أنفقت روسيا على الجيش نسبة قياسية بلغت 44% من إجمالي نفقات الميزانية الاتحادية في النصف الأول من عام 2026، وفق حسابات أجراها يانيس كلوج، الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، بناءً على بيانات صادرة عن وزارة المالية الروسية.
بلغ الإنفاق العسكري المباشر في الأشهر الستة الأولى من العام 10.7 تريليون روبل، أي نحو 125 مليار دولار بالأسعار الحالية. وهذا يمثل زيادة بنسبة 30% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. كما يعادل هذا الإنفاق 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي الروسي في النصف الأول من العام، و57.3% من إيرادات الميزانية الاتحادية، ما يعني أن أكثر من نصف كل روبل جمعته الحكومة من الضرائب والإيرادات الأخرى ذهب إلى الحرب.
وتشير بيانات كلوج إلى أن الإنفاق المصنّف، أي البنود التي لا يكشف الكرملين عن تفاصيلها، هو المحرك الرئيسي لهذه الزيادة. فقد حدد قانون الميزانية الروسية لعام 2026 هدفاً سنوياً للإنفاق المصنّف يبلغ 11.6 تريليون روبل، لكن الحكومة أنفقت بالفعل أكثر من 8.4 تريليون روبل على هذه البنود المخفية بعد ستة أشهر فقط، ما يجعل إجمالي العام مرشحاً لتجاوز الرقم المخصص في الميزانية بشكل كبير. ووفقاً لأرقام كان كلوج قد استشهد بها في أرباع سابقة من هذا العام، تشير الوثائق الروسية إلى أن نحو 85% من الإنفاق المصنّف يذهب لتلبية الاحتياجات العسكرية.
ارتفعت حصة الجيش من الميزانية الاتحادية بثبات منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022. وتُظهر متابعات كلوج، التي تقارن النصف الأول من كل عام منذ 2018، أن الإنفاق العسكري كان يمثل 24.5% من نفقات الميزانية في النصف الأول من ذلك العام الذي سبق الحرب، ثم انخفض إلى نحو 20% في عامي 2020 و2021، قبل أن يقفز إلى 29.6% في النصف الأول من 2023، ثم 36.6% في 2024، و39.3% في 2025، ليصل إلى 43.8% في 2026. في المقابل، ظل الإنفاق العسكري المعلن والمفصّل مستقراً نسبياً خلال الفترة نفسها، حيث تراوح بين 11% و15% من الميزانية كل عام. النمو كله تقريباً جاء من البند المصنّف، الذي تحول من مبلغ إضافي صغير قبل الحرب إلى ما يقارب ثلثي إجمالي الميزانية العسكرية حالياً.
ويقدّر كلوج إجمالي الإنفاق العسكري المباشر منذ بداية الغزو الشامل بنحو 57.1 تريليون روبل، أي ما يعادل تقريباً 666 مليار دولار. وهذا الرقم يشمل فقط بنود الميزانية الاتحادية الرسمية، ولا يشمل تكاليف خارج الميزانية مثل إنفاق الحكومات الإقليمية على مكافآت التجنيد وتعويضات عائلات القتلى والجرحى، وهي تكاليف تابعها كلوج في تحليلات منفصلة للميزانيات الإقليمية الروسية.
شهد الربع الأول من عام 2026 وحده إنفاقاً عسكرياً بلغ 5.9 تريليون روبل، وهو رقم قياسي في ذلك الوقت وزيادة بنسبة 30% عن الربع الأول من عام 2025، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى قفزة بلغت 43% في الإنفاق المصنّف خلال تلك الفترة مقارنة بالعام السابق. غير أن كلوج أثار لاحقاً سؤالاً تقنياً حول حجم هذه القفزة في الربع الأول، مشيراً إلى أن أنماط الإنفاق الاتحادي الروسي أظهرت إنفاقاً مصنّفاً منخفضاً بشكل غير عادي في نهاية عام 2025، وأن إنفاق ديسمبر 2025 ككل تراجع بشدة مقارنة بالعام السابق.
وهذا النمط، كما يشير كلوج، قد يعني أن وزارة المالية أرجأت بعض الإنفاق الذي كان مخططاً له في 2025 إلى عام 2026، وربما فعلت ذلك جزئياً لتجنب تجاوز عجز الميزانية الذي التزمت الحكومة به علناً في العام الماضي.
وجاءت هذه الزيادة في الإنفاق في وقت تراجعت فيه إيرادات روسيا من النفط والغاز، التي كانت تاريخياً العمود الفقري للميزانية الاتحادية. فقد أظهرت بيانات الربع الأول انخفاض إيرادات النفط والغاز بنسبة 45% على أساس سنوي، وهو تراجع مرتبط بالعقوبات الغربية على صادرات الطاقة الروسية، إضافة إلى ارتفاع سعر صرف الروبل الذي يخفض قيمة النفط المبيع بالدولار عند تحويله إلى الروبل. وارتفعت الإيرادات غير النفطية والغازية بنحو 7% خلال الفترة نفسها، لكن ذلك لم يكن كافياً لتعويض العجز، ما جعل الإنفاق العسكري يعادل قرابة ثلثي إجمالي إيرادات الميزانية الاتحادية في الربع الأول، بحسب حسابات كلوج.
كما ذكرت بلومبرغ بشكل منفصل أن مسؤولين ماليين روساً أبلغوا الرئيس فلاديمير بوتين بشكل خاص أن مستويات الإنفاق الحربي الحالية أصبحت غير قابلة للتحمل. وتعتمد حسابات كلوج على بيانات تنفيذ الميزانية التي تنشرها وزارة المالية الروسية بانتظام، حتى وإن كانت تحجب التفاصيل المتعلقة بكيفية إنفاق الأموال المصنّفة. ويحذر كلوج من أن أنماط الإنفاق عادة ما تهدأ في الربعين الثاني والثالث مقارنة بالربع الأول، ما يعني أن الحصة السنوية من الناتج المحلي المخصصة للجيش قد تكون أقل مما يوحي به الإسقاط المباشر من الربع الأول، حتى مع استمرار الأرقام المطلقة بالروبل في تسجيل أرقام قياسية.