزيد من صواريخ باتريوت الاعتراضية. فمخزون كييف من صواريخ باتريوت الأمريكية الصنع الباهظة الثمن وصواريخ إيريس-تي الألمانية الاعتراضية تضاءل، مما أضعف قدرتها على إسقاط الصواريخ الباليستية. ونتيجة لذلك، تراجعت نسبة اعتراض الصواريخ الباليستية من 24% عام 2025 إلى 10.2% عام 2026، وفقًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
ويزيد التهديد المتنامي للصواريخ الباليستية المتطورة من الحاجة إلى أنظمة دفاعية متقدمة مضادة للصواريخ، مثل باتريوت وثاد وأمرام وإيريس-تي.
وساعد الدعم الغربي على توسيع قدرات أوكرانيا في مجال المسيّرات والدفاع الجوي. ففي يونيو/حزيران، قدّم الاتحاد الأوروبي 3.9 مليار يورو (4.53 مليار دولار) ضمن حزمة شراء مسيّرات بقيمة 6 مليارات يورو (6.97 مليار دولار). كما أعلنت بريطانيا حزمة بقيمة 752 مليون جنيه إسترليني (1.02 مليار دولار) لتوفير 150 ألف طائرة مسيّرة وأكثر من 350 صاروخًا ورادارًا للدفاع الجوي بحلول نهاية العام.