حرب الخليج لن تنتهي إلا بالتسوية | الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران

حرب الخليج الحالية لا تشبه الحروب المعروفة. فالحروب، سواء كانت قصيرة أو طويلة، تنتهي عادة بإحدى طريقتين: إما أن يحقق أحد الطرفين انتصاراً حاسماً على الآخر، فيُوقَّع اتفاق استسلام وتفرض شروط المنتصر على المهزوم، كما حدث في الحربين العالميتين اللتين انتهتا بانتصار الحلفاء. وإما أن تنتهي بتسوية تقوم على مبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، حيث يستنفد الطرفان قدراتهما العسكرية في القتال، ويفرغان من طاقتهما من دون نتيجة حاسمة، فيتجهان إلى وقف الحرب والوصول إلى اتفاق يراعي مصالحهما، فتنتهي الحرب وكأنها لم تكن، سوى ما خلّفته من خسائر بشرية ومادية.

ومن الأمثلة على ذلك الحرب بين إيران والعراق، التي استمرت ثماني سنوات من دون أن يحقق أي من الطرفين أهدافه. فالعراق لم يحرّر “عربستان”، وإيران لم تنجح في إسقاط نظام حزب البعث في العراق.

وإذا نظرنا إلى حروب أميركا الحديثة، نجد أنها لم تكسب أياً منها. ربما لم تتعرض لهزيمة كاملة، لكنها لم تحقق الأهداف التي خاضت الحرب من أجلها. ما زالت صورة طائرات الهليكوبتر وهي تُجلي الأميركيين من سايغون حاضرة في الأذهان، وكذلك المشهد التاريخي في مطار كابول، حين تعلق حلفاء أميركا بأمل الخلاص فلم ينفعهم ذلك.

في حرب فيتنام، خسر الأميركيون نحو ستين ألف جندي. وكانت النتيجة اتفاق باريس لإنهاء الحرب وإتاحة مخرج أميركي، وسط انتصار فيتنامي واضح. انسحب الأميركيون من فيتنام، وتوحّدت البلاد بشروط فيتنامية.

وبالمثل، تكرر الأمر في حرب أفغانستان. فقد أُلقيت آلاف الأطنان من القنابل على البلاد، ثم انسحبت الولايات المتحدة فجأة وبفوضى مشهدها أقرب إلى الهروب من كارثة. أما في غزو العراق، فبدت الحرب وكأنها خاضتها أميركا لصالح إيران. فما عجزت طهران عن تحقيقه في ثماني سنوات، حققته أميركا لها بتسليمها العراق. أميركا قد تخسر حروباً، لكنها لا تتعلم منها قبل أن تبدأ حرباً أخرى.

يقرأ  سابالينكا تحصد لقب أمريكا المفتوحة للمرة الثانية توالياًوتتغلب على أنيسيموفا

أما حرب الخليج الحالية فهي غريبة، ولا تنطبق عليها الصيغتان المألوفتان. ففي العام الماضي، فوجئنا بحرب أميركية إسرائيلية على إيران استمرت أقل من أسبوعين، وكان الهدف منها إنهاء البرنامج النووي الإيراني، ثم توقفت فجأة. غادرت السفن الحربية الأميركية، وغادرت الطائرات الإسرائيلية أجواء طهران من دون أن تلقي حمولتها، بناء على قرار من الرئيس الأميركي. ومع أن هدف الحرب لم يتحقق، أعلن الجانبان انتصارهما.

وبقيت الأمور على حالها لأشهر، ثم عادت الحرب فجأة. وكان الأميركيون والإيرانيون حينها يتفاوضون بوساطة عُمانية، وكان من المقرر أن تستأنف المحادثات بين الطرفين بعد يوم واحد من بدء العمليات العسكرية الواسعة، بقصف متواصل من السفن الأميركية وطائرات إسرائيلية تحلق على مدار الساعة فوق المدن الإيرانية.

والمفاجأة الثانية أن هذه الحرب توقفت أيضاً من دون إنذار، وأعقبتها فترة من التهديدات المتبادلة بعودة القتال: تهديدات أميركية وإسرائيلية يقابلها تهديد إيراني، وحرب متقطعة تضرب فيها أميركا فيردّ الإيرانيون بضربة أخرى، وهكذا. وفي الوقت نفسه، بقي الاحتلال الإسرائيلي خارج هذه المواجهة.

هذه إذن ليست حرباً كسائر الحروب. إنها أقرب إلى مصارعة الديوك. ولا تجري وفق مبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، لأن الطرفين يواصلان الادعاء بأنهما يمتلكان الإرادة والقدرة على القتال.

وفي الميدان، تُقابل كل ضربة أميركية بضربة إيرانية، حتى لو كان أثر الرد الإيراني أقل. لكن ذلك يعني أن الإيرانيين لم يستسلموا، ولم تضعف عزيمتهم، وما زالوا يحتفظون بقدرة نسبية على مواجهة خصمهم.

وفي ما يتعلق بقرار الرئيس ترامب مواصلة الحصار على إيران وتشديد العقوبات الاقتصادية التي وصفها بأنها مدمرة وغير مسبوقة، يجدر التذكير بأن العقوبات مفروضة على إيران منذ أكثر من أربعين عاماً.

وهنا قد تُقارَن هذه العقوبات بما فُرض على العراق بعد غزوه الكويت من عقوبات وحصار، أدى إلى وفاة مئات الآلاف وسط نقص في الغذاء والدواء، وأفقر العراقيين إلى درجة أنهم باعوا أثمن ما يملكون لتغطية تكاليف الحياة اليومية.

يقرأ  أوقف تراجع التحصيل الصيفيألعاب رياضيات مجانية — نشرة قابلة للطباعة

كان للحصار والعقوبات أثر هائل على حياة العراقيين. لكن هل وضع إيران مماثل؟ أعتقد أنه مختلف تماماً، وأن المقارنة غير دقيقة. فإيران أكبر من العراق بعدة مرات. والعراق كان محاطاً بدول معادية لنظامه السياسي، ومنها إيران وسوريا. وكان منفذه الوحيد عبر الأردن، الذي كان مقيداً بدوره في ميناء العقبة لمنع أي خرق للحصار.

وضع إيران مختلف. فلديها حدود واسعة مع دول عدة، منها باكستان وأفغانستان وتركمانستان وأذربيجان والعراق. ولا توجد عداءات واضحة بين إيران وهذه الدول تدفعها إلى تشديد الحصار أو الالتزام الصارم بالعقوبات الأميركية. بل إن العراق يشكل في الواقع حداً مفتوحاً تستطيع إيران من خلاله الحصول على ما تحتاج إليه.

والأهم من ذلك أن لإيران ساحلاً يبلغ نحو سبعمئة كيلومتر على بحر قزوين، الذي يطل على دول عدة، أبرزها روسيا، التي تشارك إيران في هذا البحر وتحتفظ معها بعلاقات جيدة. لذلك لا أعتقد أن الحصار والعقوبات، مهما اشتدت، ستجبر الإيرانيين على التراجع أو الاستسلام.

وفي رأيي، لو خُيّر الإيرانيون بين الاستسلام وخوض حرب أخرى، لربما اختاروا الحرب. فما زالوا يبدون بمظهر من يملك درجة من القوة، وربما القدرة على إعادة بناء قدراته أيضاً.

وفي الختام، كانت الأهداف من هذه الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران هي إنهاء برنامجها النووي، والقضاء على منظومتها الصاروخية أو الحد من مداها على الأقل، وإسقاط النظام. ولم يتحقق أي من هذه الأهداف الثلاثة. صحيح أن المرشد الأعلى وكثيراً من القادة الإيرانيين قُتلوا، وأن أجزاء كبيرة من البنية التحتية دُمّرت، وأن القدرات العسكرية الإيرانية أُضعفت، لكن القيادة الإيرانية الحالية أصبحت أكثر تشدداً من سابقاتها.

واللافت أن قضية حرية الملاحة في مضيق هرمز، التي لم تكن سبباً مباشراً لاندلاع الحرب، أصبحت من نتائجها. وكأن الأهداف الأميركية الإسرائيلية من الحرب قد تحققت، مع أنها لم تتحقق. فقد أصبحت استعادة حرية الملاحة في المضيق أولوية عاجلة، لمنع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وتفادي ركود وأزمة مالية واقتصادية عالمية. ولهذا، انصرفت الجهود كلها إلى هذه القضية، بينما تراجع الحديث عن الأسباب الأصلية للحرب.

يقرأ  هجمات أوكرانية تستهدف منشآت نفطية في القرم وإقليم كراسنودار الروسيأخبار الحرب الروسية الأوكرانية

أخيراً، لا بد من تكثيف جهود الوساطة، وأن تنضم إليها قوى مؤثرة أخرى مثل أوروبا والصين، إلى جانب الجهود المشكورة التي تبذلها باكستان وعُمان وقطر. فمشاركتها قد تمنح الوساطة وزناً أكبر، وربما تؤثر في أطراف الصراع وتقربهم إلى حل وسط يحفظ مصالح الجميع، ويضمن إعادة فتح مضيق هرمز، ويجنب العالم أزمة مالية واقتصادية، ويحمي الدول العربية من القصف والاعتداء على أمنها وسيادتها الوطنية، رغم أنها ليست طرفاً في هذه الحرب.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة.

أضف تعليق