بعد أكثر من ستة عشر شهرا على حرب جوية استمرت أربعة أيام بين الهند وباكستان، تبادلت خلالها الصواريخ والمسيّرات، وصل الجاران في جنوب آسيا إلى أقرب نقطة من مواجهة عسكرية منذ ذلك الحين، لكن هذه المرة في بحر العرب.
اصطدمت سفن بحرية هندية وباكستانية الثلاثاء، فتبادل البلدان الاتهامات. واستدعت باكستان الأربعاء كبير الدبلوماسيين الهنود في إسلام آباد، بعد ساعات من استدعاء نيودلهي للقائم بالأعمال الباكستاني وتسجيلها احتجاجا خاصا بها على الحادث.
وهذا الاصطدام هو أول لقاء عسكري مباشر بين البلدين النوويين منذ صراعهما الذي استمر أربعة أيام في مايو ٢٠٢٥، حين دفعت الضربات الجوية الهندية والرد الباكستاني البلدين إلى أقرب نقطة من حرب شاملة لم يشهداها منذ عقود.
وحتى الآن، لا تزال تفاصيل ما حدث محل خلاف. فلم تنشر أي من الحكومتين فيديو أو بيانات تتبع أو رواية مستقلة، وكل بيان يلقي اللوم على سفينة الطرف الآخر.
لكن المحللين يقولون إن الحادث أبرز مخاطر وقوع حوادث غير مقصودة في البحار، قد تتحول إلى أزمات أوسع، خصوصا أن الهند وباكستان لم يتبق لديهما سوى آليات عسكرية ودبلوماسية قليلة لنزع فتيل التوتر.
روايتان
قالت وزارة الخارجية الباكستانية في بيان مساء الأربعاء إن البحرية تنفذ منذ ١ سبتمبر تدريباتها التي تجري كل عامين، «سي سبارك-٢٦»، داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة.
وتمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة لأي دولة ٢٠٠ ميل بحري (٣٧٠ كيلومترا) من ساحلها. أما مياهها الإقليمية فتمتد ١٢ ميلا بحريا فقط (٢٢ كيلومترا) من الساحل، ويقع بقية المنطقة الاقتصادية الخالصة في المياه الدولية. ويمكن لسفن الدول الأخرى أن تمر عبر المنطقة الاقتصادية الخالصة في المياه الدولية بحرية، لكنها لا تستطيع استغلال مياهها اقتصاديا؛ فهذا الحق مخصص فقط للدولة التي تملك تلك المنطقة.
وقالت باكستان إن سفينة هندية، عُرفت بأنها المدمّرة الموجهة بالصواريخ «إنس كولكاتا»، حاولت «مرارا» دخول منطقة التدريبات منذ ٧ سبتمبر.
وفي ١٥ سبتمبر، قالت إن كولكاتا غيرت مسارها بشكل «خطير» ما أدى إلى اصطدامها بسفينة باكستانية أشارت إليها وسائل إعلام محلية باسم «بي إن إس حنين»، وهي سفينة دورية بحرية.
وقالت الخارجية الباكستانية: «ترفض باكستان بشدة هذا العمل الهندي العدواني»، واعتبرته انتهاكا لاتفاق ثنائي من ١٩٩١ يلزم السفن الحربية بالبقاء على مسافة ثلاثة أميال بحرية على الأقل (٥٫٥ كيلومترات، ٣٫٤ ميل) في المياه الدولية.
وقالت وزارة الخارجية الهندية إن السفينة الحربية كانت في مهمة مراقبة روتينية في المياه الدولية عندما اقتربت منها سفينة باكستانية بسرعة عالية ومناورة غير آمنة.
ولم تسم أي من الحكومتين سفنهما في بيانها الرسمي، ولم تؤكد الهند هوية كولكاتا ولم تنفها.
وآخر اصطدام بين البحريتين كان في يونيو ٢٠١١، عندما لامست الفرقاطة الباكستانية «بي إن إس بابر» الفرقاطة الهندية «إنس غودافاري» في خليج عدن، أثناء مرافقتهما سفينة تجارية أُفرج عنها من قراصنة صوماليين.
واتهم كل طرف الآخر آنذاك أيضا. وتلاشى ذلك الخلاف في غضون أسابيع.
المخاطر
قال نائب الأميرال المتقاعد في البحرية الباكستانية أحمد سعيد إن النمط نفسه، أي اقتراب سفينتين من بعضهما من دون نية واضحة للاصطدام، مألوف من حوادث «التلامس» في حقبة الحرب الباردة بين السفن السوفيتية والأمريكية في البحر الأسود.
لكنه رأى أن الهند وباكستان في وضع أسوأ للتعامل مع مواجهات مشابهة.
وقال سعيد للجزيرة: «لا توجد اتفاقية ثنائية للحوادث في البحر، مثل التي وقعتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في ١٩٧٢، ولا خط ساخن بين البحرية والبحرية. المادة العاشرة تحدد مسافة، لكنها لا تعطي قواعد للمناورة ولا إجراء للتحقيق في الحادث لاحقا. هذه الفجوة هي بالضبط سبب قدرة كل طرف على اتهام الآخر فقط».
وتشترط المادة العاشرة من اتفاق بناء الثقة لعام ١٩٩١ بين البلدين أن تبقى السفن الحربية على مسافة ثلاثة أميال بحرية على الأقل (٥٫٦ كيلومترات، ٣٫٥ أميال) في المياه الدولية.
وقال سعيد إن الخطر الأكبر هو ما قد يلي الاصطدام: تكتيكات أكثر حدة، مثل إغلاق رادار التحكم بالنيران على الهدف أو تحليق مروحيات فوق السفن، وصولا إلى «اشتباك يسفر عن خسائر بشرية فعلية».
غير أن محمد شريح قاضي، وهو محلل أمني وبحري مقيم في لاهور، أشار إلى الاتفاقية نفسها لعام ١٩٩١، وقال إنها تطلب إشعارا كتابيا قبل ٣٠ يوما بأي تدريب عسكري، كما أشار إلى لوائح دولية لمنع التصادم تنطبق على البلدين بصفتهما موقعين على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وقال قاضي: «لو كان لهذا الاصطدام فعلا احتمال التصاعد عسكريا، لكان ظهر ذلك بحلول الآن. هناك أداة لذلك تسمى تشاف، تُطلق فوق مقدمة السفينة أو مؤخرتها فقط للإشارة إلى أنك قادر على التصعيد إذا لزم الأمر. لم يحدث شيء من هذا هنا».
وأضاف أن لدى البحريتين أيضا قنوات مساءلة داخلية، إذ يواجه أي قبطان يثبت أنه تصرف من دون تفويض محاكمة عسكرية منفصلة عن أي احتجاج دبلوماسي.
وعن الصيادين الذين يُحتجزون بانتظام لعبورهم حدود سير كريك، وهي حدود غير مرسمة بين الهند وباكستان في الجنوب، قال قاضي إن الصلة بحوادث أبعد في البحر غير مباشرة لكنها حقيقية.
وأضاف: «قد يساعد ترسيم واضح، مع الوقت، في تقليص هذا الغموض، عبر تقليل الالتباس حول مكان وكيفية حدوث هذه التفاعلات».
وكان سعيد أكثر حذرا بشأن مدى بقاء حادث كهذا محصورا.
وقال: «لم يبق الأمر هادئا. خرجت الحكومتان علنا باحتجاجات متبادلة خلال يوم واحد»، مضيفا أن ما يجعل اللحظة أكثر خطورة من ٢٠١١ هو أن «الجمهورين في البلدين مستعدان ومتحفزان بعد صراع العام الماضي، وهو ما لم يكن موجودا في ٢٠١١».
وصارت المواجهات القريبة المشابهة أكثر تكرارا بين الصين والفلبين في بحر الصين الجنوبي.
وفي آخر تصعيد، في ٢٤ يوليو، قال مسؤولون فلبينيون إن سفينة صينية اقتربت نحو سبعة أمتار (٢٣ قدما) من قارب صيد فلبيني قرب شعب سكاربورو، وهو شعب مرجاني تطالب به الفلبين وتسيطر عليه الصين منذ ٢٠١٢، وإن سفن خفر السواحل الصينية أطلقت مدافع مياه على سفن فلبينية.
وقال قاضي إن ما إذا كان اصطدام هذا الأسبوع سيتبع النمط نفسه أو يتلاشى مثل حادث ٢٠١١ يعتمد أقل على السفن وأكثر على ما سيأتي بعد ذلك دبلوماسيا.
وأضاف: «إذا ظهر في غضون ٢٤ إلى ٤٨ ساعة المقبلة بيان رسمي يوحي بوجود سبب حقيقي لاختلاق حادث بهدف التصعيد، فنعم، قد يكون هناك احتمال حقيقي لتكرر ذلك».