التشتت الرقمي في التعلم: أسبابه وأمثلته وأرقامه

التشتت الرقمي في التعلم: الأسباب والأمثلة والإحصاءات وسبل المعالجة

ما المقصود بالتشتت الرقمي؟
في وقتنا الحاضر، صار كل من يشارك في تصميم التعلم القائم على التقنية أو تقديمه أو إدارته مطالبًا بالتفكير في مسألة التشتت الرقمي. ولماذا؟ لأن الأدوات الرقمية جعلت التعلم أسهل في الوصول، وأكثر مرونة وتعاونًا. غير أن الأجهزة نفسها التي تربط المتعلم بنظام إدارة التعلم تتيح له أيضًا أن يطّلع على الرسائل والبريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي والأخبار والفيديوهات وغيرها من الأمور التي تنافس انتباهه.

وهذا يخلق تحديًا حقيقيًا لفرق التعلم والتطوير والمربين ومصممي التعلم. هذا التحدي هو التشتت الرقمي، أي فقدان التركيز على مهمة ما بسبب الأجهزة أو التطبيقات أو الإشعارات أو المحتوى الرقمي أو غير ذلك من الأنشطة التقنية. وفي التعلم يحدث ذلك عندما تسحب هذه المشتتات الانتباه بعيدًا عن التعليم أو التدريب أو التأمل أو التعاون أو التقييم. لذا لم يعد السؤال هل يمكن للتقنية أن تساعد التعلم، فهي تفعل ذلك بوضوح. صار المطلوب الآن أن يعرف العاملون في مجال التعلم متى تتحول التقنية إلى مصدر تشتيت، وكيف يصممون بيئات تعلم تساعد الناس على البقاء مركزين.

وهذا التعريف لا يقتصر على الهواتف الذكية. فقد يترك المتعلم وحدة في نظام إدارة التعلم ليرد على رسالة في تطبيق محادثة، أو يفتح تبويبًا آخر أثناء ندوة عبر الإنترنت، أو يطّلع على بريده أثناء مشاهدة فيديو تدريبي، أو يبدأ بتصفح محتوى غير ذي صلة أثناء دورة إلكترونية.

ولمعالجة ذلك، لا يكفي أن نلوم الهواتف أو نقول إن المتعلمين يفتقرون إلى ضبط النفس. فالتشتت الرقمي ينتج عن تفاعل التقنية وعادات الأفراد والتصميم التعليمي وبيئة التعلم ككل. ولننظر في المسألة بمزيد من التفصيل.

لماذا يهم التشتت الرقمي في التعلم؟
يهم التشتت الرقمي لأن التعلم ليس مجرد رؤية معلومات. فالمتعلم يحتاج إلى التركيز لالتقاط النقاط المهمة، وربطها بما يعرفه مسبقًا، والتدرب على أفكار جديدة، وتذكرها لاحقًا. لكن الانقطاعات المتكررة تعوق ذلك. فبدل أن يركز المتعلم على مهمة تعلم واحدة، قد يظل ينتقل بين المقرر ومصادر التشتيت الرقمية الأخرى.

وهذا يصح بشكل خاص في التعلم الإلكتروني والتعلم في مكان العمل، حيث يجري التدريب غالبًا على الأجهزة نفسها التي يستخدمها الناس في عملهم اليومي. فقد ينتهي المتعلم من وحدة إلكترونية بينما يتابع تطبيق محادثة أو يقرأ رسائل بريد أو يرد على رسائل. ومجرد إنهاء الوحدة لا يعني دائمًا أنه أولى المادة انتباهًا كاملًا أو فهمها فهمًا حقيقيًا.

وتدعم الأبحاث هذا القلق. فقد وجدت دراسة شملت 1532 طالبًا جامعيًا خلال التعليم عن بعد في ظروف الطوارئ أن التشتت الرقمي مرتبط بانخفاض إدراك المتعلمين لمدى تعلمهم ورضاهم. ومع ذلك، بما أن الدراسة ركزت على طلاب جامعيين في سياق تعليم عن بعد محدد، ينبغي الحذر في تطبيق نتائجها على كل أنواع التعلم في مكان العمل.

إحصاءات التشتت الرقمي: ماذا تقول الأبحاث؟
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن المشكلة لا يسببها جهاز واحد أو سلوك واحد لدى المتعلم.

فقد فحصت مراجعة نُشرت عام 2025 ستًّا وعشرين دراسة عن التشتت الرقمي في التعليم، ووجدت أن نحو 52٪ من الأسباب مرتبطة بالتقنية، و38٪ بالاحتياجات الشخصية، و10٪ ببيئة التعلم. كما أظهرت المراجعة أن استراتيجيات الوقاية تعمل على مستويات مختلفة، مثل وضع قواعد واضحة، واستخدام أدوات للتحكم في التقنية، وتشجيع تغييرات في السلوك الشخصي.

يقرأ  موسمُ الأعاصير يزرع مخاوفٍ ماليةٍ في جُزرِ الكاريبي

وفي الوقت نفسه، تقدم بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سياقًا إضافيًا عن مدى شيوع التشتت التقني بين الطلاب. فقد وجدت المنظمة في عام 2024 أن ما يقرب من طالب واحد من كل ثلاثة طلاب في دولها الأعضاء تشتت انتباهه الأجهزة الرقمية أثناء الحصة. كما وجدت أن ثلاثة من كل أربعة طلاب يقضون أكثر من ساعة يوميًا في أيام الأسبوع على شبكات التواصل الاجتماعي.

وهذه الإحصاءات تركز على التعليم، لكنها تبرز نقطة مهمة لفرق التعلم والتطوير: التشتت يأتي من مزيج من التقنية والسلوك والبيئة، لا من عامل واحد فقط.

ما أسباب التشتت الرقمي؟
غالبًا ما يكون للتشتت الرقمي أسباب متعددة ومتداخلة، ولذلك نادرًا ما تنفع الحلول البسيطة مع الجميع. وتساعد الأبحاث الحديثة على تصنيف هذه الأسباب في ثلاث مجموعات: أسباب تقنية، وعوامل شخصية، وعوامل مرتبطة ببيئة التعلم.

أولًا: أسباب مرتبطة بالتقنية
كثيرًا ما يبدأ التشتت الرقمي من تقنية مصممة لجذب انتباهنا. فالإشعارات وتطبيقات المراسلة وشبكات التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني ومنصات الفيديو وتبويبات المتصفح وأدوات التعاون كلها يمكن أن تقاطع التعلم.

ويصعب تجنب مشتتات الإنترنت لأن التعلم الإلكتروني يحتاج إلى اتصال بالإنترنت. فقد يحتاج المتعلم إلى متصفح لمتابعة مقرر، لكنه قد يجد نفسه بعد ثوانٍ في مواقع غير ذات صلة.

كذلك قد يكون لدى من يتعلم في أثناء العمل نظام إدارة التعلم والبريد الإلكتروني وتطبيقات المحادثة والعمل الجماعي وتطبيقات الأعمال الأخرى مفتوحة في الوقت نفسه. وفي هذه الحالة تصبح مشتتات التقنية جزءًا من مساحة العمل نفسها.

ثانيًا: عوامل متعلقة بالمتعلم والسلوك
تلعب العادات والدافعية والملل وتجنب المهام وضبط النفس دورًا في التشتت الرقمي. فقد يمد المتعلم يده إلى هاتفه أو يفتح تطبيقًا آخر حتى من دون إشعار.

فمثلًا، من اعتاد فحص رسائله باستمرار قد يواصل ذلك أثناء التدريب. وإذا لم يجد المتعلم المادة ذات صلة به، فقد يبحث عن شيء آخر يفعله.

لذا فإن إدارة التشتت الرقمي تتطلب أكثر من مجرد إيقاف الإشعارات.

ثالثًا: عوامل مرتبطة ببيئة التعلم
يمكن أن تؤثر طريقة تصميم التعلم أيضًا في التشتت الرقمي. فالمحاضرات الطويلة والشاشات المزدحمة والوسائط المتعددة الزائدة والتصميمات المربكة والمحتوى غير المرتبط بالموضوع وقلة فرص المشاركة كلها تجعل بقاء المتعلم مركزًا أصعب.

وهذا هو المجال الذي يمكن لفرق التعلم والتطوير أن تحدث فيه أكبر فرق.

فالعاملون في مجال التعلم لا يستطيعون التحكم في كل إشعار يتلقاه المتعلم. لكنهم يستطيعون تجنب إضافة مشتتات إضافية داخل المقرر. ويستطيعون كذلك تصميم تجارب تعلم أكثر معنى وملاءمة وتفاعلًا، وهو ما يساعد على إبقاء المتعلمين منخرطين.

أمثلة شائعة للتشتت الرقمي في التعلم
يظهر التشتت الرقمي بطرق مختلفة بحسب بيئة التعلم. ومن خلال ملاحظة هذه الأنماط، تستطيع فرق التعلم والتطوير معرفة ما إذا كان المتعلمون يواجهون مشكلات تقنية أو تحديات في تصميم التعلم أو مشكلات بيئية أو مزيجًا من ذلك.

يقرأ  الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل التعليم: مبادرات عالمية من الولايات المتحدة إلى ناميبيا

من الأمثلة الشائعة:
في الصف الافتراضي، قد يطّلع المتعلم على تطبيق محادثة أو عمل جماعي بينما يتحدث المدرب.
في الدورة الإلكترونية، قد يفتح تبويبات متصفح غير ذات صلة.
في الفيديو التدريبي، قد يفحص الهاتف الذكي مرارًا.
في الندوة عبر الإنترنت، قد يقرأ رسائل البريد الإلكتروني ويرد عليها.
في وحدة نظام إدارة التعلم، قد يتنقل بين محتوى المقرر ووسائل التواصل الاجتماعي.
في التعلم الذاتي، قد يتصفح مواقع غير ذات صلة.
في التدريب في مكان العمل، قد يرد على إشعارات عمل أثناء التعلم.
في التعلم عبر الهاتف المحمول، قد ينتقل مرارًا بين المقرر وتطبيقات أخرى.

ولا يعني كل استخدام للتقنيات المختلفة أنه مشتت. فمثلًا، إذا فتح المتعلم وثيقة مرجعية يحتاجها لنشاط ما، فهو يستخدم التقنية لمساعدته على التعلم. أما إذا فتح موجزًا على شبكة تواصل اجتماعي غير مرتبط بالتعلم، فإن انتباهه يتحول بعيدًا عن التعلم. والفرق يعتمد على هدف التعلم.

هل التقنية مصدر تشتيت للطلاب والمتعلمين؟
يحدث التشتت الرقمي عندما تنقل التقنية إشعارات أو ترفيهًا أو رسائل أو مهامًا متعددة أو محتوى غير ذي صلة يصرف الانتباه عن التعلم. ومع ذلك، فإن وصف التقنية بأنها مصدر تشتيت وصف مبسط أكثر من اللازم، ولا يلتقط أثرها الكامل في التعلم.

فهل التقنية مصدر تشتيت؟ أحيانًا نعم، لكن ليس بطبيعتها دائمًا. فالتقنية يمكن أن تساعد في المحاكاة وأنشطة التدريب والصفوف الافتراضية والتعاون والتعلم المخصص وتسهيل الوصول إلى المحتوى والوصول السريع إلى المعلومات. وهذا يعني أن الجهاز نفسه قد يكون أداة تعلم مفيدة أو مصدر تشتيت بحسب طريقة استخدامه.

ولهذا يحتاج سؤال لماذا تشتت التقنية الطلاب إلى إجابة أكثر عمقًا. فالتقنية تشتت عندما تسحب الانتباه بعيدًا عن هدف التعلم الأساسي.

أما بالنسبة للعاملين في التعلم والتطوير، فليس الهدف إزالة التقنية من التعلم الرقمي، بل الحد من التشتت واستخدام التقنية حيث تساعد التعلم حقًا.

استراتيجيات إدارة التشتت الرقمي لفرق التعلم والتطوير والتصميم التعليمي
تنجح إدارة التشتت الرقمي على أفضل وجه عندما تعالج البيئة وتجربة التعلم وسلوك المتعلم في الوقت نفسه. كما تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الوقاية من التشتت تحتاج إلى أكثر من حل واحد.

أولًا: تصميم بيئة التعلم من أجل التركيز
تستطيع المؤسسات المساعدة في تقليل التشتت الرقمي عبر وضع حدود واضحة لوقت التعلم المركز.

فمثلًا، يمكن لفرق التعلم والتطوير أن تطلب من المتعلمين إيقاف الإشعارات غير الضرورية أثناء الجلسات المباشرة أو أوقات التعلم المحددة. ويمكن للمديرين دعم ذلك بأن يضمنوا للموظفين وقتًا محميًا للتطوير، بدلًا من توقع أن يردوا على كل رسالة فورًا أثناء التدريب.

والهدف ليس جعل مكان العمل خاليًا تمامًا من المشتتات، بل إظهار أن التعلم يستحق انتباهًا مخصصًا.

ثانيًا: تقليل التشتت داخل تجربة التعلم
ينبغي أن يأخذ التصميم التعليمي التشتت الرقمي في الحسبان. ويمكن لمصممي التعلم مساعدة المتعلمين على البقاء مركزين من خلال:
إزالة العناصر البصرية غير الضرورية.
الحفاظ على تنقل متوقع وواضح.
تقسيم المحتوى الطويل إلى أقسام ذات معنى.
استخدام إشارات لإبراز المعلومات المهمة.
تضمين تفاعل وتدريب هادفين.
تجنب الرسوم المتحركة غير ذات الصلة أو الوسائط الزخرفية.
ربط أنشطة التعلم بوضوح بمهام أو نتائج واقعية.

يقرأ  «عليّ أن أحمي هذه المخطوطات» الرجل الذي يحرس الكتب الإسلامية النادرة في موريتانيا فنون وثقافة

ولا تؤدي إضافة مزيد من التقنية دائمًا إلى تحسين التعلم الرقمي. فكل عنصر على الشاشة ينافس انتباه المتعلم بطريقة ما. لذلك ينبغي أن يكون لأي تقنية تعليمية تُستخدم قيمة تعليمية واضحة.

ثالثًا: تقوية التنظيم الذاتي لدى المتعلم
لا يمكن إزالة كل التشتت الرقمي بالتصميم وحده، لذلك يحتاج المتعلمون أيضًا إلى طرق لإدارة انتباههم.

يمكن لفرق التعلم والتطوير المساعدة عبر تشجيع المتعلمين على تحديد هدف واضح قبل البدء، وإدارة الإشعارات، والتخطيط لفترات راحة منتظمة، وإغلاق التطبيقات غير الضرورية، وملاحظة متى ينتقلون بين المهام بدافع العادة. وهذا يتجاوز النصيحة البسيطة ركّز فقط. فالمتعلمون يحصلون على طرق عملية لتشكيل بيئتهم وعاداتهم.

وفي النهاية، تأتي أفضل النتائج من الجمع بين تصميم تقني جيد، وتصميم تعليمي مدروس، وعادات انتباه قوية.

كيف تتجنب تشتت الهاتف أثناء الدراسة أو التعلم؟
يمكنك تقليل تشتت الهاتف الذكي أثناء الدراسة بأن تجعل الوصول إلى الأنشطة الأخرى أصعب خلال وقت تركيزك. وإذا كنت تريد تجنب تشتت الهاتف، فلست بحاجة إلى نظام إنتاجية معقد. فبعض التغييرات البسيطة كافية لجعل المشتتات أقل إغراءً.

وهذه أمور يمكنك تجربتها:
أوقف الإشعارات غير الضرورية، وأبقِ التنبيهات فقط للرسائل أو المكالمات المهمة فعلًا.
جرّب استخدام وضع التركيز أو عدم الإزعاج. فهذه الميزات تقلل الانقطاعات من دون أن تضطر إلى إطفاء هاتفك تمامًا.
ضع هاتفك في مكان لا يسهل الوصول إليه. هذه الخطوة الإضافية تجعل فحصه بدافع العادة أقل احتمالًا.
حدد أوقاتًا معينة لفحص رسائلك. ففترات الراحة المخططة أفضل للحفاظ على التركيز من الفحص المستمر للهاتف.
أغلق أي تطبيقات أو مواقع لا تحتاجها للدراسة، وبذلك تقل فرص تشتتك بشيء آخر.
اختر هدفًا واضحًا واحدًا لجلسة الدراسة. فعندما تعرف بالضبط ما تريد إنجازه، يصبح الحفاظ على التركيز أسهل.

تساعد هذه النصائح أيضًا في الإجابة عن أسئلة شائعة مثل كيفية تجنب التشتت بالهاتف، وكيفية تجاهل تنبيهات الهاتف، وكيفية الابتعاد عن الهاتف أثناء الدراسة. غير أنه من المهم أن تتذكر المؤسسات أن تجنب تشتت الهاتف ليس مسؤولية المتعلم وحده. فإذا لم يكن المقرر جذابًا، فسيجد حتى أكثر الطلاب انضباطًا صعوبة في الحفاظ على التركيز.

الخلاصة
التشتت الرقمي أكثر من مجرد مشكلة هاتف ذكي أو دليل على افتقار المتعلمين إلى الانضباط. فهو ينتج عن تفاعل التقنية وعادات المتعلم والتصميم التعليمي وبيئة التعلم. وهذا الفرق مهم لفرق التعلم والتطوير. فالتقنية قد تشتت، لكنها تساعد أيضًا في جعل التعلم أسهل وأكثر تفاعلًا وفاعلية. والهدف ليس التخلص من الأدوات الرقمية، بل تصميم مساحات تعلم تدعم فيها هذه الأدوات التعلم بدلًا من أن تنافسه.

وفي الواقع، إبقاء المتعلمين مركزين مهمة مشتركة. فعلى المؤسسات أن توفر الوقت والمساحة للتعلم، وعلى مصممي التعلم أن يقللوا المشتتات، وعلى المتعلمين أن يجدوا طرقًا عملية لإدارة عاداتهم الرقمية.

أضف تعليق