التنفس رهن أسطوانة أكسجين: أزمة طبية تهدد غزة

في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، يتسارع نبض قلب علي حميدة كلما نظر إلى المؤشر على أسطوانة الأكسجين في زاوية خيمة العائلة. وحين ينخفض المؤشر، يتلفت إلى ابنه عبد العزيز (14 عامًا) الراقد على فراش داخل الخيمة، قلقًا بشأن كمية الأكسجين المتبقية، وأين سيجد المزيد عندما تنفد.

يعتمد عبد العزيز على إمداد متواصل من الأكسجين الإضافي، كما يقول والده. وفي إحدى الليالي، نفدت الأسطوانة قبل أن يتمكنوا من استبدالها، فتدهورت حالته التنفسية بسرعة.

قال علي: “نفدت الأسطوانة فجأة في منتصف الليل. تحولت الدقائق إلى كابوس. بدأنا نروّح عنه بأيدينا وقطع من الكرتون بينما كان وجهه يزرقّ، وخشينا أن يفقد وعيه أو يدخل في غيبوبة أمام أعيننا ونحن عاجزون تمامًا”.

بالنسبة للعائلات التي ترعى مرضى يعتمدون على الأكسجين في غزة، أصبح تفادي مثل هذه الطوارئ أكثر صعوبة.

حذّرت وزارة الصحة في غزة في 15 أغسطس/آب من أن 12 فقط من محطات توليد الأكسجين البالغ عددها 34 في القطاع ما تزال تعمل، في حين أن 4 فقط من أصل 30 جهازًا لتعبئة أسطوانات الأكسجين ما تزال صالحة. وقالت الوزارة إن المعدات المتبقية تعمل فوق طاقتها وتتعرض لأعطال ميكانيكية متكررة.

هذه الظروف جعلت الحصول على الأسطوانات صعبًا، خصوصًا لمرضى مثل عبد العزيز يتلقون جانبًا كبيرًا من رعايتهم خارج المستشفيات.

قال علي: “كل دقيقة تمر تعني أن الأكسجين ينفد. أسأل نفسي دائمًا: كم بقي في الأسطوانة؟ هل يكفي حتى الصباح؟ وإذا فرغت، من أين سأحضر غيرها؟”.

منذ ولادته، يعيش عبد العزيز مع مشكلات صحية خطيرة؛ فهو وُلد بعيب خلقي في القلب ورئتين غير مكتملتين. كما يعاني منذ طفولته من استسقاء الدماغ، أي تراكم السائل الدماغي الشوكي في الدماغ. وخضع لعملية جراحية لوضع تحويلة بطينية صفاقية (VP shunt) لتصريف السائل الزائد وتخفيف الضغط على الدماغ. إضافة إلى ذلك، لديه اضطراب طيف التوحد، ويحتاج إلى رعاية يومية مكثفة، وهذا صعب جدًا في خيمة نزوح وسط قطاع غزة خلال حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية.

يقرأ  مانشستر سيتي يسحق ليفربول ٣-٠ يقلص الفارق مع أرسنال متصدر الدوري الإنجليزي

قبل الحرب، كان عبد العزيز يتلقى علاجًا تخصصيًا منتظمًا في مستشفى في إسرائيل. لكن ذلك توقف الآن، وأصبحت العائلة تعتمد على النظام الصحي في غزة، الذي دمرته الهجمات الإسرائيلية.

وارتفعت تكلفة رعايته. ويقدّر والده علي أن الأدوية والحفائظ والمواصلات تكلف العائلة ما بين 950 و1100 شيكل (أي بين 315 و365 دولارًا) شهريًا، أي ضعف ما كانت عليه قبل الحرب.

قال علي: “عبد العزيز لا يستطيع التعبير عن الألم مثل الأطفال الآخرين بسبب التوحد، لكنني أرى الضيق في عينيه. لست أطلب المستحيل؛ كل ما أريده هو أن يتنفس ابني بحرية”.

انقطاع الأكسجين الإضافي يمكن أن يشكل خطرًا على المرضى الذين يعتمدون عليه للحفاظ على مستويات كافية من الأكسجين في الدم.

قالت الدكتورة غادة حسونة، طبيبة في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، إن المريض الذي ينخفض مستوى تشبع الأكسجين في دمه فجأة يمكن أن يصاب بتسارع في التنفس وزيادة في ضربات القلب وازرقاق في الجلد بسبب ضعف تدفق الأكسجين والدم. وأضافت أن نقص الأكسجين يمكن أن يضرّ الأعضاء الحيوية، خاصة الدماغ والقلب. وأوضحت أن خلايا الدماغ شديدة الحساسية لنقص الأكسجين، وهي الأكثر عرضة للتلف السريع. وفي حالة عبد العزيز، فإن أي هبوط في مستوى الأكسجين يمكن أن يسبب ضررًا عصبيًا شديدًا أو دائمًا.

المشكلة لا تقتصر على عائلة واحدة. فبحسب وزارة الصحة في غزة، فإن خروج معظم محطات توليد الأكسجين عن الخدمة يعود إلى سياسة إسرائيلية ممنهجة على المعابر الحدودية.

السلطات الإسرائيلية ما زالت تقيّد وتمنع إدخال قطع الغيار والزيوت المتخصصة لمولدات المستشفيات ومحطات الأكسجين، كما تمنع دخول محطات جديدة كان ينبغي أن تعوّض النقص. وتصنف إسرائيل أسطوانات الأكسجين والأجهزة المصاحبة لها والمولدات الكهربائية ضمن “المواد مزدوجة الاستخدام”، وتمنع إدخالها أو قطع غيارها عبر المعابر المغلقة.

يقرأ  الجيش الإسرائيلي يقتل أعلى قيادي في تنظيم الدولة الإسلامية بقطاع غزة

في الوقت نفسه، تضيف بيئة النزوح القسري طبقة إضافية من المعاناة. فمئات الآلاف يعيشون في مناطق مفتوحة تفتقر إلى التهوية السليمة، وتمتلئ بالغبار والانبعاثات السامة الناتجة عن حرق النفايات البلاستيكية والمولدات البديلة للكهرباء، ما يضاعف عدد المصابين بالالتهاب الرئوي الحاد وأمراض تنفسية مثل مرض الانسداد الرئوي المزمن.

ويأتي هذا في وقت أوقفت فيه وزارة الصحة وعدد من المستشفيات في القطاع خدمة إعادة تعبئة أسطوانات الأكسجين للمرضى الذين يتلقون رعايتهم في المنازل أو الخيام. ويقول مسؤولون طبيون إن القرار كان إجراءً مفروضًا بعد أن أصبح النظام الصحي قريبًا من الانهيار، بهدف الحفاظ على ما تبقى من الأكسجين للأسرّة في الأقسام الحرجة، مثل العناية المركزة وحضانات الأطفال وغرف العمليات.

وبحسب الأطباء، لم يكن القرار خيارًا إداريًا، بل استجابةً لواقع كارثي تفرضه ظروف الحرب والتدمير الممنهج للبنية الصحية.

وتقدّر الأمم المتحدة أن نحو 350 ألف شخص في غزة يعيشون مع أمراض مزمنة، وأن الحرب عطّلت علاجاتهم بشكل كبير.

وقال محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، إن غزة تعاني نقصًا في نصف الأدوية الأساسية وأكثر من 80 في المئة من المواد المخبرية. وقدّر أن نحو 21 ألف مريض وجريح يحتاجون إلى علاج خارج غزة، بينهم أكثر من 4 آلاف مريض سرطان وأكثر من 10 آلاف جريح يحتاجون إلى رعاية جراحية متقدمة.

في الوقت الراهن، على المرضى في غزة أن يكتفوا بما هو متاح داخل القطاع.

عائلة عبد العزيز تقيس الوقت بما تبقى في أسطوانة الأكسجين.

قال علي: “نريد له أن يسافر ويستأنف علاجه. وحتى ذلك الحين، نحتاج إلى إمداد ثابت من الأكسجين. كل ما نريده هو أن يتنفس ابننا بكرامة، من دون الخوف المستمر من أن يتوقف تنفسه في أي لحظة”.

يقرأ  دولة ناورو الجزرية في المحيط الهادئ تغيّر اسمها رسمياً إلى ناويرو

أضف تعليق